آخر تحديث:15:02(بيروت)
الثلاثاء 14/01/2020
share

غضب ثوري في يوم طبيعي: قطع الطرق يكتسب شرعيته

المدن - مجتمع | الثلاثاء 14/01/2020
شارك المقال :
غضب ثوري في يوم طبيعي: قطع الطرق يكتسب شرعيته "غضب" من دون تعبئة "شعبية" وعمومية (علي علّوش)
حتى الآن، لا يريد اللبنانيون الاستسلام لليأس. مازالوا هكذا مواظبين على "الحياة الطبيعية". يعرفون أنهم في أسوأ حال. مع ذلك، هم – كالمعتاد- يحاولون تجنب استحقاق اليأس وحقيقته المريرة والصعبة.

على هذا المنوال، جاء "يوم الغضب" استئنافاً للاحتجاج الثوري ضد المنظومة السياسية والاقتصادية، وكأنه "عمل خاص" ومن احتراف مجموعات ملتزمة ومتفرغة لخوض التظاهر وقطع الطرق وإحضار الإطارات وإشعالها، وجرّ حاويات القمامة إلى وسط الطريق. وكأن الثورة هي شأن شلل وفرق من شابات وشبان، أوكل الناس إليهم مهمة التعبير والحركة وصنع المشهديات الموضعية، من دون أن يتورطوا فيها، طالما أنهم منصرفون إلى أشغالهم وروتين أعمالهم، ممنين النفس في إنكارهم بؤس حالهم وفي انغماسهم بمشاغلهم "الطبيعية"، أنهم بذلك يصلحون الحال، ويتجاوزون "الأزمة".

من فردان إلى كورنيش المزرعة
كان الشاب عند جسر الرينغ يصرخ بزحمة السير: "يا عيب الشوم.. مفكرين حالكم بحياة طبيعية؟" استياءً من لامبالاة الناس الذين يكملون نهارهم في سعيهم العادي ومقاصدهم. شعر الشاب أنه ورفاقه ورفيقاته متروكون وحدهم بوجه جحافل قوات مكافحة الشغب وفرقة الجيش اللبناني.

لم يصمد طويلاً إقفال تقاطع فردان، لقلة أعداد المشاركين أمام القوة الأمنية، وإحباط همتهم إزاء استمرار الناس بتشبثهم بالمرور وإكمال سيرهم. بدت حركتهم مجهرية في محيط الحمرا وساقية الجنزير وعائشة بكار وفردان حيث السكان على عادتهم في حركتهم ومشاغلهم.

وعلى امتداد الطريق نحو كورنيش المزرعة، زحمة سير كأي يوم بيروتي، بعدما انطفأت سريعاً حرائق حاويات النفايات وأزبحت إلى زوايا الشوارع، مقابل جامع جمال عبد الناصر، حيث ينتشر باسترخاء عدد من أفراد قوى الأمن الداخلي، مطمئنين إلى تشتت حفنة الشبان الذين "شاغبوا" قليلاً في ساعات الصباح الأولى.

بؤر ودبيب حياة
بدت نقطة المدينة الرياضية "ساخنة" وصامدة. الطريق هنا مقطوع بقوة أعداد الشبان الكثيفة نسبياً، وبإظهارهم إرادة على التمترس في وسط الطريق، بعدما مارسوا عملية الكر والفر أمام القوى الأمنية.

حتى ساعات الظهر، كان يوم الغضب في بيروت مقتصراً على محاولات قطع الطرق، من دون دعوة إلى الإضراب ومن دون مسيرات معتبرة أو تظاهرات منظمة أو احتشاد في الساحات.

"غضب" من دون تعبئة "شعبية" وعمومية، من دون مشاركة السكان. كأن الثورة راهناً هي "اختصاص" فرق ومجموعات تتنكب نيابة عن جموع المواطنين مهمة التعبير. أو كأن النشاط الثوري مناط ببؤر جغرافية محددة، تتكفل التلفزيونات بجمعها في بانوراما مشهدية متعددة المناطق، لصنع صورة العمومية والشمولية، بما يعفي الشعب عن الاشتراك بقضه وقضيضه في النزول إلى الشوارع وممارسة الاحتجاج.

التناقض المشهدي
ولذا، بدت بيروت جامعة لتناقض بالغ الغرابة: زحمة سير ودبيب حياة كثيفة شديدة الاعتيادية وأسواق مزدحمة، مقابل قنابل الغاز المسيل للدموع والإطارات المشتعلة والحاويات المرمية في وسط الشوارع والصدامات المتواترة مع شبان وشابات، وفرق عسكرية بكل بأسها القمعي، وتجمعات ناشطة تقفل مؤسسات مصرفية أو حكومية، واعتصامات..

المكسب الأساسي والذي تحقق فوراً، أن النقاش حول "شرعية" سلاح قطع الطرق قد انكسر. هو سلاح لا بد منه، هو أمر لا مفر منه.

"ثلاثاء الغضب"، بدا خاصاً بـ" المناطق الشرقية" (اصطلاحاً، أو "المناطق المسيحية" واقعاً)، على طول الخط الساحلي ما بين جبيل وجل الديب، حيث الزخم الفعلي للتعبير ولجعله يوماً ثورياً قد يفتتح طوراً جديداً من الانتفاضة، يكسر تردد الناس ويجعلهم يواجهون الحقيقة الكبرى، حقيقة اليأس من واقع البلاد ومنظومتها الموغلة في الفشل والفساد والفجور.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها