آخر تحديث:00:06(بيروت)
السبت 24/08/2019
share

ذكرى تفجير "التقوى والسلام" بطرابلس: مدينة الفقْد والتّخلي

جنى الدهيبي | السبت 24/08/2019
شارك المقال :
ذكرى تفجير "التقوى والسلام" بطرابلس: مدينة الفقْد والتّخلي مدينة يتيمة رغم كلّ إدعاءات "الأبوّة" (Getty)

كأنّنا دخلنا في آتون تعْداد الذكرى عامًا تلو عام وحسب، وكأنّ شيئًا لم يكن. هكذا بدتْ الذكرى السادسة لتفجير مسجدي التقوى والسلام، باهتةً، ناقصةً، تخلو من نبضٍ حقيقي خارج سرب "التصريحات"، التي بدت أقرب إلى بادرة تأدية واجب، ورفعًا لأيّ عتب.

قبل ستّ سنوات، في 23 آب 2013، كان الحدث الأمني الأكثر عنفًا في تاريخ تفجيرات لبنان الدموية. في ذلك اليوم الكابوسي، تولتْ أيادٍ أمنيّة رفيعة المستوى في المخابرات السورية، وبأدواتٍ لبنانية رخيصة، مهمة فتح الطريق أمام تسلل سيارتين مفخختين، بإشراف وتخطيط ضابطين من الاستخبارات السورية، وهما النقيب في فرع فلسطين في الاستخبارات السورية محمد علي علي، والمسؤول في فرع الأمن السياسي في الاستخبارات السورية ناصر جوبان، لتدبير وتنفيذ عملية تفجير المسجدين المحتشدين بالمصلين ظهر ذات جمعة.

ذاكرة سوداء
دويّان هائلا الصاخب والارتجاج، لم تفصلهما سوى دقائق قليلة، عن مجزرةٍ أغدقت شلالًا من الدّم والأشلاء والجثث المحترقة والرؤوس المقطّعة، ومئات الجرحى. كان يومًا عاديًا، لا ميزة له في روتين يومياتنا، قبل أن يخرج منكسرًا وثقيلًا وعنيفًا بين لحظةٍ وأخرى من حساب الزمن، حتّى يُرمى في ذاكرةٍ أبديةٍ سوداء، للمدينة وأهلها. وهذا اليوم، على قساوته، لم يكن أكثر من مشهدٍ واحد في كتابٍ متعدد الأجزاء محتشد بالمشاهد المماثلة، سطّره نظام الأسد داخل طرابلس، التي لم يتردد في تعاطيه معها، كمدينة سورية ذات أكثرية سنيّة وأقليّة علوية، يعتقد أنّها سُلبت منه جغرافيًا عن طريق الخطأ. هي مثلها مثل دمشق وحماة وحمص وحلب واللاذقية، احترف فيها النظام حرب الإبادة والتدجين والإخضاع، عبر أجهزته وأدواته وقواته المسلحة. وهل تنسى هذه المدينة المذبوحة على أيادي الأسد، أبًا وابنًا، مجزرة باب التبانة في صيف 1986 التي أودت بحياة 700 شهيد أعزل؟

وكتتمة متأخرة لمجزرة باب التبانة الأليمة، اندرج تفجير مسجدي التقوى والسلام في سياق اندلاع الثورة في سوريا في العام 2011. جاء التفجير أشبه برسالة تأديب الجلّاد لضحيته. هي لحظةٌ أفرز فيها نظام الأسد سطوته وجبروته على مدينةٍ أبت الخضوع له يومًا. هو صاحب فرز "المظلومية السنيّة" وعصبيّتها وصراع الأقليّة العلوية معها، كأنّه أراد القول ذات 23 آب: تذكري أنا هنا، لا تزالي في جعبتي وتحت سيطرتي.

المدينة اليتيمة
عشقت طرابلس الثورة السورية، كانت أملها، وكان الربيع العربي خلاصها وهي تصدح بالفم الملآن: يسقط بشار الأسد. لكنّها عادت وخُذلت. وما أصاب الثورة أصاب عمقها، حتّى أصبحت مدينة متهمةً بصبغة الحركات الإسلامية المتشددة والمتطرفة، لا سيما في المناطق الأكثر فقرًا وتهميشًا، كواحدة من أوجه العداء للنظام السوري وحلفائه في لبنان، الذين يعيشون نشوة انتصارٍ سافرٍ وموهوم.

لكنّ طرابلس، مدينة التقوى والسلام، رسخ جرحها في يَتْمها. هي مدينة يتيمة رغم كلّ إدعاءات "الأبوّة". آلاف من شبابها يقبعون في السجون من دون محاكمات بتهمة التواصل أو القتال مع جماعات إسلامية متطرفة في سوريا، بعد أن غُسلت أدمغتهم، ووجدوا أنفسهم في خندقٍ من الحقد والدمّ، ودفعوا فاتورة خداعهم والمتاجرة بهم من "أهل بيتهم" قبل أعدائهم، فيما جلادها وقاتلها في التقوى والسلام، لم يُحاكم إحقاقًا للعدالة.

لا شكّ أنّ عاصمة لبنان الثانيّة، بلغتْ ذروة إحساسها بشعوري "الفَقْد" و"التّخلي". من يمشي في شوارعها القديمة مع ناسها، يتقاسم مع أهلها المتعبين همومهم في الركض وراء لقمة عيشهم، أو القفز فوق جورةٍ نسي "الزعيم" تزفيتها. قبل أشهر، شرّعت طرابلس أبوابها على عار زعمائها. خاض تيّارها الأزرق انتخابات فرعيّة من دون منافس. صُوّرت كأنّها انتخابات حياةٍ أو موت. سُوّق لهذا المقعد البرلماني من بوابة هزيمة قاتلها، أيّ النظام السوري، وكواحدٍ من مسارات تحقيق هزائم حزب الله ومنع تمدده بعد عودته "منتصرًا" من سوريا. لم يتركوا ألمًا عاشته إلّا واستثمروه في حملتهم، لدرجة بدا أشبه باستثمار المهزوم والخاسر والمفلس، من امتلاك أيّ خطّة أو مشروع خارج إطار تعليق الآمال على المعجزات بوهب 999 ألف فرصة عمل،  لم يُؤمّن منها واحدة.

خطابات المظلومية
لم ينسَ أحد إطلاق بيانات التّمني بـ "إحقاق العدالة" لتقواها وسلامها. إلّا أنّ طرابلس الجريحة، التي لن تنسَ جرائم عدّوها بحقّ أهلها، لم تعد تكترث لهذه البيانات، ولم تعد تلبي نداءات التصويت بكثافة لمن تخلى عنها ولم يكن وفيًا بحقّها. كانت انتخاباتها الفرعيّة درسًا وعبرةً لمن أراد أن يتعلم ويعتبر: معظم أهل المدينة أصبحوا لا يكترثون للعنتريات والاستثمار من حسابهم وعلى حسابهم.

اليوم، تأتي ذكرى التقوى والسلام لتستعيد طرابلس فيها بطش عدوّها الغاشم. لكنّها أيضًا، مناسبة للتذكير بمن تخلّى عنها وتاجر بأبنائها داخليًا واقليميًا، بعد أن شبعت حدّ التخمة من خطابات المظلومية والمؤامرة الكونية. وإذا كان مطلب طرابلس هو "العدالة" التي لا رجوع عنها، فإنّ لها مطالب أخرى، تجاه الخائفين من الاستثمار فيها بدل الاستثمار بها، وتجاه أصحاب "التسويات" وحلفاء المطالبين بالتطبيع مع نظام الأسد. ولعلّ العدالة الكبرى تتحقق في طرابلس، يوم تتغير أساليب "التّودد" لها بعيدًا من فاتورة استشفاءٍ أو قسيمة مؤن غذائية، وبعيدًا من خطابات طائفيّة وعصبية، ويوم يكون الاعتراف والتعاطي معها بوصفها عاصمة مدنية، لها أحلامها ومرفأها ومرافقها وبنيتها ومواردها وطاقاتها وأدمغتها وكوادرها البشرية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها