آخر تحديث:00:01(بيروت)
الجمعة 09/08/2019
share

مستشفى المقاصد: برج بابل من الفساد والتعسّف

عماد الشدياق | الجمعة 09/08/2019
شارك المقال :
مستشفى المقاصد: برج بابل من الفساد والتعسّف المقاصد أُنشئت لأهل العاصمة بيروت. وهي مبادىء وليست مبانٍ ومعدات (المدن)
في زيارتها الأخيرة لمستشفى المقاصد في الطريق الجديدة قبل نحو سنة، أطلقت الوزيرة ليلى الصلح حمادة شعارها: "الإنقاذ من الداخل قبل استجداء الخارج". بدا هذا الشعار في حينه إشارة إلى ضرورة تخلي مستشفى جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية عن نهج استجداء المساعدات، والتركيز على تحسين القدرات الذاتية. ومذّاك تسود المستشفى حال من الهلع وحبس الأنفاس. فالموظفون مع كل طلعة شمس يتوجسون من تلقيهم اتصالاً من مكتب شؤون الموظفين لتبليغهم إنهاء خدماتهم.


صرف وترميم 
وحملة التطهير لم توفرّ قسماً في المستشفى، فطالت المحاسبة والمختبر والأشعة والطوارىء والمطبخ والغسيل والجسم الطبي، من دون إعلان أسباب، أو اعتماد معيار واضح وصريح، فيما يقال إن موجة الصرف قد تستمر حتى تعافي المستشفى!

تأتي هذه الإجراءات على خلفية أزمة مالية مفترضة، تقول الإدارة إن المستشفى البيروتي العريق يرزح تحتها، وخصوصاً بعد شحّ الدعم الخارجي (سعودي غالباً)، واقتصاره على التقدمات العينية ورعاية افتتاح بعض الأقسام. لكن هذا لا ينسجم إطلاقاً، في ما يبدو، مع سلوك القيمين على إدارة المستشفى: ترميم وإصلاحات وورش مستدامة، هدم جدران وتوسيع باحات ومداخل، واستئجار مولدات. وهذه كلها تستلزم ميزانيات، فيما تُحجب رواتب موظفي الدخل المحدود!

الإصلاح ومكافحة الفساد اللذان يقول مجلس أمناء الجمعية - انتُخب قبل نحو سنة وثلاثة شهور صوَرياً، وفاز بالتزكية بمباركة دار الفتوى، الذي يُستجدى عادة لتغطية أي موقف سُنيّ حرج - إنه يطبقهما، يشبهان كثيراً نهج السلطة في مكافحة الفساد: الحفاظ على الصفقات المشبوهة، واستهداف رواتب الموظفين وتقدماتهم!

رب سائل يسأل: هل من مستشفى خاص في لبنان يقع في عجز مالي سوى المقاصد؟ فيما يتزايد عدد المرضى في بلد تتفشى فيه الأمراض المستعصية والأوبئة؟

سياسة خاطئة وتسلط
يقول الطبيب الشرعي في المقاصد الدكتور عدنان دياب لـ"المدن": "تشير الدراسات العلمية مبدئياً إلى أن أي مستشفى ملاءته 35 في المئة من أسرّته، قادر على تغطية مصاريفه التشغيلية. والمقاصد أغلب أسرّتها تنشغل دوماً... فأين أموالها؟". وكشف دياب عن أن مدير الجسم الطبي في المستشفى، جمع قبل أشهر عدة، ما يقارب 30 طبيباً وأبلغهم بالاستغناء عن عقودهم، وأضاف: "نحن في الأساس لا نكبّد المستشفى أي تكاليف، بل على العكس، نجلب مرضانا إليها، وهي تستفيد من وجودنا ومن أسمائنا وخبراتنا، وتقطع لقاء ذلك 10 في المئة من أتعابنا وتدفعها لنا لاحقاً. هم أحرار في الاستغناء عن عقودنا، لكن لا بد من القول أن سياستهم غير صائبة، وأسلوبهم في الترشيق خاطىء جداً وسطحي".

طبيب آخر على خلاف مع إدارة المستشفى يقول: "رئيس الجمعية (فيصل سنو) يتفرد بالقرار، ويتصرف كأنما المؤسسة من أملاكه الخاصة. حتى مجلس الأمناء، المفترضة مشاركته القرار، لا يتجرأ على التدخل". وكشف الطبيب نفسه عن أنه يفكر في التقدم بدعوى قضائية ضد المستشفى، لتحصيل مبلغ مستحق له في ذمتها (نحو 180 ألف دولار)، لقاء سنتي عمل. وأضاف أن سنو عرض إعادته إلى العمل، لقاء تخليه عن نصف المبلغ، فرفض، متابعاً: "إذا ظلت المستشفى تُدار على هذا النحو، فهي ماضية نحو الإقفال في غضون سنة". ثم تساءل: "أين دار الفتوى من الذي يحصل؟"

صرخة: أين المبادئ؟
طبيب ثالث رفض الكشف عن اسمه، واستغنت المستشفى عن عقده قبل نحو شهر، ولم تدفع له مستحقاته من بدل العمليات والأتعاب ومن الضمان الاجتماعي، لكنه في المقابل أكد أنه لا يريد أن يكون جزءاً من الحملة ضد المستشفى، احتراما للسنوات الـ 25 التي أمضاها فيها، يقول: "المقاصد أُنشئت لأهل العاصمة بيروت. وهي مبادىء وليست مبانٍ ومعدات. ويجب ألا تبغي الربح. فهل يعقل أن تكون تعرفة الطوارىء 100 ألف ليرة؟ في مستشفى كليمنصو الفندقي التعرفة 150 ألفاً، فأين الفارق المناطقي ونوعية المرضى وقدرتهم على الدفع؟ يستحيل أن يدفع مريض الطريق الجديدة 100 ألف!". مصدر آخر كشف لـ "المدن" أن المبلغ المستحق لهذا للطبيب في ذمة المستشفى يزيد عن 80 ألف دولار، وطلبت منه إدارتها التنازل عنه كتبرع خيري لها، بحجة أنه كان يرسل المرضى إلى مختبر غير مختبرها، لكسب عمولة. لكن الطبيب ينفي ذلك مؤكداً أن حال معظم مرضاه المادية لا تمكنهم من تكبّد تكلفة مختبرات المقاصد التي تفوق بضعفين أو ثلاثة تكلفة المختبرات القريبة منها!

سوء معاملة وبزنس
هذه الحقيقة يؤكدها مصدر في مختبر الدم في المقاصد، فيقول: "يتهمون الاطباء بالتعامل مع مختبرات خارج المستشفى، وهذا صحيح، لكن سببه الإدارة الفاشلة والمعاملة السيئة، وخصوصا الأسعار المرتفعة. ولجأنا أخيراً إلى اعتماد تسعيرة الضمان الاجتماعي للمضمونين وغير المضمونين، وإلى حسم الأسعار للجمعيات والمستوصفات، لاستعادة الزبائن (اذا صح القول) من جديد. ورؤساء الأقسام يجهدون لزيادة الإيرادات خوفاً من اتهامهم بالتقصير. وشحّ الإيرادات سببه اختبار الناس المعاملة في أماكن أخرى، حيث الاهتمام بالمريض واحترامه كإنسان".

المصدر نفسه يخبرنا ساخراً عن سياسة المستشفى في إصلاح ما تخرّب: إنها كمن يداوي السرطان بالأسبرين، وأضاف: "يخضعوننا لدورات تواصل (communication) لإرشادنا الى الطريقة المثلى للتعامل مع المرضى بوصفهم زبائن أو عملاء في شركة خاصة. مدير الدورات يدعى حسن شاكر الذي يطل من على شاشة تلفزيون المستقبل. وهو يعطي دروساً خصوصية بمواقيت محددة في قاعة الاجتماعات، وحضورها الزامي للأقسام كلها، وتتناول أسلوب التعاطي مع المريض، والعلاقة بين الموظفين. جو العمل في المقاصد لم يعد مريحاً على الإطلاق، ويشوبه الاضطراب والتشنج. إنهم يديرون المستشفى بعقلية البزنس، فيتغافلون عن الفساد والصفقات والسرقات السابقة، ويعيدون سبب شح الإيرادات إلى تخمة في الموظفين، وهذا غير صحيح".

ويقول المصدر أن عدد الموظفين في المختبر، "بات محدوداً جداً ويصعب علينا الحصول على إجازة. الإدارة حسمت من رواتب الموظفين 20 بالمئة على مدى ما يزيد عن 6 شهور، وقالت إنها ستعيد لهم الحسومات لاحقاً، ولم تعد شيئاً حتى الآن. الموظف في نظرهم أصل المشكلة. تجري عمليات نقل عشوائية من الخدمات إلى المطبخ، أو من الإدارة إلى قسم الغسيل، بغية دفع الموظفين إلى الاستقالة الطوعية. وبدل الاستفادة من خبرات الموظفين القدامى، يجري الضغط عليهم لاستبدالهم بموظفين جدد أقل خبرة".

صفقات غامضة
موظف سابق في قسم الحرس يروي معاناته مع الإدراة التي لم تخبره منذ نحو شهر على صرفه، بقيمة مستحقاته، ولم تزوده بمستند تعترف فيه بحقوقه. ويقول إن الإدارة استبدلته ورفاقه بحراس من شركة أمنية خاصة هي "أمن المستقبل"، العائدة للنائب فؤاد مخزومي. ويرجّح أن يكون السبب تبوؤ زوجة المخزومي، السيدة منى نعماني، عضوية مجلس الأمناء في المقاصد. وقيل أيضا إن "المستقبل" تقدمت بعرض حراسة شبه مجاني لمدة سنتين، نظراً لوضع المستشفى المالي السيء، فيما رجحت المعلومات أن ذلك قد يكون من باب الترغيب بالتعاقد مع المستشفى لاحقاً.

وعرضت الإدراة على الحراس المصروفين الانضمام إلى "أمن المستقبل"، براتب أقل وتشغيلهم خارج المستشفى. يقول الحارس: "يريدون إبعادنا ويتهربون من بدل الإنذار والصرف التعسفي. ربما هدفهم من المماطلة تمرير مهلة الشهر التي يمنحها قانون العمل للمصروفين تعسفاً للتقدم بشكوى. فتارة يحيلونا إلى التفاوض مع الشركة، وطوراً يمهلونا أياماً لتبليغنا بكشوفات المستحقات".

موظفو الصيانة الذين لم يطلهم الصرف، على خلاف يومي مع شركة EMMS التي لُزّمت إدارة القسم لقاء 50 ألف دولار شهرياً، يُحسم منها 20 ألفاً بدل رواتب ما تبقى من الموظفين، وتتقاضى الشركة 30 الفاً ربحاً صافياً من دون أن تتكفل تكلفة قطع الغيار أو تصليحات خشبية أو حديدية أو تنجيد وخياطة، بل تلزّمها لشركات أخرى وتكبدها للمستشفى. وبين مدة وأخرى تطالب الشركة موظفي الصيانة بشروط عمل ودوامات جديدة، بعدما اختزلت عددهم إلى النصف (صُرف منهم 5 موظفين الثلاثاء الفائت).

عقلية ترامب
قبل نحو سنة كشف مصدر رفيع في جمعية المقاصد لـ "المدن" أن الرئيس الجديد فيصل سنو، قد يكون بحاجة لنحو 6 أشهر لمعرفة إن كانت خطته ناجعة أم لا. لكن مرت سنة ومازالت النتائج غامضة، والأمور تزداد تعقيدا. ويقول المصدر إن العجز سببه فائض في التوظيف، ويتحمل مسؤوليته الرئيس السابق أمين الداعوق. لكن المصدر يفوته أن سنو كان نائباً للرئيس، ويتحمل جزءاً من المسؤولية، علماً أن الموظفين المصروفين أقدم من الداعوق وسنو، وتخفيض عدد الموظفين ليس حلاً أو شطارة. ربما يكون الطريقة الأسرع لخفض النفقات، لكنه الخيار الأسوأ، وخصوصا إذا كانت مزاريب الهدر في أماكن أخرى مختلفة كلياً.

أحد من المطلعين على سياسات الجمعية، يقول إن "ترشيد الإنفاق كان يمكن أن يتخذ مناحي مختلفة. لكن الأمر يتعلق بشخصية سنو الذي لا يتقبل النقد ويفرض رأيه بالاكراه". وخلص المصدر إلى القول: "إنها عقلية دونالد ترامب التي تسود في العالم كله وتتوسع... للأسف!".

حاولت "المدن" التواصل مع سنو لسؤاله عن حقيقة ما يُقال ومعرفة تفاصيل الخطة المفترضة للنهوض بالمستشفى، فلم يتجاوب، وأحالتنا أمينة سره إلى المدير التنفيذي في المستشفى الدكتور محمد بدر، فسألنا في لقائنا به لنحو دقيقتين فقط، عن صفتنا القانونية للتحدث في الموضوع، معتبرا أنه "شأن خاص لجمعية خيرية لا علاقة للصحافة به"، واضعاً ما يقال كله (قبل أن يسمعه) في إطار "شائعات ليس لها أي أساس".

لذا لم نتمكن من التأكد إن كان صديق ابنه - الممرض المطرود بلا عودة منذ سنوات، وأعاده هو إلى العمل، متخطيا الأعراف، ورفّعه الى رتبة "مدير التطوير" - هو من يحاول اليوم فرض إرادته في شراء حاجيات المستشفى لمنافع خاصة، على ما يبدو (آخرها سنترال هاتف ماركة Panasonic). فهل هذا أيضاً "شائعات"؟ وهل ما فعلته شركة طبارة للمقاولات - تشييدها مبنى داخل المستشفى كهبة، لقاء فوزها بصفقات أخرى (تأهيل مدخل المستشفى، وترميم مدرسة الفاروق) - هي أيضاً شائعات؟ وتعيين ابنة المقاول، مالك الشركة، مسؤولة قسم الهندسة في المستشفى، هل هي شائعات؟ والاستعانة بالشركة التي تعمل فيها ابنة سنو، لتزويد قسم غسيل الكلى بمصافي المياه (RO system) أمصادفة هي الأخرى أم شائعات؟!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها