آخر تحديث:19:22(بيروت)
الجمعة 16/10/2020
share

لبنانيون في فرنسا يواجهون فساد السلطة: تأمين أدوية لمرضانا

نادر فوز | الجمعة 16/10/2020
شارك المقال :
لبنانيون في فرنسا يواجهون فساد السلطة: تأمين أدوية لمرضانا نبيع مناقيش في فرنسا لتأمين ثمن أدوية نرسلها إلى لبنان (الانترنت)
لأنّ الدولة في لبنان فاشلة. لأنّ السلطة عاجزة عن تقديم إلا الأزمات. لأنّ اللبنانيين يُحرمون اليوم من حبّة الدواء بعد أن حُرموا من أموالهم وخدمات الدولة المختلفة. لأنّ في البلد مافيات متحكّمة بالبضائع والأسواق المختلفة. ولأنّ الرجاء فقط معلّق على مغتربين ومقتدرين وأصحاب ضمير ونخوة، انطلقت من فرنسا مبادرة فردية لتأمين الدواء للبنانيين.

أحمد عيساوي وداليا عبيد، وغيرهم كثر، يعلمون منذ شهر تموز على جمع الأدوية في فرنسا، أو جمع أموال من نشاطات متفرّقة لشراء الأدوية وإرسالها إلى لبنان. ما لا يعرفه كثر من اللبنانيين أنّ أزمة انقطاع الدواء وصلت حد عجز مستشفيات حكومية وأخرى خاصة كبرى عن تأمين الدواء للمرضى فيها. إلا أنّ ما يدركه الجميع أنّ سلطة حاكمة تمارس القتل غير المباشر اليوم، بعد أن مارست العمد منه بأساليب مختلفة.

إعلان الحاجة
مع تأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، منذ أشهر، باشرت عبيد وعيساوي وعدد آخر من الناشطين اللبنانيين المقيمين في فرنسا بتنظيم حملات لجمع الدواء وإرساله إلى لبنان. "كنا نتلقى طلبات من الأهل والأصدقاء، ونرسل إليهم الأدوية مع أي شخص قادر على حملها من باريس إلى بيروت". ثم كانت مبادرة إلى دعم الناس غير المقتدرين والعاجزين عن شراء الأدوية في لبنان. لكن الأزمة في لبنان كبرى، وقد توسّع النشاط بفعل توسّع دائرة الطلبات. ما دفع عبيد إلى كتابة منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أشارت فيه إلى أنه "عم نعمل حملة شراية أدوية وإرسالها إلى لبنان من فترة، كنا نتكل على شو عم نطبخ ونبيع، بس هلق بحاجة لدعم اكتر، يلي بيوثق فيي وبحب يتبرع يحكيني على الخاص، أدوية الأمراض العصبية والنفسية وأمراض القلب والضغط والسكري طارئة جداً. عم نبعت الأدوية بشنط الناس. ومعنا فواتير للأدوية للشفافية... المصريات ممكن يتحولوا دغري على الصيدليات يلي عم نجيب منن الدوا (الموضوع كتير حساس، بعرف بس طارئ)". تقول عبيد لـ"المدن" إنّ "ثورتنا في مواجهة السلطة سياسية، وتقديم الدعم والمساعدة للناس أساسي، لكن شعارنا الأساسي لا يزال: تسقط المافيات والكارتيلات".

قتال اللحم الحيّ 
عمل هؤلاء الناشطون خلال الأشهر الماضية على تنظيم نشاطات لدعم مبادرتهم، فكانت المظلة الفعلية باسم جمعية "عدل" ومنظمة "عمل".. "كنا ندفع من جيوبنا إذا قدرنا لشراء الأدوية، نبيع مناقيش لتأمين ثمن الدواء، أو يقوم أحد الخطاطين بتخطيط الأسماء بالعربية للناس وبيعها لهم في الشارع، نبيع أكلاً لبنانياً، أو ننظم حفلاً موسيقياً أو فنياً، وكل ما هو متاح لنا فعله". خمسة يوروهات من هنا، و10 من هناك، و100 من متبّرع مقتدر، تمكّن الناشطون من تأمين ديمومة ولو بسيطة من أجل الاستمرار في دعم اللبنانيين في بيروت ومدّهم بالدواء. هو قتال فعلي باللحم الحيّ. يجمعون الأدوية ويرسلونها إلى لبنان مع أي زائر. فيحمل الأخير في شنطته جرعة الأمل هذه، "ويتم توزيعها وتسليمها باليد لطالبها"، من دون العمل مع جمعيات أو مؤسسات أو إدارات. ومع استمرار الطلب والحاجة، بات عدد من المسافرين يحملون شنط ليس فيها إلا الدواء، 23 كيلوغراماً من هنا و15 من هناك، مزوّدين بوصفات طبية وفواتير ومع احترام كامل للقوانين وبالتنسيق مع الهيئات الفرنسية اللازمة.

آليّتان ودعم
عملية الحصول على الأدوية، تتمّ وفق آليّتين. الأولى بالشراء نتيجة جمع المال من النشاطات، والثانية عن طريق شبكة علاقات نسجها الناشطون في الحقل الصيدلي والطبي، وهم ضالعون فيه. وعيساوي صيدلي وعبيد مجازة ومتخصصة بالصحة العامة. ففي فرنسا، يتم تجميع الأدوية غير المستخدمة التي اشتراها المواطنون، بهدف إعادة تدويرها. فعمد الناشطون إلى الحصول من صيدليات ومواطنين على علب الأدوية هذه، "وجميعها غير مستخدمة لا ينقص منها حبّة" بحسب ما يقول أحمد عيساوي. ويشير الأخير في اتصال مع "المدن" إلى أنّه "تواصلنا مع الجهات المعنية في نقابة الصيادلة في فرنسا التي لم تمانع الخطوة أبداً، واشترطت فقط على وجود الوصفات الطبية، وهو أمر طبيعي ومفهوم". فالعملية تجري وفق القانون، وبدعم وتسهيل من شبكة الصيادلة ومن المواطنين الفرنسيين أيضاً، "وتحديداً بعد انفجار مرفأ بيروت يوم 4 آب، حيث لاحظنا حجم التعاطف الفرنسي الفردي والجماعي مع لبنان"، بحسب عيساوي.

طلبات مستشفيات وأطباء
في الأسابيع الأخيرة، كبرت المبادرة ككرة ثلج. واستجاب لها لبنانيون مقتدرون في باريس. وازدادت الحاجة إلى الأدوية، حتى أنّ الصدمة تكمن في أنّ أطباء من مستشفيات لبنانية تواصلوا مع الناشطين في فرنسا من أجل الحصول على أدوية. هي أدوية أساسية، لأمراض القلب والضغط والسرطان، يهدّد انقطاعها من الأسواق حياة آلاف اللبنانيين. أي لأمراض مزمنة وحسّاسة. حتى أنّ الأزمة امتدّت أيضاً إلى انقطاع أدوية الأمراض العصبية والمهدّئات، فاضطر أطباء مختصون إلى التواصل مع المبادرة لتأمين الدواء لمرضاهم. وكل هذا أسلوب قتل غير مباشر تمارسه الدولة اللبنانية والسلطة فيها. فباتت المبادرة توصل الدواء للناس والأطباء والمستشفيات، بشكل مباشر.

وقاحة رسمية
يؤكد عيساوي على استجابة السلطات والهيئات مع المبادرة في باريس وتسهيل مهمّات نقل الأدوية إلى بيروت. لكنّ المستغرب، أنّ عدداً من ناقلي شنط الدعم القادم إلى لبنان واجهوا صعوبة في مطار رفيق الحريري الدولي. فعمدت عناصر أمنية على فتح الشنط ومساءلة حامليها. فكانت خطوة وقحة على الرغم من تقديم كل الأوراق والوصفات والختوم والفواتير والعناوين التي تتوجّه إليها الأدوية في لبنان، ومنها عناوين مستشفيات خاصة كبرى. أما في الجهة الفرنسية، فإنّ التسهيلات مستمرّة، من دون أخذ وردّ في مفارقة غريبة عجيبة.

بشفافية مطلقة، يعمل ناشطون لبنانيون في فرنسا على جمع الأموال أو يطلبون تحويل الدعم مباشرة إلى صيدليات لشراء الأدوية. ومع سعي إضافي لتوسيع رقعة هذا النشاط، داخل فرنسا وخارجها، يبقى التعويل على المبادرات الفردية وتلك المجتمعية غير الحكومية وغير المدعومة من أحزاب أو حكومات، قائماً. هؤلاء، كما اللبنانيين هنا، يقاتلون باللحم الحيّ للصمود ومواجهة مشاريع القتل الجماعي المنظّمة وغير المنظّمة، المباشرة وغير المباشرة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها