آخر تحديث:00:02(بيروت)
الجمعة 27/09/2019
share

سرّ "أكاديمية" عون: سنهذّب خطاب العالم بأسره!

جنى الدهيبي | الجمعة 27/09/2019
شارك المقال :
سرّ "أكاديمية" عون: سنهذّب خطاب العالم بأسره! يأمل الرئيس أن تكون مؤسسة تُدرِّس وتعطي شهادات (دالاتي ونهرا)

في 16 أيلول 2019، أقرّت الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك مشروع إنشاء "أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار" في لبنان. هذا المشروع، احتفى به رئيس الجمهورية ميشال عون بوصفه "نصرًا عظيمًا"، وباعتباره إنجازًا كبيرًا لعهده، بدأ يخطط له ويخوضه شخصيًا منذ أن رشّح لبنان ليكون مركزًا دائمًا للحوار والتلاقي بين مختلف الحضارات والديانات والأعراق، وفق كلمته أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، في 21 ايلول 2017.

خلال زيارته الحالية إلى نيويورك، صرّح الرئيس عون أنّ مشاركة لبنان في أعمال الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة لهذا العام، تحمل طابعًا مميزًا، "بعد الإنجاز الذي حققه نتيجة الدعم الدولي الذي حظي به وبتأييد واسع من أعضاء الأمم المتحدة للمبادرة الرئاسية بإنشاء أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار في لبنان"، وقد وصف "التأييد الأممي" بالاعتراف الدولي للبنان كـ"نموذج للتعايش".

تحفظ اسرائيلي - أميركي
بعد عامين على طرح مشروع الأكاديمية، دأب خلالهما الرئيس عون على عرض فكرته وشرح أهدافها لدى اعتلاء المنابر الدولية وأثناء لقاء زوار القصر الجمهوري في بعبدا، استحصل على إقرار الأمم المتحدة، بتصويت 163 دولة في الجمعية العامة وافقت على إنشائها في لبنان. هذا التصويت الواسع، خرقته معارضة اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وكانت حجّة الأخيرة المعلنة هو الخشية من تكاليف مالية باهظة قد تترتب على الأمم المتحدة، في ظلّ السياسية التّقشفية التي تتبعها، جراء إنشاء هذه الأكاديمية.

في قصر بعبدا، التقت "المدن" مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الديبلوماسية، السفير شربل وهبي، لشرح تفاصيل مشروع الأكاديمية، الذي لا يزال طرحًا نظريًا ويحتاج لنظام وهيكلية، وينتظر موافقة وتوقيع عشرة دول على اتفاقية إنشائها ليدخل حيّز التنفيذ، وحتّى تشكل هذه الدول المؤسِسة، "مجلس أمناء" يضع الأطر للنظام العام وهيكلية الأكاديمية. فـ"مشروع أكاديمية الإنسان، هو عبارة عن اتفاقٍ دولي، جرى عرضه في الجمعية العمومية. والمطلوب من كلّ دولة بسيادتها أن تقرأ نصّ المشروع الذي وضعه لبنان قبل الموافقة عليه والتعبير عن رغبتها في التوقيع. وقد أرسل لبنان المشروع إلى 190 دولة، باستثناء اسرائيل، باللغات العربية والانكليزية والفرنسية، لدراسته وإبداء ملاحظاتها وتعديلاتها وإضافاتها، وأول عشر دول توقع عليه تكون من الأعضاء المؤسسين، الذين سيؤلفون من خلال مجلس الأمناء نواة البحث في كلّ تفاصيل الأكاديمية". يشرح وهبي، ويشير إلى إمكان حدوث نوع من التسابق بين الدول من أجل التوقيع، لا سيما أنّ الأهداف التي ذكرها لبنان في الإتفاقية، رحبت بها الأمم المتحدة بالإجماع، ولقيت تشجعيًا كبيرًا من جميع الدول وكبارها.

أعلى من مركز، أقل من منظمة؟
الأكاديمية، وفق وهبي، ليس هدفها تعليميًا وحسب، وإنّما ستكون ملتقى فكرياً وثقافياً ودينياً وتراثياً، كما "يأمل فخامة الرئيس أن تكون مؤسسة تُدرِّس وتعطي شهادات". وخلافًا لفكرة مراكز الدراسات والأبحاث، ستكون هذه أول أكاديمية عالمية موجودة في لبنان ضمن هذا الإطار. يقول وهبي: "نحن في البداية، منذ وضع خطة المشروع، كنا نرغب أن تكون ذات شأن دولي كمنظمة. لكنّ المنظمة تحتاج إلى تمويل كبير، وتحتاج إلى ميزانية من الأمم المتحدة. وحتى لا نُحرج الأمم المتحدة، لأنّها حاليًا أمام مرحلة عصر نفقات، تجاوزنا فكرة المنظمة، وذهبنا إلى فكرة أعلى من المركز، وأقل من المنظمة، وهي الأكاديمية".

يُعطي وهبي رأيه الشخصي حول رؤية الأكاديمية التي لم تُنجز بعد، ومن الممكن أن تتجاوز في توجهها "الطلاب"، وأن تكون أيضًا ميدانًا تعليميًا للسياسيين والدبلوماسيين والمفكرين والباحثين والصحافيين. فـ "مهمة الأكاديمية أن تدرّس وتخوض وتبحث في الحضارات، حتّى توسّع مدارك الأفق في التعرّف على الآخر".

الجمهورية والخارجية
رسميًا، تُشرف وزارة الخارجية على تواصل لبنان مع دول العالم في شأن الأكاديمية، وهي من قامت بتوزيع نسخ نصّ المشروع الأولي على سفارات لبنان في الخارج، وعلى السفارات الأجنبية في لبنان. وحاليًا، "بعد أن كان الرئيس عون يعرض على الوفود والضيوف نسخة عن المشروع وورقة مفاهمية حول أهدافه وأفكاره، أصبح لدى رئاسة الجمهورية مستندين. مستند قرار الجمعية العمومية في الأمم المتحدة، ومستند المشروع، الذي لا يزال خاضعًا للدارسة من قبل الدول، ويجوز أن يطرأ عليه كثير من التعديلات".

في واحدة من مواد قرار الجمعية العمومية، تنصّ أنّ "الاتفاق يصبح نافذًا في اليوم الثلاثين من إيداعه للوثيقة العاشرة من وثائق التصديق"، أيّ بعد تصديقه وتوقيعه من قبل عشر دول. وحين يجري التوافق على نصّ المشروع بصيغةٍ نهائية، وحسب القانون الدولي، يجب أن يأتي عشرة وزراء خارجية إلى لبنان مع وزير خارجيتنا، للقاء بالرئيس عون. وبعد التوقيع، كل وزير يأخذ النسخة إلى بلده لدى مجلس نوابه لإجازة الإبرام. وبعد إجازة الإبرام، يُبرم الاتفاق بوثيقة من قبل رؤساء الدول المؤسسة، ويتمّ  إيداع وثيقة الإبرام، لدى الدولة المودعة، أيّ لبنان. حينها، يصبح الاتفاق نافذًا بالكامل. وبعد نشره، يأخذه لبنان بوصفه الدولة الوديعة إلى الأمم المتحدة لتقديمه، فيصبح وثيقة من وثائق الأمم المتحدة. وكلّ دولة ترغب بالتوقيع بعد ذلك، يُسمى توقيعها بـ"الانضمام"، وليس التأسيس.

لكن، من وضع نصّ مشروع الأكاديمية في لبنان؟ يجيب وهبي أنّ ثمّة جهدًا كبيرًا بذله الرئيس عون مع بعض المسؤولين في رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية ورئاسة مجلس الوزراء والوزارات المعنية، وتبادلوا كثيرًا من الأفكار لإنجاز ورقة المشروع الأولية. فـ"مشروع الاتفاق الدولي صاغه كبار القانونين في لبنان، ومن بينهم قاضٍ مستشار قانوني للرئيس عون، وتمّت صياغته بينه وبين أعضاء الخلية الدبلوماسية، والآن صار ملكاً للدول من أجل مناقشته، ونأمل أن يعتمدوه ويحسنوا به، لكن نتمنى إنجازها بأسرع وقت، خصوصًا أنّ الأفكار مهمة وغنيّة، وضعنا الحدّ الأدنى منها، حتى نترك الباب مفتوحًا للدول الأخرى من أجل إضافاتها".

خريطة النفقات
في البداية، "تحتاج الأكاديمية إلى تمويل من الدول التي تؤسسها. وبعد ذلك، تموّل نفسها بنفسها من خلال المشاركين فيها وفي دوراتها، ومن خلال التبرعات، لا سيما أنّ الجدوى منها يحمل طابعًا إنسانيًا ودينيًا وحضاريًا وتراثيًا". أما لبنان، فـ"هو ليس عاجزًا عن إيجاد النفقات ضمن امكاناته المتواضعة، لجهة تخصيص أرض والإشراف على بنائها". وبالطبع، "سيتحمل لبنان تكاليف المقرّ والموقع الجغرافي والاستضافة، من دون أن ننسى أن المردود للبلد أكبر بكثير مما سيتكلفه ماديًا، على المستوى المعنوي والأخلاقي والتاريخي، وهو ما يمنح لبنان سمة المنفعة الدولية، كونه مقرّ حوارٍ دولي، خصوصًا أنّ الصيغة الموجودة فيه ليست متوفرة في أيّ دولة في العالم، من ناحية مشاركة كلّ أطيافه في الحكم والسلطة".

وفيما يخصّ الأراضي المقترحة لإنشاء الأكاديمية، يشير وهبي أنّ ثمّة أفكارًا كثيرة مقترحة، و"بلدية الدامور مع النائب فريد البستاني عرضا على الرئيس عون استعدادهم تقديم قطعة أرض لهذه الغاية".

عيش مشترك؟!
خارج الإطار التّقني والرسمي، لم ينفصل إعلان مشروع "أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار" في التداول اللبناني العام، عن السؤال حول مدى تطابق المبادئ والأفكار التي تحملها الأكاديمية من جهة، والمستوى الذي ينحدر إليه الخطاب اللبناني العام من جهةٍ أخرى. فكيف تقوم أكاديمية لـ"الإنسان" في بلد بلغ فيه خطاب العنف والكراهية ذروته القصوى ضدّ الآخر وضدّ اللاجئين والنازحين والعمال والعاملات الأجانب؟ وأيّ "إنسانٍ" بقي في لبنان الذي يعيش حالةً من توازن الرعب بين طوائفه في الأمن والمحصاصات والاقتصاد والوظائف؟ وهل نجح لبنان في الأصل أن يكون نموذجًا حقيقيًا وفعليًا للعيش المشترك بعد الحرب الأهلية واتفاق الطائف؟

يجيب وهبي بالسؤال مستنكرًا: هل حين تصوّت 165 دولة تأييدًا لطرح لبنان حول الأكاديمية لا يكون نموذجًا صالحًا؟ وهل يعقل أن إيمان دول العالم بنا يفوق إيماننا بأنفسنا؟ يرفض وهبي اعتبار لبنان فقد نموذجيته لـ"العيش المشترك"، ويعتبر أن ما نعيشه داخليًا لا يلغي طبيعة المجتمع اللبناني في التعايش والتعاون. فـ "نحن لدينا مهمة المحافظة على إرثنا المتنوع، وأن لا نستسلم لمحاولة شريرة في تسميم المجتمع اللبناني، ويجب أن نمنع نقلّ السمّ من واحد إلى آخر. ونحن اللبنانيون بين بعضنا البعض، من المستحيل أن تجمعنا حالة من توازن الرعب الطائفي". أمّا الخلافات والمنافسات والمشاكل، فـ"هذا مطبخنا وبيتنا وهذا دليل تنوعنا في بلد يجمع 18 طائفة، يتشارك أبناؤها في السلطة والعيش تحت سقف واحد".

يشدد وهبي أن موضوع  صدور قرار من الأمم المتحدة، بإعطاء التأييد والدعم الكاملين لهذه الأكاديمية، لا يجب أن يكون موضع تشكيك من أحد. ويقول: "نحن أفضل نموذج للتعايش في العالم، ويجب أن لا نقارن بين مشاكلنا الداخلية وبين رمزية بلدنا واستمراريته، وبقائه على قيد الحياة  لأكثر من ألفي سنة بهذه الصيغة المتنوعة، لا سيما أننا نقيض كل دولة ذات لون ودين ومعتقد واحد في السلطة. أمّا رمزية التنوع، فهي لا تلغي الحراك والتنافس الداخلي، وهذا مسار طبيعي لحياتنا".

إذن، هل وجود الاكاديمية في لبنان سيساهم في "تهذيب" الخطاب اللبناني العام؟ يتابع وهبي: "الأكاديمية ليست فقط للبنانيين، وإنما ستهذّب خطاب العالم بأسره. لأن لبنان سيكون مقرّاً دولياً وأممياً للعالم، من أجل التحاور والمعرفة واللقاء بين الحضارات والأديان، ولا يجب أن نعتبر أنفسنا غير مؤهلين أبدًا، وعلينا أن نثق بأنفسنا وبأهليتنا".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها