آخر تحديث:00:13(بيروت)
الأربعاء 25/09/2019
share

"سوق الرحاب" جزيرة لفقراء بيروت وبؤساء النزوح

فؤاد خشيش | الأربعاء 25/09/2019
شارك المقال :
"سوق الرحاب" جزيرة لفقراء بيروت وبؤساء النزوح يمكن منح السوق لقب عالم بيروت السفلي. فهو مهمل وله نظمه وأحكامه وجلاديه (فؤاد خشيش)
عالم الرحاب - أو محطة الرحاب، لتسوّق جاليات الفقر والعمالة الرخيصة وسكنها البائس المكتظ الممتد من صبرا إلى شاتيلا، ومن السفارة الكويتية إلى ما كان مستديرة الغبيري، مروراً بأطراف بئر حسن وقصر رياض الصلح - هو عالمٌ مستقل بذاته، ويحوي كلّ ما يخطر في البال. وهو عالم يخضع لقوانين الحال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية البائسة، وللسيطرات الحزبية المتنازعة في "رحاب" الرحاب.

الإسم - اللعنة
والرحاب في الأصل محطة وقود قرب السفارة الكويتية، منحت اسمها لواحد من أشد مداخل ضاحية بيروت الجنوبية ازدحاماً للجاليات الفقيرة المتكاثرة في بيروت خصوصًا: كتل من بشر العيش والعمل العشوائيين، محالّ لبيع "كل شيء"، وسلع "الوان دولار"، على ما يظهر على لافتات كثيرة، وخصوصاً المفروشات الرخيصة، التي تزاحم معروضاتها السيارات على الشارع.

وتعبر الطريق الذي يصل السفارة الكويتية بالحازمية ألوف السيارات يومياً، ويسبّب زحام البشر والسلع زحمة سير خانقة، إضافة إلى تدافع الفانات وسيارات الأجرة لـ"اصطياد" الركاب - الزبائن من قاصدي السوق.

ولفظ اسم الرحاب، غالباً ما يثير شتائم سكان المناطق المحيطة بتلك البؤرة السكنية – التجارية الفقيرة، لأنه صار لعنة للعابرين بسياراتهم من الغبيري حتى السفارة الكويتية، حيث الفوضى والكثافة البشرية الخانقة، والبناء العشوائي، الرمادي اللون وغير الشرعي المتهالك منذ بدايات الحرب الأهلية.

فبعد غياب "البندقية" الفلسطينية، ساهمت الحروب المتتالية وسيطرة حركة أمل على المنطقة، في اتساع الفوضى وكثافتها هناك. وهذا ما تعلنه الأعلام المتعملقة وكثافة صور الرئيس نبيه بري والإمام موسى الصدر. وهي حاضرة بقوة لافتة على مستديرة السفارة الكويتية، الشاهقة في وسطها مِسَلّة الاحتلال الأخوي التاريخي التي حتّمت تسمية الشارع بـ"جادة حافظ الأسد". وترتفع في وسط المستديرة صورتان عملاقتان للرئيس بري والسيد موسى الصدر.

حواجز حديد تقطّع شارع الرحاب هذا، بعدما كانت من الباطون. فلم تترك سوى ممر ضيق يمكن النفاد منه. لا أحد يعلم سبب وضع هذه الحواجز العشوائية، التي قسّمت السوق شطرين منفصلين: في جهة تبدو المتاجر "مودرن"، وأكثرها مؤسسات تجارية تعلوها لافتات للدلالة على أنها "لبنانية مئة في المئة" قرب قصر الصلح، الذي تحوطه أشجار وجدران عالية، لحجبه عن الأنظار، وليكتنفه غموض لا يثير انتباه أحد. ومن جهة أخرى سوق الرحاب الرخيص، وصولاً إلى مستديرة المطار القديمة.

حروب لبنان وسوريا
لم يكن حتمياً نشوء تلك الجزيرة البشرية والاقتصادية الفقيرة، لولا الحروب الأهلية وموجات النزوح من بيروت الشرقية (النبعة، الدكوانة، وتل الزعتر) إلى تلك المنطقة. فتوسع العمران العشوائي في الرحاب، واجتمعت ملل ونحل، واختلط حابل البشر بنابل الإسمنت الأغبر، وعجّت المنطقة بكثافة سكانية يختلط فيها لبنانيو النزوح والفقر ببقايا الفلسطينيين وباللاجئين السوريين، وبجاليات العمالة الأجنبية من النساء والرجال الآسيويين والأفارقة. والنساء منهنّ غالباً ما يكنّ من ضحايا نظام الكفالة الهاربات من بيوت - سجون مخدوميهن. والثورة السورية التي حولها نظام الأسد حرباً لقتل الشعب السوري وتشريده وتدمير حياته وعمرانه، ساهمت بلجوء عدد كبير من السوريين إلى تلك الجزيرة، التي يساهم اكتظاظها والاختلاط فيها، وتهاود كلفة اللجوء إليها، في الاحتماء والاختفاء من الرقابة، ومن المطاردة.

في الشارع، تحت الجسر الطويل، ابتداءً من جسر المطار وحتى محطة الرحاب للمحروقات، تنتشر مجموعات من الرجال يجلسون كيفما تيسَر تحت الجسر، في انتظار من يمر بسيارته أو راجلاً لأخذهم إلى عمل يومي أو خدمة ما، يحصلون منهما لقمة عيشهم. معظمهم من العمال السورييين، يخالطهم رجال آسيويون وأفارقة. اللافت جلوس مجموعات من فتيات سمراوات تحت الشجر في انتظار... من، وماذا وأي عمل؟

الرجال يبتاعون القهوة بـ "فناجين" بلاستيكية من باعة متجولين. قهوة بـ (500 ليرة) يرتشفونها، تحت رايات حركة أمل ورئيسها، مع نفثات من دخان سجائرهم التي يخالطها القهر والأمل في أن يأخذ عابرٌ أحداً منهم إلى ذلك العمل الموقت لساعات. وأحياناً، حين يقترب ذلك العابر لأخذ أحدهم، يتراكضون إليه، كأنما كل منهم يصرخ في سره: خذني، خذني أنا خذني. وفي تراكضهم للحظوة بتلك الأخذة، يتنافسون ويتباغضون تباغض الفقر الذي كان يقيم بينهم التضامن والإلفة قبل هنيهات. هذا بينما تئن الأعمدة وإشارات السير والجدران المهترئة بالأعلام والصور المعلقة عليها.
تحت الجسر إياه، وسط أكوام نفايات، ينتشر بائعو السوس المثلج على الأرصفة، مرتدين زي البائعين الجوالين السوريين التقليدي (شروال وحطة وعقال..)، فيدورون بين الناس لعل الحرّ وعساه يحمل الرجال الجالسين منتظرين، على شراء كوب من السوس "يبل به ريقه الناشف".

الفانات تنتشر على جانبي الطريق فتصدح أبواقها عالياً زاعقةً مع صراخ سائقيها على المارة: شتورا، شتورا.. يلا ماشيين. ولا أعلمُ إن كانت الصرخات تقع في آذان سامعيها وقعاً غير محبب، وسوقي أحياناً. والتزاحم بين الفانات على راكب قد يؤدي إلى مشكل لا يعلم إلا الله كيف ينتهي. فمعظم سائقي الفانات من أصحاب الرؤوس الذكورية الحامية، وقد لا تبردها ولربما تشعلها أصوات الأغاني الصادحة صداحاً هستيرياً في الفضاء الخانق والمختنق.  

أخلاط الإلفة والبؤس
المتاجر تعج بأصناف سلع لا تحصى. والعربات والبسطات منتشرة على الأرصفة وإسفلت الشارع. المفروشات المنزلية من الموبيليا الرخيصة تُعرض عرضاً وبائياً خارج المتاجر، مثل الهواتف الخليوية وإكسسواراتها في متاجرها.. وهناك صيدلية إلى جانب متجر خرضوات، ومحل لإصلاح دواليب السيارات، ومطعم فلافل وباذنجان مقلي. والحاويات مليئة بالنفايات التي تفيض عن سعتها، فتنبعث منها الراوئح وتفحّ في المكان.

على مدخل سوق الرحاب يفرش رجال أجهزة خليوي مستعملة على أقمشة بالية وقطع نايلون متسخة، لبيعها رخيصة. وهناك طاولات لبيع أشياء يصعب العثور على تسميتها، فيتدافع للتحديق فيها وتفحصها بأيديهم رجال تشعر للوهلة الأولى أنهم في حال اقتتال الديوك. وهناك طاولات للمراهنات المالية. الأصوات العالية والشتائم الذكورية والتدافع تجعل المشهد عنيفاً، وقال أحدهم إن بائع الهواتف الخليوية المستعملة وصاحب طاولة المراهنات المالية، هما من التابعية اللبنانية، ومعظم الشارين واللاعبين من السوريين وسواهم من الجنسيات. ولا أحد يعلم مصدر هذه الهواتف أو كيفية الحصول عليها. أما عملية البناء العشوائي فتضاعفت سريعاً في الليل، أثناء حرب تموز 2006، وفي فترة حوادث 7 أيار 2008. وتصل الأبنية إلى أربعة طبقات أو خمس، ومعظم أصحابها وبعض قاطنيها من الجنوب، وكثيرون منهم يؤجرونها من السوريين والعمال والعاملات الأجانب. أما في السابق فكانت الأكثرية السكانية من البقاع الشمالي، بعلبك والهرمل. المباني تشبه معلبات كرتونية، أو علب السردين، حسبما يقال. والدخول والتعرف إليها يحتاج إلى دليل، حتى للساكنين فيها بعد استئجارها. وأصوات مكبرات الصوت تصدح بأناشيد دينية (في مناسبة عاشوراء) أو بخطب أمين عام حزب الله أو الرئيس بري. خزانات المياه تنتشر على مداخل الأبنية، إلى جانب الأسلاك الكهربائية التي تحتاج إلى شيفرة لفك شرانقها الطلسمية. واذا لم تكن من القاطنين هنا، فسيعرفونك من النظرة الأولى. وبطريقة لا تخلو من الترهيب يناديك أحدهم: "لوين يا أستاذ ؟ مين بدك؟". أنت هنا موضع شبهة. وتراقبك النظرات حتى تصل إلى المكان الذي تقصد. 

الأمن الذاتي
زيارة سوق الرحاب، حيث كل شيء متوفر، تغني المتسوقين الفقراء عن زيارة أسواق أخرى. فالمثل القائل "بتلاقي طلبك من البابوج للطربوش" حقيقي هنا. وأفضل اسم لهذا السوق هو "بي الفقير"، حيث تظهر عورة الفقر والعوز التي تنهش الأجساد. نسوة، أطفال، صبايا، وشبان، تشكل السوق ملاذهم الوحيد: عربات خضار، محال لحّامين، وموائد شواء، ومحال بيع حلويات، ومتاجر أثاثات منزلية وألبسة وأدوات كهربائية وبياضات وأدوات زينة نسائية وعطورات، وأقراص مدمجة للأفلام السينمائية، للأغاني والتلاوات القرآنية والندبيات والأهازيج الدينية، وعربات كتب وموسوعات (مقدمة ابن خلدون بـ 6 آلاف ليرة)... الأسعار زهيدة، لأخلاط الفقراء والمهمشين.
وبين البضائع المعروضة تتكوم النفايات في حاويات تفيض بما تحتويه من فضلات خضار ولحوم. ولا يندر أن ترى رجالاً يتحلقون حول الحاويات ينبشونها بحثاً عن أي شيئ صالح للاستعمال. والنتيجة الطبيعية لمثل هذه الحال تكاثر القوارض (الجرذان) التي تسرح هنا ليل نهار.

ولا تقتصر حركة البيع والشراء على القاطنين في المنطقة، بل يقصدها كثيرون بسبب تدني الأسعار. لبنانيون من بعلبك - الهرمل والجنوب ومناطق اخرى، إضافة الى سوريين وعراقيين لجأوا الى هذه المنطقة، وعمال أجانب من جنسيات سيريلنكية وبنغلاديشية وأثيوبية... تٌسمع لهجاتهم على أنواعها.
تؤكد بائعة أنها تدفع شهرياً "ضرائب"، كي لا تقول "خوة" للمنظمات المسيطرة. والجميع يدفع هنا، ويفضل عدم التطرق إلى هذا الموضوع الحساس الذي يجلب "وجع راس .. خلينا مستورين"، يقول بائع آخر.

ذروة السوق والتسوق في الرحاب نهاري السبت والأحد. منذ الصباح تُفرش البضائع على الأرصفة، و"الشاطر بشطارته". حتى رصيف مبنى كشافة المهدي يتحول لتسوق الخردة والأنتيكا والخضر، فتتلاطم الأكتاف. وعليك أن تكون حذراً حيث تكثر السرقات والنشل. وأشخاص يقفون على جنبات المحال يراقبون دخول "الغرباء".

ماركات عالمية مكتوبة بخط اليد على زجاجات عطور مركبة، يتهافت البائعون لاصطياد زبائنها. ما الفارق بين عطوركم وعطور المحل المحاذي؟ نسأل أحدهم، فيجيب: "الروائح المركبة لدينا تشبه تلك الأصلية بنسبة 80 في المئة، أما لدى جيراننا فتشبهها بنسبة أقل بكثير.
تسأل أين تنتهي السوق، فيجيب أحدهم: تصل إلى صبرا في المقلب الآخر. المسافة حتى الجامع الكبير، كما يسمونه في بداية الرحاب، خاضعة لرقابة حركة أمل. أما بعد الجامع فهي لفصيل سياسي آخر (ربما حزب الله) له قوانينه ونظمه و"خوًاته".

تتبعثر الحكايات والقصص والروايات والبضائع هنا، مشيرة إلى بشر وضعهم قدرهم في المجهول. من يأبه لحالهم طالما البلاد كلها تسير نحو المجهول؟

قيل إن دوريات لفرق تفتيش من وزارة العمل بدأت دورياتها، وتجول ابتداءً من الثالث من الشهر الحالي في الرحاب، وفي إطار أعمال التفتيش المكثفة تطبيقا لخطة تنظيم اليد العاملة غير الشرعية ولقانون العمل اللبناني. فأُغلق 30 محلاً غير شرعي، بعد مخابرة القوى الأمنية أجهزة القضاء. يا للسذاجة! وهل باقي المحال تمتلك المواصفات القانونية المطلوبة؟

يمكن منح السوق لقب "عالم بيروت الآخر". فهو عالم واسع مهمل، له نظمه وأحكامه "وجلاديه". يقال إن عمليات تأهيل تجري في السوق. ولكن تأهيل من وماذا؟!

لا شيىء باستثناء حفريات على مدخل السوق، ويقال إنها قد تكون لزرع تمثال أو ما شابه لرمز من رموز القوى المهيمنة، أو ربما لأحد "الشهداء" الذين سقطوا اثناء تأدية واجبهم الجهادي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها