آخر تحديث:00:08(بيروت)
الخميس 16/01/2020
share

ثلاثاء الانتقام من المصارف: عدالة الشارع هي الأصدَق

خضر حسان | الخميس 16/01/2020
شارك المقال :
ثلاثاء الانتقام من المصارف: عدالة الشارع هي الأصدَق اسم علي شعيب ما زال رسالة ضد المصارف (عباس سلمان)
ليلة "حمراء" بامتياز شهدها شارع الحمرا في بيروت. إذ أكدت تحركات المتظاهرين مساء الثلاثاء 14 كانون الثاني، وضوح أهداف التظاهرات التي انطلقت في 17 تشرين الأول 2019، والتي حاول البعض حرفها عن مسارها، وإظهارها بصورة الرسائل السياسية المتقاذفة بين أطراف متنازعة، داخل نادي السلطة الحاكم. وكأن لا قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية تهم الناس، وليس في هذا النظام نهبٌ منظّم لخزينة الدولة على مدى 30 عاماً.

ليلة الحمرا ثورية. على الأقل بنتائجها. وإن كانت المصارف قد دفعت الثَمَن المباشر، إلاّ أن نادي السلطة تلقّف الرسالة وعرف أنه مُستهدف من خلف واجهات فروع المصارف المحطّمة. ولذلك سارعت أحزاب السلطة إلى التنديد بما وصفته بأعمال الشغب. لكنها لم تعرف أن من كَسَرَ هيبة المصارف وحُماتها، يصرخ: حيَّ على خير الشغب.

وإن كان الشغب يُطلَق كدلالة على السوء، فلم يسرق "المشاغبون" عود كبريت واحد، ولم يحطّموا واجهة مؤسسة تجارية. بل اطلقوا ما تيسّر بأيديهم من أدوات، باتجاه فروع المصارف حصراً. أي أنهم حاوروا المصارف باللغة التي تفهمها، على أرضٍ اختاروها هُم، بعد أن أذلّتهم المصارف على أرضها، باستعمالها سلاح تقنين سحب الأموال.

هوية المشاغبين
نصّبَت جمعية المصارف نفسها مُختبراً لفحص الوطنية. وبموجب معاييرها، فإن مَن حطّم واجهات فروعها "لا يمتّون إلى ثوار لبنان الحقيقيين بصلة". فالجمعية هالها ما حصل من "أحداث صادمة" أصابت "قطاعاً يجاهد في خدمة الناس والحفاظ على مصالحهم". وبنتيجة الفحوصات، تمنّت الجمعية على "الثوار الشرفاء، أن يلفظوا هؤلاء الذين يحاولون التغلغل في صفوفهم، وأن لا يقعوا ضحية مخططات مشبوهة تهدف إلى حرف الأنظار عن أهداف الثورة الحقيقية". ولتصويب المسار، رأت الجمعية أن "التباطؤ الكبير وغير المسؤول في تشكيل حكومة يضع المصارف في الواجهة وكأنها هي المسؤولة عن تردّي الاوضاع الحاصلة". أي أن المصارف هنا، تفصل نفسها عن القوى السياسية وتحمّلها مسؤولية ما يحصل. وهذا منافٍ للواقع.

لجمعية المصارف ما تريده من تفسير وللشعب ما يريده من رد، فاختار الشعب خير الشَغَب الموجّه نحو المسؤول عن الأزمة، وهو تحالف المصارف وأحزاب السلطة، على عكس ما تحاول المصارف قوله. وعليه، مَن حطّموا واجهات فروع المصارف في الحمرا معروفون، أعلنوا عن هويتهم في أكثر من مناسبة وأسلوب، بهدوء وبصخب، برقصٍ وهتافات وحُب وثورة، وبكل ما يملكون من قوة المواجهة المدنية السلمية. وهم ثوار حقيقيون وشرفاء. هُم شيوعيون ويساريون ووطنيون، وهُم شبان أُطلق عليهم وصف "شيعة شيعة"، تيمّناً بما هتفوا به يوماً لفصل أنفسهم عن باقي المتظاهرين، قبل ان يلتحقوا بهم ويصبح الهتاف ضد قوى أمنية أمعنت في قمعهم، وضد مصارف أمعنت في حصار أموالهم. وهُم أيضاً من حمل ذكرى علي شعيب، قائد عملية "بنك أوف أميركا" في العام 1973، وخطّوا اسمه على واجهات المصارف لتذكيرها أن سياساتها لم تتغيّر والرد عليها لن يتغيّر. وبين هؤلاء، مَن لم يحمل صفةً سوى رفض السياسات التجويعية.

أمّا خلاف ذلك التعريف، فهو تشويه للحقيقة. ومع ذلك، حبّذا لو تُخبرنا جمعية المصارف عن "أهداف الثورة الحقيقية" التي تخاف حرف الأنظار عنها!.

قانون متحيّز
تنصّل أحزاب السلطة مما حصل، يعكس نقاوة الحدث ويؤكد صوابيّته. وكذلك، تحرّك القوى الأمنية لتطبيق قانونٍ يستند إلى ميزان عدالة بكفّة واحدة، هو دليل إضافي على وقوف المصارف والأحزاب في الجهة المعادية للناس، واستعمال السلطة بعكس ما وُجِدَت لأجله، وهو تحقيق الانتظام والصالح العام. فالطرف السلطوي، أزعجَه تكسير واجهات المصارف، لكن لم تزعجه طوابير الذل على أبواب المصارف. استنكَر التكسير ولم يستنكر اعتداءات المصارف على أموال الناس، علماً أن التحرك الأول هو رد فعل على الاجراء الثاني. فإن كان هناك نية لتطبيق القانون بصورته الصحيحة، فعلى القوى الأمنية اعتقال أصحاب المصارف لأنهم خالفوا القانون، لا اعتقال من عبَّر عن رد فعله، وكأنه مُجرم قرر فجأة الاعتداء على الأملاك العامة والخاصة. وعليه، فإن قضية تكسير فروع المصارف واعتقال المتظاهرين، هي قضية رأي عام يجب على القوى الأمنية والقضاء، التعامل معها وفق هذا الاطار.

لكن لا شيء يشي بهذه المقاربة العادلة. فالمصارف ما زالت تتباهى باجراءاتها، والمصرف المركزي يُساند اجراءات غير قانونية، وعناصر القوى الأمنية لديهم مديرية عامة تحميهم ومديراً عاماً يطمئن لصحتهم، وذلك ليس بمذمّة، لكن من يطمئن على صحة المتظاهرين ويُطمئن عائلاتهم؟.

مسار الأزمة طويل، ومن يحاول كبح المنتفضين بحجج طائفية حيناً وبمعارك دونكيشوتية خارجية حيناً آخر، سيصبح في نظر أتباعه مشاركاً في جريمة المصارف والسلطة، وبالتالي هدفاً في المواجهة التي قد يُرفع فيها هتاف "شيعة شيعة".. وضد من استخدمهم مراراً بهذه الصفة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها