آخر تحديث:00:29(بيروت)
الخميس 15/08/2019
share

"عيد السيدة" الزغرتاوي لا تشبهه أعياد قرى لبنان

أورنيلا عنتر | الخميس 15/08/2019
شارك المقال :
"عيد السيدة" الزغرتاوي لا تشبهه أعياد قرى لبنان احتفال الزغرتاويين بعيد سيّدتهم يتّسم بالفرادة (الأرشيف)

لكل أهالي القرى المسيحية في لبنان سيّدتهم، فيما عدا الزغرتاويين، إذ لهم بدل السيّدة الواحدة سيّدتين: سيدة زغرتا وسيدة الحصن في إهدن. ولكل سيّدة منهما حصّتها من الأعياد، بدلالة على حرص الأهالي على إنصاف السيدة العذراء "معبودة الإهدنيّين"، على حدّ تعبير المؤرخ سمعان الخازن الإهدني في كتابه تاريخ زغرتا القديم والحديث. فعيد انتقال السيدة العذراء بالنفس والجسد إلى السماء في الخامس عشر من شهر آب هو حصّة سيدة زغرتا، فيما عيد مولد العذراء في الثامن من أيلول هو من نصيب سيدة الحصن في إهدن.

كسرب العصافير
لا شكّ أنّ ظاهرة الشعب الواحد في مدينتين هي ظاهرة فريدة ونادرة، خصوصاً أنّ الانتقال يكون شبه كامل. فللزغرتاويين أو الهَدادنة (نسبة لإهدن) كما كانوا يُعرفون قبل تملّكهم منطقة زغرتا عام 1516، بيتين بدل البيت الواحد، أحدهما في زغرتا والثاني في إهدن، وعالمَين مختلفين كليًا يتنقّلان بينهما بشكل دائم ودوريّ: من زغرتا السهل المتوسّطي القريب من البحر، والقائم على زراعة الزيتون والليمون، إلى إهدن الجبال العالية على كتف وادي قاديشا وأمكنة مكسوّة بغابات الشربين والصنوبر والأرز. ويكون هذا الانتقال من الساحل إلى الجرد في أولى أيام فصل الصيف، وبالاتجاه المعاكس بعد عيد مار سركيس وباخوس في السابع من تشرين الأول، أشبه بسرب العصافير يتنقّل من مكان إلى آخر، بانتظام.

وإذا كانت الاحتفالات بعيد انتقال السيدة العذراء هي نفسها في معظم القرى المسيحية، حيث يقام قدّاس احتفالي في كنيسة السيدة، وتجمعات للأهالي في باحة الكنيسة، مع ما يرافقها من تحضير لـ"الهريسة" وغيرها من المأكولات والمشروبات ونشاطات للأطفال في بعض الأحيان، إلا أنّ احتفال الزغرتاويين بعيد سيّدتهم يتّسم هو الآخر بالفرادة. فقبل أسبوع من العيد أو أكثر بعد، تشهد طريق زغرتا- إهدن حركة غير اعتيادية تتمثل بمسيرات جماعية أو فردية، تقوم بها أعداد كبيرة من المؤمنين الذين يقصدون كنيسة سيدة زغرتا من إهدن سيرًا على الأقدام. ثلاثون كيلومترا تفصل بين عالم الجرد وعالم الساحل وحوالى خمس وعشرين دقيقة في السيارة هي مسافة الطريق بينهما. لكن عشية عيد السيدة، تُركَن السيارات أمام البيوت في إهدن وينتقل المؤمنون من بيوتهم إلى بيت العذراء في زغرتا مشياً.

الحجّ السنوي
يقول الكاتب والدكتور في الأنثروبولوجيا، أنطوان الدويهي، أن "هذا الحجّ السنويّ من إهدن إلى زغرتا، المتبّع منذ سنين طويلة، والذي يقام كلّ مرّة للمناسبة نفسها وعلى الطريق نفسها، لا مثيل له في المناطق اللبنانية الأخرى". ويضيف: "لكنّ الحجّ، بشكل عام، هو عادة مسيحية قديمة خصوصاً عند مسيحيّي الغرب فكاتدرائية سانتياغو دي كومبوستيلا في مقاطعة "غاليسيا" شمالي إسبانيا، التي يتوجه إليها إنطلاقاً من مختلف البلدان الأوروبية مئات آلاف الحجاج سنوياً، سيراً على الأقدام أو على الدراجات الهوائية أو على الأحصنة، هي واحدة من أمثلة كثيرة على هذا التقليد".

ربّما يكون هذا الحجّ السنوي من إهدن إلى زغرتا عادة اكتسبها الأهالي منذ تملّكهم لمنطقة زغرتا. وفي هذا السياق، يقول المؤرخ الخازن الإهدني أنّ "أول عمل اهتمّ له الإهدنيون (أو الهدادنة)، إثر تملّكهم مزرعة زغرتا، أن تنادوا لبناء معبد صغير" يصلّون فيه أثناء مكوثهم في الساحل وريثما يعودون إلى موطنهم الأصلي.

يقول الدويهي في مؤلفه "مجتمع زغرتا: البنى الاجتماعيّة-السياسيّة للجبل اللبناني 1861-1975"، الصادر بالفرنسية عن "دار غوتنر- باريس"، أنّ الزمن عند الزغرتاويين ليس خطيّا كما هو عند سائر الناس، بل إنّ الزمن عندهم دوريّ. النزوح من زغرتا إلى إهدن صعودًا ومن ثم العودة إلى زغرتا نزولا هو ضابط إيقاع حياة هذا الشعب، يكرّر نفسه بشكل دائم ودوري في كل صيف وكل خريف يتبعه.

قدور كبيرة لطبخ الهريسة في ساحة البلدة
 

عيد السيدة وعيد جاراتها
في غضون أربع أو خمس ساعات، ينتقل المؤمنون من مكان سكنهم في إهدن إلى كنيسة سيدة زغرتا. أمّا الذين يسكنون في أعالي إهدن أو في أحياء بعيدة عن الأوتوستراد، فيطلبون من أحد الأقارب أن يوصلهم بالسيارة إلى أسفل نقطة في البلدة الجبلية ينطلقون منها باتجاه الساحل. لكنّ طريق الأوتوستراد يخبئ خلفه حوالى أربع قادوميّات يسلكها الحجّاج لتقصير مسافة الثلاثين كيلومتر. أمّا الذين يرفضون اتخاذ القادوميات فهم غالبًا الحجّاج الذين يسيرون وفاءً لنذر قديم، أو لنذر جديد ما زالوا ينتظرون أن يسمعوا من الله أو من والدته جوابًا لدعائهم. هؤلاء الحجّاج، وخصوصاً النساء الطاعنات في السنّ منهم، يسيرون المسافة كاملة حافيي الأقدام غير آبهين بالنار المتوهجّة تحت الإسفلت.

يمسك المؤمنون بمسبحة في يدهم يصلّون أبياتها الواحد تلو الآخر. وأمام كلّ بيت في كلّ قرية يمرّ الحجاج من أمامها، يقدّم الأهالي المياه الباردة والعصير للمؤمنين ويودعونهم بالأدعية وأشهرها: "انشالله مقبول".

هو يوم واحد في السنة يتذكّر فيها الزغرتاويون حي السيدة الذي كان قديماً قلب المدينة النابض ووسطها التجاري والسكني. يفرح أهالي الحيّ بالزوّار ويستقبلونهم بصحون الهريسة والذرة المشويّة وشراب "يا أسما" المصنوع من الورد، وشموع وأزهار تزيّن مذبح العذراء مريم. أمّا عشية العيد، فتكون النساء قد قامت بشطف أرض الكنيسة وتلميعها، خصوصاً من تطلقن على أنفسهن لقب "جارات العدرا"، أي النسوة اللواتي يسكّن في بيوت مجاورة للكنيسة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها