آخر تحديث:00:11(بيروت)
الخميس 30/01/2020
share

فلسطينيو المخيمات.. "صفقة القرن" سلاح إضافي للعنصريين اللبنانيين

أحمد الحاج علي | الخميس 30/01/2020
شارك المقال :
فلسطينيو المخيمات.. "صفقة القرن" سلاح إضافي للعنصريين اللبنانيين .. "يا وحدنا" (تصوير: علي علّوش)

ليس تفصيلاً أن تشكّل "مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى" مصدراً أساسياً لدخل الفلسطينيين في لبنان. إنها إشارة إلى المأساة التي ستؤسس لوعي الفلسطينيين وموقفهم تجاه معظم القضايا والأطروحات السياسية، ومنها "صفقة القرن". المأساة في كثرة عدد القتلى، وانعكاس ذلك على الواقع الاجتماعي، وأن تكون غالبية القتلى سقطت على أيدٍ عربية. والمأساة أيضاً أن عوامل منعت تطوير مصادر أخرى للدخل.

الذات وواقعها
سيبقى هذا الدم يطارد الفلسطيني في لبنان. يخلق صراعاً أبدياً بين واقع ذاته وحلمه. واقع الذات الذي يدعوه إلى الرضوخ، والقبول بكل ما يُعرض عليه، حتى لا يكرر "خطأ" رفض عروض أخرى: الكتاب الأبيض، قرار التقسيم، خطة عبد الناصر، ثم خطة بورقيبة، ثم.. لكن يصيح الدّم بصوت الحلم: "لم تُهزم بعد أيها الفلسطيني. لقد انتصرت في معركة الإرادة والوجود معاً. ما زال لديك الهُوية، والديموغرافيا كابوس يسكن الاحتلال، وأي احتلال لم يتخلّص نهائياً من السكان الأصليين عاد وانهزم". اللوحة بداخل الفلسطيني في لبنان ليست لوناً واحداً. هي ألوان متناقضة في أكثر الأحيان.

يُدرك الفلسطينيون في لبنان، كغيرهم من الفلسطينيين، صعوبة المعركة. "صفقة القرن" وضعتهم في مواجهة أميركا. لقد تصادموا عام 1936 مع القوة العظمى آنذاك (بريطانيا)، فخسروا أكثر من 5000 من مقاتليهم، وكانت هزيمتهم حتمية عام 1948. لا يريدون أن يكرروا الخطأ نفسه، فيتصادموا مع القوة العظمى اليوم التي كان رئيسها يخطب أمس كزعيم للمستوطنين في معاليه أدوميم، وليس كرئيس للولايات المتحدة يعرض خطة للسلام.

شفقة لا حنق
الفلسطينيون يُدركون أنهم يخوضون معركتهم الكبرى برفض "صفقة القرن" بلا حلفاء. يصارعون بشكل غير مباشر الدولة العظمى التي تخشاها دول أقوى من الفلسطينيين بكثير. دولة تستطيع أن تحذّر تركيا فتجبرها على إيقاف عملية "نبع السلام". وتقتل الرجل الثاني في إيران دون أن تلقى ردّاً موازياً. وتوقف التمدد الروسي في دير الزور. وتستبيح بيت مال الخليج. وتُرغم الصين على الموافقة على تعديل الاتفاق التجاري. نعم، هناك انزياح بطيء للقوة، لكن قد يتطلّب ذلك عقوداً، انتظارها من شيم قائد، ولا يقوى فرد بجسد يتهالك على الانتظار الطويل.

الأقسى من كل ذلك أن الفلسطينيين لا يستطيعون أن يطالبوا الشعوب العربية بشيء. هم يدركون أن من كانوا يقدرون على التعبير عن الرفض، على الأقل، هم إمّا غارقون في ركام بيوتهم بمعرّة النّعمان، أو تذوب جلودهم بسياط جلاّديهم في سجن العقرب، أو يلملمون بقايا لحم أصدقائهم بساحة الحبوبي بالناصرية. يستعيد الفلسطينيون شعارهم القديم الجديد "يا وحدنا"، دون حنق على العرب، كما كانوا يفعلون من قبل، بل شفقة على مآلهم.

خشية التهجير
يتنازع الفلسطيني في لبنان اتجاهات. هو يطرب لتكرار كلمة زعيمه يوماً ياسر عرفات خلال معركة الكرامة "لنمت تحت جنازير الدبابات ونغير اتجاه التاريخ في المنطقة"، تدغدغ لدى الإنسان الفلسطيني المقهور الحلم باستعادة الثقة بالنفس وتاريخ لا يُستعاد. لكن سرعان ما يرى في مخيماته لاجئين يشبهونه، هتفوا يوماً "الموت ولا المذلّة"، فنالوهما معاً، الموت قتلاً، والمذلّة تهجيراً.  

يخشى الفلسطينيون أن يكرروا التجربة. فهم حتى الآن خسروا حوالى نصف أعدادهم بالهجرة. فبينما هم وفق سجلات الأونروا حوالى 500 ألف، إلا أن أعدادهم الواقعية لا تتجاوز 250 ألفاً. "صفقة القرن" نصت على أن "العرب يتحمّلون المسؤولية الأخلاقية عن إدماج اللاجئين الفلسطينيين في بلادهم". لقد أعطت الصفقة سلاحاً إضافياً لدعاة العنصرية في لبنان تحت ستار رفض التوطين. ربّما يجددون مساعيهم التي بدأوها خلال الأعوام الماضية لتهجير الفلسطينيين من لبنان، وقد حققوا نجاحات جزئية. هذه المرة ربما يحظون بمساعدة دولية علنية تمهّد لتهجير واسع. 

الفساد والثورة
إحباط كبير يعيشه الفلسطينيون في لبنان، ليس مردّه صفقة القرن فقط. بل أساساً، واقع تعدّد الرايات، واختفاء العلم الذي احتفوا به في أغانيهم منذ رفعوه خلال انتفاضتهم عام 1920. رايات تعدّدت، ليس على أساس مشاريع اجتماعية ورؤى سياسية، بل لأسباب عصبوية بحتة، أو زعاماتية، من يسيطر على الزواريب. كانت هجرة النخب في السبعينيات والثمانينيات فرصة لكثير من عديمي المؤهلات وفاقدي السيرة الثورية أن يثبوا على المراكز القيادية الأولى، بكل عقدهم الاجتماعية، وغاياتهم التسلطية، وفسادهم، ليعيدوا تشكيل فصائلهم على صورتهم.

يصنعون إنساناً فلسطينياً فقيراً محتاجاً مقهوراً. يشكو غياب الأمن الذي أضاعوه، ثم يلجأ إليهم بحثاً عنه. لا يجد ما يؤمّن به حاجاته اليومية بسبب فسادهم، فيلوذ بهم متزلّفاً لتأمين قوت عياله. هذا المسؤول، لا يزور عائلات الفقراء إلاّ كسائح يريد أن يلتقط صورة "مع بائعة الفجل". يُخرج من المجتمع أسوأ ما فيه من استزلام ومحسوبية، محاولاً تدجينه بما ملك من مفاتيح صناديق مالية وعلاقات. يكاد فصيله أن يكون شعبة ابتهاج لديه لا أكثر. حتى مؤسسات "صامد"، التي كانت تشغّل حوالى 5000 فلسطيني قبل اجتياح عام 1982، تفرّق دمها بين الفصائل.

يُدرك الفلسطينيون في لبنان أن مجابهة "صفقة القرن" ممكنة جداً. لكن ليس بالأدوات ولا بطريقة التفكير نفسها. من صنع الفساد لا يمكن أن يقود الثورة. ومن كرّس الانقسام لن يحقق الوحدة الضرورية للصمود على الأقل. معركة استعادة قيمة الإنسان يجب أن تسبق معركة التحرير، أو تُخاض معها بالحدّة نفسها، وإلا سنخسر الإنسان والأرض معاً. لا بدّ من ثورة سياسية تعيد الديموقراطية إلى المؤسسات الفصائلية كلّها. وثورة اجتماعية تطرد الفساد من الجسد الفلسطيني. والمهم كذلك تفعيل الشتات داخل الفصائل الفلسطينية، هذا الشتات الذي يشكّل أكثر من نصف عدد الفلسطينيين، وما زال بأكثريته الساحقة متمسكاً بهويته الفلسطينية.

تبديد الأوهام
ويرى الفلسطينيون في لبنان أن لدى الشعب الفلسطيني من التجارب التاريخية ما يسمح له بجملة من الخيارات للردّ على الصفقة، من المقاومة الشعبية، إلى المقاومة المسلّحة بدرجات مختلفة وفق الظروف، وصولاً إلى استعادة شعار غسان كنفاني "فوق الصفر وتحت التوريط". خاصة وأن للفصائل الفلسطينية موطئ قدم في الضفة الغربية وقطاع غزة، قد يساعد في بناء استراتيجية فعّالة.     

لقد بدّد ترامب بـ"صفقة القرن" وطريقة استعراضه لمضمونها، برفقة نتنياهو، الكثير من الأوهام التي كان يمكن لبعض الفلسطينيين في لبنان أن يعيشوا فيها، كما حصل عند اتفاق أوسلو. فصفقة القرن كانت صريحة بعرضها الاستسلام الواضح على الفلسطينيين، وتبني الخطاب الصهيوني الأكثر يمينية. لم تقدّم للفلسطينيين في لبنان أي أمل بتحقيق ولو جزء بسيط من طموحاتهم الوطنية، فكانت معارضتهم شاملة لها، بغض النظر عن إمكانية استجابتهم من عدمها للتظاهرات التي تدعو إليها الفصائل الفلسطينية.

بات الفلسطينيون في لبنان يتحدّثون في مجالسهم عن خطة عمل بديلاً لتلك التظاهرات التي احترفوها منذ أكثر من 70 عاماً. عمل تستوجبه قضية، قال عنها أبو عمار عندما سئل لماذا لم تتزوج مع أن الرسول تزوج "والله يمكن تكون قضيتنا أصعب من نشر الإسلام في الجاهلية". اليوم القضية أكثر تعقيداً، تحتاج الكثير من العقلانية، والكثير من الخيال أيضاً، لكن لم تنعدم بعد أسباب الصمود، وهذا ما يحفّز فلسطينيي لبنان على رفض "صفقة القرن".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها