آخر تحديث:00:03(بيروت)
الخميس 29/08/2019
share

موجة لجوء إلى هولندا: إيرانيون مُنْهَكون من "ولاية الفقيه"

فادي طفيلي | الخميس 29/08/2019
شارك المقال :
موجة لجوء إلى هولندا: إيرانيون مُنْهَكون من "ولاية الفقيه" المحافظة الدينية والاجتماعية تكاد عند اللاجئين الإيرانيين أن تكون معدومة (الصورة من شوارع طهران، Getty)
بدأت هولندا منذ العامين 2012 و2013 باستقبال موجة كبرى نسبيًا من اللاجئين، قدّرت أعداد أفرادها، حسب إحصائيّات رسميّة حتى العام 2018، بما يربو عن 20 ألف شخص تقدّموا بطلبات لجوء. اتّسمت تلك الموجة منذ بدايتها وإلى الآن بارتفاعاتٍ وحركات متفاوتة في خطوطها البيانيّة، على إيقاع ما يحدث في بؤر الصراع في العالم، وحسب سخونة الأوضاع واضطراب الأحوال في البلدان التي تلفظ سكانها وتطردهم أو تحيلهم إلى جماعات هائمة تائهة، تبذل الغالي والنفيس للوصول إلى برّ أمان.


تجربة مدينة زوتفن
وتصدّر السوريّون، كما هو معلوم، طليعة الموجة وغرّتها. فكانوا منذ العام 2012 وحتّى 2017 الأكثر عددًا في مراكز الإيواء التي أنشأتها السلطات الهولنديّة في أبنية سجون سابقة، أو في ثكنات عسكريّة مهجورة، ومجمّعات للشرطة أخرجت من الخدمة.

وحظيت مدينة زوتفن إلى الشرق من أمستردام والقريبة من الحدود الألمانيّة، بواحد من تلك المراكز. وكان مركز زوتفن مجمّعًا سابقًا للشرطة، أنشئت مبانيه في ثمانينات القرن الماضي، وتقدّر طاقة استيعابه بنحو 600 شخص. أثار هذا العدد في أوساط المدينة الصغيرة (عدد سكانها نحو 40 ألف نسمة) جدلًا واسعًا، وصل إلى دوائر البلديّة وحكومة الإقليم. وكان محوره "القلق" من "الغرباء" القادمين لتوّهم من بؤر حروب وصراعات وحقول إعدام وقتل. وقد استمرّ ذلك الجدال إلى أن استطاعت إحدى الجمعيات الهولندية الرائدة منذ أواخر العام 2016، اختراق أجواء القلق تلك بمجموعة من مشاريع الدمج وبرامج لفكّ عزلة القادمين وإدخالهم في شبكة أمان اجتماعي، تقود إلى استيعابهم في البلد كمواطنين جدد. وقد باتت تلك الجمعيّة منذ أعوام عنوانًا لمدينة زوتفن، ومثالًا يُحتذى منذ العام الماضي في مدن هولندية أخرى، مثل بريدا وأوترخت وآرنهايم وغيرها.

مفاجأة كردستان وإيران
وفي عزّ الموسم السوريّ وظلال أفيائه الوارفة، حلّ أيضًا لاجئون من أريتريا ونيجيريا وأفغانستان واليمن والعراق وليبيا وتوغو والسودان والصومال، وبعض اللاجئين من مصر. ومع أزمة شمال العراق في العام 2017، إثر استفتاء الاستقلال الكردي الخائب، حلّ في مركز الإيواء، وعلى نحو مفاجىء لم يكن متوقعاً، لاجئون من كردستان العراق. فيما كان يُظنّ أن الأحوال في شمال العراق مُستقرّة والناس يبنون تجربة كيانيّة كرديّة. وحلّ في مطلع هذا العام مع بداية الأزمة الفنزويليّة لاجئون كثر من فنزويلا، التي يغادرها الملايين هربًا من انهيار التشافيزيّة وتحلّلها وجنون شعبويّتها. فراحت الأجواء في مركز الإيواء - وهو يستضيف في كلّ مرة فوج لاجئين لفترة تتراوح بين ستّة أشهر وعام كامل، ريثما يوزعون على مناطق ومدن هولنديّة تستنسبها سلطات الهجرة - تُشير إلى مواقع الاضطراب في العالم وتدلّ عليها بواسطة جنسيّات الحالّين في المركز، الذي بدا مع الوقت مثل صندوق معلومات وإشارات عن مسارح الأحداث والاضطراب العالمية، أو كمثل مرصد استشعار بؤر السخونة والاضطراب الدوليّة.

ومنذ نحو ستّة أشهر أو سبعة، ومع تفعيل العقوبات الأميركية على إيران وخروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، بدأ مركز الإيواء في زوتفن يستقبل موجة لاجئين جديدة يتصدّرها هذه المرّة، وعلى نحو مفاجئ وغير متوقع، الإيرانيّون. فبعد الموسم السوري المديد والكاسح، وما تخلّله من مواسم فرعيّة متعدّة رافقته، منها أفريقيّة ومغاربيّة ومشرقيّة وآسيوية، يحلّ اليوم الإيرانيّون بالمئات. فتذكّر موجتهم الكبيرة الراهنة بغرة الموسم السوري وذروته.

نساء بمفردهن.. 
إيرانيّون وإيرانيّات كثر، متعددو المنابت والخلفيات والأعراق والأديان والأصول: من طهران وأصفهان وشيراز، ومناطق ومدن أخرى كبيرة وصغيرة معروفة أو نائية. ومنهم مسيحيون، ومسلمون سُنّة، وكرد، وبهائيون، وشيعة منهكون من ولاية الفقيه، حلّوا في مركز الإيواء وشكلوا الأكثريّة فيه، على مثال السوريين من قبلهم بين العامين 2012 و2017. فيتصدّر اليوم الإيرانيّون هؤلاء موجة اللجوء، ويظللون موجات أصغر مستمرة من أريتريا وفنزويلا واليمن وأفغانستان وتوغو ونيجيريا وكوبا...

وثمّة ما يظهر مفارقًا ومغايرًا في الموجة الإيرانية الراهنة، إذا ما قورنت بالموجات السابقة من بلدان إقليمنا (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وصولا إلى وسط آسيا). ففي الموجة الإيرانيّة هذه ثمّة حصّة واضحة وبارزة ومُتصدّرة من النساء القادمات بمفردهنّ، أو برفقة بناتهنّ وأولادهن، ومن دون شريك ذكر أو زوج أو أخٍ. وهذا مُعطًى مُتميّز، إذا ما قورن بمعطيات موجات اللجوء الأخرى التي يقودها في العادة رجال، هم آباء أو أزواج أو أخوة أو أبناء بالغين.

الاختلاط والتخفف من التديّن 
تُشير شريحة النساء الكبيرة في الموجة الإيرانيّة إلى مُعطى آخر دلالته متمايزة، إذا ما قارنّا الموجة الإيرانيّة الراهنة بموجات اللجوء من أقاليمنا. فليس من مُحجّبة واحدة بين النساء والفتيات الإيرانيّات الكثيرات. والمحافظة الدينيّة والاجتماعيّة التي تَسم في العادة الكثير من أفراد وعائلات موجات أقاليمنا، تكاد أن تكون معدومة بين الإيرانيين. فالإيرانيّون اللاجئون لا يظهرون تحفّظات على مظاهر الاختلاط بين الجنسين. لا بل أن هذا الاختلاط مع الهولنديين يمثّل أولى مطالب النساء والرجال في موجتهم. ولا يظهر الإيرانيّون، منذ حلولهم في بلد اللجوء والهجرة، أيّة حاجة لإحياء الأعياد والمناسبات الدينيّة، التي يُحتفى بها في بلدهم الأصليّ على نحو محموم. فرمضان الماضي هذا العام، مثلًا، عرف لقاءات وإفطارات وعشاءات كثيرة في مراكز أنشطة الدمج والتمكين، من دون حضور الإيرانيين والإيرانيات. وحده عيد النوروز مثّل مناسبة احتفاليّة جذبتهم. وبعد عدم تمكنهم من الاحتفال به في الربيع الماضي، لأنّه تزامن مع مطلع وصولهم، سارعوا إلى إدراج احتفالاته في أجندة الأنشطة المقبلة بمركز اللقاءات ومشاريع الدمج والتمكين في مدينة زوتفن الهولنديّة. وعلى نقيض دعاوى النقاء الثقافي والقومي والدينيّ التي ترفعها السلطات الإيرانيّة، يُظهر الإيرانيّون الذين لجأوا إلى هولندا منذ أشهر، وهم متباينو الأعمار والخلفيّات الثقافيّة والجنسيّة والدينيّة، مرونة كبيرة في التفاعل الاجتماعي. وتأتي اللغة الإنكليزيّة، لغة "الشيطان الأكبر"، حسب دعاوى نظام ملاليهم الهاربين منه، والتي يتقنها معظمهم، في طليعة الأسباب التي تُسهّل تفاعلهم وتُتيح تعبيرهم عن أنفسهم.

الخيط الجارح المسموم
وأمام هذا المشهد الإيراني الكبير والمستجدّ في بلد اللجوء الهولندي، ثمّة إحساس مريحٌ ومعذّبٌ في آنٍ تجاه إيران، التي يوحي لنا بها هؤلاء الخارجون على سلطان ملاليهم. إنّه إحساسٌ يُحاكي في جانب منه ما يشعر به اليوم العاملون بمشاريع الأمان والتشبيك الاجتماعيين الموجّهة للإيرانيين وغيرهم من اللاجئين في هولندا. فإلى ما يبثّه هؤلاء الإيرانيّون من مشاعر قربٍ وتلاقٍ وتضامن وملامح شبهٍ، متأتّية من تمرّدهم الحاسم على صلف نظامهم السياسي، وقدرتهم على صون أنفسهم منه، فإنّ ما يفصلنا عن إيرانهم، إيران التي تشبههم وبالتالي تشبهنا، يبقى خيطًا جارحًا ومسمومًا ومتينًا. وهو إلى ذلك وتر شفيف، لا ندرك متى يبرى وينقطع، فيمكننا رؤية إيران هذه ولمسها في إيران، لا في مراكز الإيواء.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها