آخر تحديث:00:00(بيروت)
السبت 28/09/2019
share

فتى الجرد والفدائيين.. مع معلّمته في فندق بيروتي

محمد أبي سمرا | السبت 28/09/2019
شارك المقال :
فتى الجرد والفدائيين.. مع معلّمته في فندق بيروتي قلت لموظف الفندق: إنها عروسي، وقبلتْ الزواج بي خطيفة (جوزيف براك)
في خريف العام 1979 استجبتُ صاغرًا قانطًا رغبةَ والدي، فعدت إلى المدرسة في قريتي شبعا، لتحصيل الشهادة المتوسطة (البروفيه). كانت حرب السنتين (1975 - 1976) قد جعلت مدرسة القرية الرسمية بؤرة فوضى ومشاحنات وشجارات متناسلة على إيقاع مجتمع الحرب في بيروت ومناطق لبنانية كثيرة دخلها الجيش السوري ومخابراته، تحت لواء ما سمي قوات الردع العربية لإيقاف الحرب.

معظم معلمي مدرستي كانوا ينتمون إلى منظمة اتحاد قوى الشعب العامل الناصرية، الموالية للنظام السوري وسياساته في لبنان، فيما والى سواهم، مثل المرابطون وبقايا جيش لبنان العربي، منظمة فتح الفلسطينية المناوئة للسياسات السورية.  وتصدّر المعلمون النعرات الحزبية الجديدة في القرية، فجعلوا المدرسة ودالتهم المعنوية على التلامذة والأهالي، وسيلة استقطاب حزبي، وصارت الحياة المدرسية إطارًا لتنابذ شلل التلامذة وزمرهم. والعصبيات والنعرات العائلية في الضيعة حضرت بقوة في الانقسامات الحزبية الجديدة، فغذتها وتغذت منها على مثال ما جعلت أحزاب مجتمع الحرب وميليشياته، الجماعات الأهلية وهوياتها المختلفة قناعًا ومسرحًا لنفوذها وحروبها، ففككت نسيجها الداخلي ومزقته، واستعْدت بعضها على البعض الآخر، سعيًا إلى استتباعها.

بذاءة الجسارة والتحدّي
في هذا المناخ المتوتر المشحون، حاول مدرّس من عائلتي - وهي أكبر عائلة موسعة في الضيعة، وأشدها تضامنًا عصبيًا ومنازعات داخلية - استمالتي إلى اتحاد قوى الشعب العامل. لكنني منذ أيامي الأولى في المدرسة شعرت بأنني كبرت على أن أُستمال وأكون تابعًا. فأشهر هجرتي البيروتية كانت قد قذفتني حرًا طليقًا في فضاء علاقة شبه سياحية مراهقة بجبهة أبو العباس الفلسطينية، التي زودتني مبالغ مالية أذاقتني البيرة والتدخين وأحضان بائعات الهوى في بارات بيروت. أما هجرتي الكويتية التي تلتها، ومرارة خيبتي بخالي وجحوده، فحطمت لديّ بداهة التضامن والتكافل العائليين والقرابيين، ورمتني في العراء وحيدًا، وكبَّرتني سنوات في أشهر قليلة. وهذا ما جعلني فتىً متوترًا مشاكسًا قوي الشكيمة، وليس لأحدٍ سلطة عليّ في فوضى الحياة المدرسية. وبعدما كنت أكتنز في قلبي وجوارحي شغفي البريء، الصامت والخائف واللذيذ، بفتيات مراهقتي، صرت جسورًا في اقترابي من أي فتاة تعجبني أو أستشفّ أنني أُعجبها، فأرى أنها موضوعًا لشهوتي الحسّية المتفجرة، غير هيّاب من أن تصدّني، ولا من أن أواعدها أو أدعوها إلى الانفراد بها في لقاءٍ حميم. أتاح لي ذلك لقاءات منفردة ببعض فتيات المدرسة، بعدما أشاع انهيار نظام التعليم وقيمه ومراتبه، نوعًا من الانحلال في علاقة كبار السن من التلامذة والتلميذات.

حين شعرت بأن معلمة في مدرسة خاصة قبالة مدرستي، تستوقفها نظراتي الجسورة التي تنم عن رغبتي، ورأيت أن ثلاثة من المعلمين يحومون حولها بنظراتهم، اقتربت منها وبادرتها قائلًا إنني أريد محادثتها. ها أنذا أسمع، هيا تكلم، قالت متحديّة ساخرة. لأردم السنين الست التي تكبرني بها، قلت لها إنني أكبر منها بكثير في تجربتي وخبرتي، وأريد محادثتها حديث رجل ناضج إلى امرأة. بعد لحظةٍ من الصمت وتحديقها الجامد في عينيَّ، قالت لي أن أتبعها الآن إلى بيتها، ثم استدارتْ ومشت، من دون أن تلتفت إلي.

واقفين متباعدين في غرفة بيتها الواسعة الخالية إلا من مقاعد قليلة متباعدة وسرير معدني عتيق في الزاوية، تبادلنا عبارات غواية جنسية تستمد لغتها في القرى من قاموس المهانة والشتيمة والبذاءة، مغلّفةً بقناع الجسارة والتحدي القرويين. في خطوات قصيرة متباطئة اقتربتْ مني، ولما صار جسمها قريبًا جدًا من جسمي، صمتنا عن الكلام، فألصقتْ ثدياها بصدري، وطوّقت خصري بساعديها وأخذت تقبلني في شفتي. شعرت بدوار خفيف حينما أدخلتْ لسانها كله في فمي. لكنها سريعًا أخرجته وتراجعت إلى الوراء، فسمعتُها، كما من بعيد، تقولُ في صوت يخلط الاستدراج بالتحدي: هيا حدثني حديث رجل إلى امرأة، فقلت لها: في بيروت، ليس هنا، في بيروت. فابتعدتْ وجلست على حافة السرير. اقتربتُ منها ورحت أقبّلها قبلات سريعة، لكنها بطيئًا استجابت وتمدّدت على السرير، فبدأتُ أفكّ أزرار فستانها العليا. فجأة أبعدتْ جسمها وقامت متجهة إلى وسط الغرفة، ثم قالت: لا ليس هنا، ليس هنا، في بيروت، في بيروت.

لقاء مصطفى سعد
قبيل شروق شمس نهار الغد انطلقت بنا سيارة الأجرة من ساحة الضيعة. حين وصلنا إلى حاصبيا قلت لها: سنتوقف لساعة أو أكثر في صيدا، لمقابلة زعيم التنظيم الشعبي الناصري، ونتابع رحلتنا إلى بيروت في سيارة أخرى. لم تبدِ رفضًا ولا استغرابًا، فيما أنا أخبرها بأنني فكرت، بعد لقائنا أمس في بيتها، بأن أنشىء في المدرسة تنظيمًا تابعًا لمصطفى سعد، لأن ليس له من أتباع قط في الضيعة، وأعلم أنه مع تنظيمه على عداوة قوية مع اتحاد قوى الشعب العامل، الذي يتكاثر أتباعه ومناصروه بين معلمي مدرستي الرسمية وتلامذتها. في نبرةٍ محايدة قالت إنها لا تحب المنظمات المسلحة، وتنفر من المشاحنات بين محازبيها. لم أجاوبها، لكنها التفتت فجأة إليَّ وقالت في صوت خافت: مالك في السلاح والمسلحين؟! لماذا لا تنشىء فرقة كشفية؟ لا بد أن الفكرة ستعجب مصطفى سعد، قل له، وسيوافق، لأن ضيعتنا خالية تمامًا من الكشّافة. أذهلتني فكرتها غير المتوقعة، وغمرني شعور بالفرح حينما نظرتْ إلى عينيَّ مبتسمة، وقرّبت فمها من أذني قائلة في صوت خافت إنها ستساعدني في إنشاء فرقة كشفية للبنات المرشدات في مدرستها. سألتها من أين لها بفكرة الفرقة الكشفية، فقالت: في بيروت، في بيروت.

في صيدا أنزلنا السائق من سيارته أمام منزل مصطفى معروف سعد، فقلت للحرّاس الواقفين أمامه إنني والأستاذة ليلى أتينا من شبعا لمقابلة أبو معروف، وإننا على موعد معه. أدخلنا حارس إلى الصالون، فرأيت مصطفى سعد، الذي لم أكن أبصرته إلا في الصور، جالسًا بين جمع من الرجال. عرّفته بنفسي، وقلت إنني مناضل من شبعا في العرقوب الذي يعرف أبو معروف ووالده الشهيد، رجالَه، وإنني مع الأستاذة ليلى المعلمة في مدرسة الضيعة، نريد محادثته في أمر مهم. بعد هنيهات من جلوسنا بادرته متسائلا: يا أخ أبو معروف، لماذا كل التنظيمات الوطنية موجودة في شبعا التي لا يغيب عن ساحتها سوى تنظيمكم، التنظيم الشعبي الناصري؟ قبل أن يجيب تابعتُ قائلًا إنني منذ طفولتي تفتَّحتُ على القومية العربية ومبادىء ثورة 23 يوليو الناصرية وماردها العربي. لكن لا أحد في شبعا يتكلم باسمها سوى اتحاد قوى العامل. فجأة ومن دون إرادة مني ارتفع صوتي، وبنبرة من الاستياء المسرحي، قلت: ومن يكون اتحاد قوى الشعب الخامل هذا يا أبو معروف؟! أنا والأستاذة ليلى سوف نبدأ نشاطنا في شبعا بإنشاء فرقة كشفية للتنظيم الشعبي الناصري، وسنسميها أشبال الشهيد معروف سعد، ولا نحتاج إلا لموافقتكم ودعمكم.

ما أن غادر الزائرون الصالون، حتى اصطحبنا مصطفى سعد في سيارته إلى عيادة طبيب في صيدا، قال إنه الدكتور نبيل الراعي الذي استقبلتنا سكريترته الجميلة على أنغام موسيقية تشبهها في نعموتها، ولم أسمع مثلها من قبل. قالت لي ليلى إنها موسيقى كلاسيكية، فيما هي تنبعث خفيفة متهادية في أرجاء العيادة، بينما أبو معروف يعانق الدكتور الراعي ويتبادلان القبل.

وقال مصطفى سعد للدكتور أن يتصل بعلي بابا ويدعوه إلى الحضور فورًا لأمر مهم. اسم علي بابا استدعى إلى ذاكرتي قصة علي بابا والأربعين حرامي، وذكرني أيضًا باسم مطعم علي بابا والأربعين فروج الذي كان يلهب مخيلتي كلما سمعت اسمه في حكايات شاب عن عمله فيه قبل عودته من بيروت إلى الضيعة في بدايات الحرب. كان الشاب رقيبًا في الجيش اللبناني قبل التحاقه بجيش لبنان العربي المنشق عنه، وعودته إلى شبعا ومشاركته مسلحي منظماتها المحلية في الاستنفارات والعراضات المسلحة.

الراتب الكشفي الأول
حضر علي بابا إلى العيادة، فإذا به رجل ضخم أصلع الرأس، خشن الصوت، محطم الأسنان. قال له مصطفى سعد أن يزودني ما أريد من مستلزمات فرقة كشفية سوف أؤسسها للتنظيم في شبعا، وأن يصرف لي مبلغ 500 ليرة في آخر كل شهر، وأن يقبّضني اليوم مرتبي الشهري الأول.

وحدنا، ليلى وأنا، ركبنا سيارة تاكسي من صيدا إلى بيروت. كانت الـ 500 ليرة في جيبي، وقلت لسائق السيارة إننا نريد الوصول إلى الروشة. في مطعم الكرم الذي لا يزال على حاله حتى اليوم في الروشة، طلبت لغدائنا كيلوغرامًا من اللحم المشوي وبطحة من العرق. بعد الغداء توجهنا إلى فندق لم أعد أبصر له من أثر لاحقًا، ونسيت اسمه. قلت لموظف الاستقبال في ذلك الفندق إنني أريد غرفة واسعة لليلة واحدة. حدّق الموظف وقتًا طويلا إلى وجهي، ثم سألني كم أبلغ من العمر. أنا من قيادة التنظيم الشعبي الناصري، جاوبته والتفتُّ إلى ليلى خلفي، وتابعت قائلا للموظف إنها عروسي، وقبلتْ الزواج بي خطيفة. طلب مني مبلغ 75 ليرة بدل إيجار الغرفة، فدفعت له، قبل أن يعطيني مفتاحها قائلا إنها في الطبقة الخامسة وتشرف على البحر، فمشيت في اتجاه المصعد، لكنني لم التفت حين سمعت الموظف يتمتم: يا أهلًا وسهلا بالتنظيم الناصري وقادته.
في مرآة المصعد الكبيرة رأيتني، فجأة، غريبًا عن نفسي قرب امرأة جئنا معًا من قريتنا البعيدة، واستأجرنا غرفة فندق في بيروت. حركة المصعد وصورتانا في مرآته التي تنيرها أضواء المصابيح القوية فوقنا، فصلتنا عن العالم والوقت وإسمينا والشخصين اللذين كناهما، فصرنا مجهولين كإنما لم نلتقِ ولا عرف واحدنا الآخر قبل دخولنا إلى المصعد.
في غرفة فندق مجهولة، وأحمل مفتاحها في يدي، سيكون لقاؤنا غريبًا كصورتنا في المرآة، حدستُ حين خرجنا من المصعد صامتين ومشينا متقاربين في الممر الضيق الطويل. لكنني ما أن أدخلتُ مفتاح باب الغرفة في موضعه وحرّكته، ثم فتحتُ بابها ودخلنا إليها، حتى تدافعت في رأسي أصداء من عبارات: دخلَ عليها، أخذَها، فتحَها، مفتوحة. وتداخلت الكلمات هذه بأصداء زغردات نساء.

جُماع وديمول وكاز
أغلقتُ باب الغرفة، فاقتربت مني ليلى وعانقتني. عبثًا حاولت أن أخلي راسي من أصداء الزغردات التي أشعرتني بأننا في غرفة من بيت أهلي، ليلًا، في الضيعة. استدعيت ذكرى ما سمعتُه من أنغام موسيقية قبل ساعات قليلة، في عيادة الطبيب في صيدا. سألت ليلى أين سمعتْ من قبل مثل تلك الموسيقى، وكيف عرفت اسمها؟ كأنني في سؤالي هذا كنتُ أتّهمها بأن رجالًا أو شبانًا غرباء دخلوها على أنغام تلك الموسيقى.

اقتربتْ مني في ناحية من الغرفة، وبدأت تفكُّ أزرار فستانها العليا. في صوت مقهقهٍ شتمتْ نفسها وأهلها والله، قائلة إنها ليست بنتًا، وإن أخاها البكر فتحها في زريبة للماعز. فجأة أخذتْ تنتحبُ قائلة إن الأستاذ نهاد، عندما كانت في صف السرتفيكا في مدرسته، أخذ يصطحبها إلى بيته، فيجامعها على أنغام موسيقى كلاسيكية من آلة تسجيل. كان يكبرها بأكثر من عشرين سنة، واشتهر بقسوته على تلامذته، وبأنه ابن زنى من صبيّة مسيحية اغتصبها شاب مسلم في الضيعة، فسُمّي باسمها بعدما أنجبته وماتت، فتبنّته وتكفّلت تربيته وتعليمه دار الأيتام الإسلامية في بيروت. ولما عاد إلى الضيعة في شبابه، لم يعْلم أحد كيف وأين تعّلم الخياطة واحترفها، وصار يخيط  ثيابًا للجنود الفرنسيين ويرسلها إليهم في بيروت. ثم كلفته جمعية خيرية إسلامية بافتتاح مدرسة في الضيعة والتدريس فيها، ووقفت له في الضيعة بيتًا أقام فيه وحيدًا عازفًا عن الزواج، فأُغرمت به غرامًا حارقًا كثرة من الصبايا الجميلات.

تضاعف نحيبها، فيما هي تقول إنه مات فوقها بعدما دخلها أخيرًا، فأزاحتْهُ عنها ولبست ثيابها. من الخزانة خلف البيت جلبت عبوة ديمول - مبيد حشرات الأشجار المثمرة في البساتين - فجرّعته مقدارًا من سمّها السائل، ثم وضعت العبوة إلى جانبه على الفراش، وغادرت البيت.

رائحة الديمول وزرائب الماعز، وأصداء زغردات ممزوجة بصدى تلاوة من القرآن، اندلعت فجأة في رأسي. فشتمتُ المسيحيين وأم ليلى وأباها والله والملائكة، وهجمتُ عليها، ثم صفعتها على وجهها صفعة كادت تسقطها أرضًا. تمالكت جسمها وأطلقت صرخة قوية. بحركة عنيفة من يدها قدّت فستانها من الصدر حتى أسفله، فتطايرت أزرارُه في جهات من الغرفة.

مشهد تمزيقها الفستان ذكرّني بحكايات عن نساء ورجال انتحروا بالديمول، وبنساء أخريات في الضيعة أحرقنَ أنفسهن، بعدما دلقنَ الكاز على شعرهن وثيابهن، ثم أشعلن النار فيها وركضنَ صارخات أمام بيوت أهلهن وأزواجهن. سمعتُ في صرخة ليلى أصداء صراخ النسوة المحترقات ممزوجة بأصداء صرخات يقال إن البنات في الضيعة تطلقنها ليلة زفافهن الأولى، قبل أن يقذف عرسانهن من نوافذ غرف الزفاف خِرقًا ملطّخة بدماء بكارات العرائس ورجولة العرسان، فتتلقّفُ أمهاتُهم الخِرقَ مع جموع من قريباتهن، ويطلقُ الجمع النسائي في الليل زغرداته التي تجاوبت في رأسي أصداؤُها طالعة من مشهد جنازة تخالطها أصداء تلاوة من القرآن في آية: مرجَ البحرين يلتقيان فبأي آلاء ربكما تكذبان.

جنازة في فندق
فجأة تذكرتُ البحر الذي قال موظف الفندق إن الغرفة تطل عليه، فأبصرتُه أزرق متماديًا حتى الأفق البعيد خلف زجاج باب الشرفة إلى يميني.

في المشهد الأخير رأيت ليلى عارية تحمل فستانها الممزق، متّجِةً إلى حمّام الغرفة التي خرجتُ إلى شرفتها الصغيرة وأشعلتُ سيجارة ورحت أعبّ دخانها عميقًا حتى أقاصي رئتي، محدقًا بعينين زائغتين في الأفق البحري البعيد.

كما في حلم يقظة أم منام تذكرتُ الأستاذ نهاد الذي كانوا يقولون في الضيعة إنه غريب الأطوار، وليس من امرأة فيها تضاهيه ترتيبًا ونظافة في بيته الذي نادرًا ما أدخل إليه سوى بعضٍ من تلميذاته وتلاميذه المختارين. وحيدًا كان يطبخ أكلات غريبة، ويخِيط في الليل، على آلة خياطة، ثيابه الأنيقة أناقة لا مثيل لها، وتعجز أمهر خيّاطةٍ مسيحية في الضيعة عن خياطتها. وحينما دخلوا إلى بيته، ووجدوا جثّته عارية على الفراش وقربها عبوة الديمول، شاع في الضيعة أن وحدته وطبعه القاسي العنيد، عزوفه عن الزواج وانصرافه إلى العلم وقراءة الكتب في عزلته، أدت إلى جنونه وانتحاره.
في جنازته مشى الأهالي جميعًا، على الرغم من أنهم لم ينفذوا وصيته التي كتب فيها ألاَّ يُغسل غسلة الموت، ولا يُصلى على جثمانه في الجامع، وأن يُدفن مرتديًا بذلته البيضاء في تابوت إلى جانب أمه المسيحية في مقبرة المسيحيين، من دون إدخال التابوت إلى الكنيسة. وقيل إن النساء الجميلات كلهن بكينه وأخفين دموعهن أثناء سيرهن في مؤخرة الجنازة.

لم ألتفت إلى غرفة الفندق خلفي، وأنا أدخن على شرفتها سيجارتي الأولى والثانية والثالثة. تخيّلت ليلى تستحم وسط بخار المياه الساخنة المنهمرة غزيرة على جسمها في حمام الغرفة. كبحت رغبتي في أن أكون معها نستحم، وتناسيت وجودها. للمرة الأولى في حياتي أشعر بوحدتي الكاملة، وبأنني مجهول وغريب في مكان صغير معلق، هكذا، على شرفة فندق على شاطىء بحر تتراقصُ متلامعةً على صفحته أمامي أضواءُ نهارية باهرة، وخلفي الدنيا بعيدة ومنقطعة، كأن لا وجود لها، ولا شيء يدل على وجودي، كأنني شخص في صورة.

أتاني حدسٌ مفاجىء بأن ليلى غادرت الغرفة والفندق. وحين دخلتُ إلى الغرفة وحمّامها تأكدت من حدسي، ومن أنها لم تترك أثرًا يدل على أنها كانت هنا. فتحتُ باب الغرفة ونظرت إلى الممر الضيق الطويل، فرأيته خاليًا ساكنًا، كأنما طوال أيام أو شهور، فدهمني ما يشبه خوف طفيف غامض، لم أشعر بمثله من قبل. لا ليس خوفًا، بل وحشةً، ليقيني بأن لا أحد يعلم بوجودي هنا والآن، سوى ليلى التي تخيّلتها تمشي في شوارع غريبة. أغلقتُ الباب واستلقيت على السرير، طاردًا من رأسي فكرة الخروج للبحث عنها، على الرغم من حدسي بأن وقتًا طويلا لم يمضِ بعدُ على مغادرتها. وحينما خرجتُ من الغرفة من دون أن أغلق بابها، مقررًا العودة إلى الضيعة، لم أستطع تقدير الوقت الذي أمضيته على السرير محدقًا إلى نقطة ثابتة في السقف.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها