آخر تحديث:00:05(بيروت)
الثلاثاء 14/01/2020
share

البؤس اللبناني: اشتراكية الطوابير والرأسمالية المفلسة

وليد حسين | الثلاثاء 14/01/2020
شارك المقال :
بوتيرة متصاعدة عادت طوابير الناس المنتظِر كلٌ منهم دوره في وجوم غاضب مقهور، للحصول على مئة أو مئتي دولار من المصارف.

صور قديمة متجددة
هذا ما أظهرته مطلع الأسبوع الحالي، أي يوم الإثنين 13 كانون الثاني الجاري، الصور أمام فرع بنك بيروت على طريق مطار بيروت، وسواها من الصور التي تناقلها المواطنون في السابق، وسيتناقلونها غداً وبعد غد. وهي صور تشبه تلك التي تتذكرها أجيال زامنت الحرب الأهلية، ووقوف جموع اللبنانيين صفوفاً متراصّة ويتشاحنون في تسابقهم على الحصول على ربطة خبز، عندما كان الهاتف الخليوي ووسائط التواصل الفورية لا تخطر في الخيال بعد.

أنذاك، كان اللبنانيون في السنة الأخيرة من حروبهم المديدة، وكانت صورهم البائسة وهم غارقون في العتمة والخوف، تشبه صور شعوب الدول الاشتراكية، وهي تودع خروجها من وراء الستار السوفياتي الحديدي، مع انهيار جدار برلين.

أما اليوم فها نحن نعود إلى زمن الطوابير الاشتراكية البائسة الراحلة، حاملين في أيدينا رمز ما بعد الحداثة (الهاتف الخليوي)، وواقفين طوابير أمام أبواب رمز الرأسمالية المنهار في سويسرا الشرق: المصارف. أو حاملٌ بعضنا على كتفه قارورة غاز الفارغة ليقف في طابور لتعبئتتها من شركات توزيع الغاز، بعد فقدانه من المحال وارتفاع أسعاره. وهذا يعني أن لبنان بدأ يعيش في زمن مختلط: اشتراكية الطوابير، ورأسمالية مفلسة، وطبقة سياسية يتصدرها أمين عام أين عصفه وصلافته من أمناء الزمن الاشتراكي العامين.

لا دولار واحداً اليوم 
أفتتح اللبنانيون صبيحة اليوم الإثنين 13 كانون الأول، إذاً، بصور ازدحام زمنهم المختلط البائس.
وأتت هذه الصور بعدما تناقل المودعون وأصحاب المعاملات على وسائل التواصل الاجتماعي، أن إدارة فرع بنك بيروت في صيدا تمنّعت عن تسليم الناس حتى المئتي دولار الأسبوعية: "عفواً مدام ما في عنا ولا دولار اليوم. ما جابلونا من بيروت. رجعي بكرا"، كتبت إحدى المودعات، وأضافت أن الإدارة أبلغتها أن المصرف بصدد اتخاذ إجراءات جديدة.

بنك بيروت، فرع طريق المطار


ديكتاتورية فوضوية
ومرة اتهم صاحب بنك الموارد مروان خير الدين، في إحدى المناظرات التلفزيونية، محدثه الذي كان ينتقد إجراءات المصارف، أنه شيوعي. لم يكن بوسع خير الدين سوى هذه الحيلة لرد التهمة عن المصارف التي خرقت القوانين. ولم ينتبه خير الدين أن ما تقوم به المصارف لم يتجرأ عليه حتى النظام الشيوعي في عز بطشه.

وإذا كان من توصيف ناجع لجموع اللبنانيين المصطفين أمام المصارف للحصول على "مصروفهم" الأسبوعي، فهو حتماً أن لبنان لم يعد بلداً رأسمالياً حراً، كما يدعي الحرصاء على النظام الاقتصادي والمصرفي. والأصح القول إننا نعيش في ظل نظام دكتاتوري فوضوي وبرؤوس كثيرة، يضع ويصوغ قوانينه أصحاب المصارف، الذين يريدون أن تحرس مصارفهم قوى الأمن الداخلي لتنظم صفوف اللبنانيين المرصوصة على مداخلها. وويل لمن يتجرأ ويرفع الصوت. بدل الاعتقال وجز الأعناق، يقفلون لهم حساباتهم المصرفية ويسلمونهم شيكاً مصرفياً بأموالهم، بات بمثابة ورقة لا قيمة لها في ظل الإجراءات الحالية.

مشاهد وأخبار المودعين مع إدارات المصارف باتت الشغل الشاغل للناس، في ظل إجراءاتها التعسفية. ومجموعات المواطنين المحتجين داخل أحد فروع بنك الاعتماد اللبناني في الشمال، صرخ أحدهم بوجه الموظف: "مني عم اشحد منك، بدي حقي". وقد باتت مثل هذه الصرخة عادية في زمننا اللبناني الميمون. ومشاهد الاعتصامات أمام فروع المصرف المركزي - في بعلبك مثلاً - حيت منع المحتجون الموظفين من الدخول إلى مكاتبهم، باتت عادية أيضاً.

وطوابير المواطنين وهم يحملون قوارير الغاز على الأكتاف، بعدما أقفلت معظم محطات التوزيع أبوابها لتقنين تسليم هذه المادة الحيوية - على ما حصل أمامي يوم السبت في صيدا - قد تصبح عادية أيضاً. وهذا ما قد يسري على الخبز، عندما يبدأ تقنين تسليم الطحين إلى الأفران لاحقاً.

مركز توزيع الغاز في بلدة الغازية


دولة المنكوبين
إنها مشاهد تضعنا أمام دولة منكوبة أصابها زلزال حطمها وشرد شعبها، الذي بدأ بعضه يلجأ إلى خيم، ويصطف أمام مؤسسات إغاثية للحصول على إعاشة الأرزّ والسكر والزيت وحليب الأطفال.

وعندما كنا نرى صور الناس المنكوبين بالمجاعات والحروب وهم ينتظرون دورهم للحصول على الطعام والدواء، كنا نشفق عليهم. اليوم باتت صورنا تنتشر في إرجاء المعمورة وثمة من يشفق علينا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها