آخر تحديث:00:29(بيروت)
الخميس 15/08/2019
share

جريمة في الأشرفية: قتل التراث العمراني مستمر

وليد حسين | الخميس 15/08/2019
شارك المقال :
جريمة في الأشرفية: قتل التراث العمراني مستمر محافظ بيروت القاضي زياد شبيب منح رخصة الهدم من دون علم وزارة الثقافة! (علي علّوش)

"خلسة"، وعن سابق تصور وتصميم، وبينما كانت الناس ووزارة الثقافة في عطلة الأعياد، سوّت شركة "نقولا إنفستمنت" أحد مباني العقار 575 التراثي بالأرض، في شارع عبرين في الأشرفية. وعلى الرغم من عدم تسمية وزير الثقافة محمد داوود اسم المسؤول الرسمي الذي أعطى الإذن لصاحب العقار بهدم هذا المبنى التراثي، تبيّن أنه محافظ بيروت القاضي زياد شبيب. فوفق مدير عام مديرية الآثار الدكتور سركيس خوري أعطى المحافظ رخصة الهدم على اعتبار أن المبنى يهدد السلامة العامة!!

جريمة هدم مبرمجة
أتى بيان الوزير الذي وعد فيه "مالك العقار، الذي تم هدمه، والمسؤولين، الذين مكنوه من تحقيق مآربه، بالمحاسبة القضائية"، ليوقف تدمير كامل المباني القائمة على العقار، وصادرت القوى الأمنية الآليات الضخمة التي عملت على هدم المبنى، ومنعتها من استكمال مهمتها التدميرية، وخصصت القوى الأمنية دورية لحراسة بعض القطع المنتشلة من بين الركام.

وفي بيانه الاحتجاجي اعتبر الوزير داوود أن هناك "خطة مبرمجة تتعرض لها الوزارة في محاولة للقضاء على ما تبقى من تراث معماري لمدينة بيروت، بهدم الأبنية التراثية، من دون أخذ موافقة وزارة الثقافة وفق الأصول الإدارية والقانونية، لغاية في نفس يعقوب". فالوزارة، وفق خوري، هي الجهة المعنية بحماية المباني، والمحافظ لم يبلغها بقرار السماح للمالك بالهدم. ولا يمكنه التذرّع بتهديد السلامة العامة، إذ تعتبر الوزارة أن ترميم الأبنية التراثية ممكناً بجميع الأحوال.

صحيح أن من صلاحيات البلدية تحديد الأبنية التي تهدد السلامة العامة، لكن عليها إلزام المالك بالترميم. وفي حال امتنع المالك، تستطيع البلدية ترميمه على نفقته هو، عبر وضع ثمن الترميم كدين ممتاز على العقار، كما قال خوري.

كما أنه لا يمكن التحجج بأن العقار المعني ليس موجودا على لائحة الجرد التابعة للوزارة، كونه من واجبات المحافظ ابلاغ الوزارة قبل البدء بالهدم، خصوصاً أن جميع الجهات الرسمية تعلم جيداً أن لائحة جرد الأبنية التراثية غير مكتملة، وتضم فقط عشرة في المئة من الأبنية في لبنان. وهناك اتفاق مع بلدية بيروت أنه يمنع هدم أي بناء من دون العودة إلى الوزارة، كون لائحة الجرد غير مكتملة. والجميع لديهم هدف مشترك في الحفاظ على التراث المعماري لمدينة بيروت، ومن واجبات البلدية حسب قانون البلديات حماية هذا التراث.

الهدم قانوني
رداً على مديرية الآثار لفت رئيس الدائرة الفنية في بلدية بيروت المهندس مروان منصور أن المبنى الذي تم هدمه غير موجود على لائحة الجرد، وهي مكتملة في بيروت. فمنذ حكومة الراحل رفيق الحريري تألفت لجنة ضمت خبراء معماريين، منهم نقيب المهندسين السابق عاصم سلام، وبالتعاون مع مديرية الآثار، وتم مسح جميع الأبنية ذات الطابع التراثي في بيروت. ودرسوا حالاتها وتم تصنيفها بيتا بيتاً، ووضعت جميعها على لائحة الجرد العام لنوعية البيوت، حسب الفئة التي تنتمي إليها. وصدر فيها مرسوماً عن مجلس الوزراء. وعلى سبيل المثال الفئة A وB يجب ترميمها من دون أي تعديل عليها، بينما بقية الفئات يمكن إعادة ترميمها مع بعض التعديلات والتحسينات..

وأضاف أنه وفق قانون البناء تنص المادة الثانية في الفقرة دال على كيفية التعامل مع الأبنية المصنفة، لكن عقار الأشرفية المستهدف بالهدم فغير مصنف، ولا ينطبق عليه نظام التصريح بأعمال الصيانة الدورية والتجميل والترميم والهدم. بالتالي طبقت البلدية عليه القانون حرفياً كونه غير موجود على لائحة الجرد. 

ولفت إلى تقريرين أعدتهما جهتين مختلفتين كشفتا على العقار وأقرتا بوجود تصدعات أساسية في الأجزاء الحاملة للمبنى، ما قد يعرضه لانهيار مفاجئ، ولهذا يصح هدمه. كما أن المحافظ ألف لجنة من مهندسين في الإدارة وكشفت على المبنى، وأقرت أنه يشكل خطرا علي السلامة العامة. والمادة 18 من قانون البناء تعطي  للبلدية حق هدم أي مبنى في حال كانت جدرانه منهارة أو فيه خلل انشائي، قد يشكل خطراً على السلامة العامة. والمبنى موجود في زاروب وبجانبه مبنيين سكنيين وفي حال انهار كان سيشكل كارثة.

وغمز منصور من قناة مديرية الآثار، كاشفاً عن أن شركة "نقولا إنفستمنت" صاحبة العقار أبرزت كتاباً للبلدية قدمته إلى وزارة الثقافة في العام 2015 لهدم المبنى، طلب فيه رئيس مجلس الإدارة نبيل التوابيني موافقة الوازرة على هدم العقارات المتصدعة وهي أربعة عقارات. وتساءل منصور: ماذا فعلت الوزارة خلال هذه السنوات؟  فالبلدية تريد المحافظة على التراث والمحافظ مارس صلاحيته، والبلدية عملت بحرفية ووفق القانون.

واعتبر منصور إنه يوجد إشكالية مع مديرية الآثار، فهي من ناحية تريد الحفاظ على المباني الجميلة، لكنها لا تبادر لشرائها من مالكيها. وتابع بالقول: نحترم الوزير الحالي، لكن يبدو أن هناك تضليلاً من قبل البعض من حوله. فقد فرضت البلدية على مالك المبنى كتابة تعهد والالتزام بإعادة الواجهات كما كانت والحفاظ على عدد الطوابق، وأن يكون أي بناء جديد تعتزم الشركة بنائه منسجما مع المحيط الذي يقع فيه العقار، وقمنا بجميع الإجراءات التي لن تقوم الوزارة بأكثر منها. 

غريب أمر المحافظ
أما المهندس المعماري والخبير بالتنظيم المدني والعضو المتطوع في لجنة الأبنية القديمة في وزارة الثقافة، عبد الحليم جبر، فقد استغرب تصرفات المحافظ قائلاً: "لم نعد نفهم ماذا يريد المحافظ، فتارة تراه يمرر مبنى مخالفاً في الرملة البيضاء أو يأمر بتدمير المسبح الشعبي، وطوراً يسمح بهدم الأبنية القديمة. على الرغم أنه قاضٍ يتصرف بطريقة غير منطقية، ويستخدم كلمات قانونية أشك في قانونيتها".

وأضاف جبر، هناك لا مبالاة في التعاطي مع تلك المباني التي تشكل جزء من الذاكرة، وباتت متروكة للقضاء والقدر. لافتاً إلى أن "مفهوم السوق العقاري في لبنان يقوم على أساس مساحة البناء التي يسمح بها قانون البناء في لبنان. وهذا الأخير أكبر عدو لحماية الأبنية التراثية. فهناك صعوبة في اقناع مالكي الأبنية التراثية، الذين باتوا يعرفون جيدا قيمة الملكية التي بحوزتهم، بحماية بيت قديم، في ظل السوق العقاري الحالي وأسعار العقارات المرتفعة. لذا لا حل للحفاظ على الأبنية التراثية إلا في إقرار القانون الذي تم وضعه خلال عهد الوزير روني عريجي. فالقانون الوحيد الذي يحمي المباني في لبنان أقدم من المباني نفسها، ويعود إلى حقبة الانتداب الفرنسي. وحينها لم تكن قيمة العقارات في المدينة مرتفعة، وكان مفهوم التراث ضيقاً جداً.

لا مشكلة في القانون
أما خوري فاعتبر أن لا مشكلة في القوانين لحماية الأبنية التراثية، رغم أن القانون يعود للعام 1933. فالأخير معطوفاً على القوانين 35 و38 للعام 2008، يستطيع حماية البيوت التراثية من خلال إمكانية ضمها ووضعها على لائحة الجرد الخاصة بالأبنية التراثية. لكن المشكلة تكمن أن الدولة عندما تريد حماية بناء ما وتمنع أصحابه من الاستثمار، يترتب عليها دفع تعويضات ضخمة. لذا عملت الوزارة طوال عشرين عاماً على وضع قانون جديد، أخذت فيه برأي هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل ورأي وزارة الداخلية ومجلس شورى الدولة والتنظيم المدني، ووافق عليه مجلس الوزراء بمرسوم 1936 للعام 2017، وتم رفعه إلى لجان مشتركة في المجلس النيابي، لكنه ما زال ينتظر الإحالة إلى الهيئة العامة تمهيدا لإقراره.

واعتبر خوري أن هذا القانون سيجعل الوزارة قادرة على حماية الأبنية التراثية من خلال عدم تكبّد تكاليف كبيرة للتعويض على المالكين. إذ ينص القانون على مبدأ "نقل عام للاستثمار"، بمعنى في حال وجود مبنى تراثي من ثلاثة طوابق ويحق للمالك الاستثمار بعشرة طوابق، يعوض على المالك عبر نقل حقه بالاستثمار من العقار التراثي لبيعه لعقار آخر يسمح البناء فيه. كما يوجد محفزات للمالكين، مثل الاعفاء من بعض الضرائب وحسم 50 في المئة من رسوم نقل الملكية. إضافة إلى تعديل بند "استرجاع الملكية من أجل الهدم"، التي باتت "استرداد من أجل الترميم". إذ يعمد بعض المالكين إلى طلب استرداد مبنى من مستأجرين قدامى لهدمه بغية التخلص منهم. لذا راعى القانون الجديد هذا الأمر وبات المالك يستطيع طلب استرداد من أجل ترميم المبنى. 

مواقع بيروت بالآلاف
وفق خوري، لائحة الجرد في الوزارة لا تضم أكثر من عشرة في المئة من مجموع الأبنية التراثية في لبنان فقط. لكن بعيداً من العدد الذي يقدر في بيروت بالآلاف، ليس هدف الوزارة حماية البناء كبناء، وإنما المحافظة على النسيج العمراني. فأحياناً يتم الحفاظ على مبنى معين رغم كونه غير مميز، لكنه يشكل جزءاً من النسيج العمراني. أما جبر فلفت إلى دراسة أجراها مع فريق متخصص في مطلع التسعينيات، أظهرت وجود نحو ألف موقع تراثي في بيروت، تم رفع طلب بحماية نصفها، وفق معايير واضحة: الأبنية المتميزة بأهميتها التاريخية والوطنية، التي يمكن إدخالها في لائحة الجرد العام، لما لها من صفة المنفعة العامة، ومجموعات الأبنية التراثية التي تشكل جزءاً من نسيج عمراني. وهنا يقع على عاتق البلديات والتنظيم المدني وضع الدراسة لكيفية تطوير الأحياء القديمة ووضع مخطط توجيهي. لكن المشكلة وفق جبر أن لا تنسيق بين الإدارات ولا إرادة سياسية، لحماية الأبنية التراثية. حتى أن مجلس الوزراء يصدر قراراً بحماية الأبنية التراثية، لكن فعليا لا يوجد شيء على الأرض. وما يقوله المسؤولون مجرد كلام في الهواء.

صحيح أن توقّف السوق العقارية في السنوات الفائتة خفف من تدمير الأبنية التراثية، لكن المطورين العقاريين يستفيدون من شراء الأبنية التراثية بأسعار زهيدة اليوم، في انتظار عودة السوق إلى طبيعته، لاحقاً، وفق جبر، لافتاً إلى أن أصحاب الشركات يشترطون أحيانا على المالكين شراء العقار بعد "تنظيفه"، أي الهدم بشكل استباقي وعدم الدخول في دعاوى مع وزارة الثقافة، وذلك في انتظار ارتفاع سعر العقارات. ويتأسف من أن قانون البناء الذي يسمح بمساحات كبيرة مضر جداً، وجعل سوق العقارات بمثابة مضاربة عقارية أكثر منه تطويراً للمدينة وفق حاجات الناس للسكن. والدولة ليس لديها أي مبادرة، والمطورون العقاريون يتحينون الفرصة ويشترون العقارات تمهيدا للاستثمار فيها مستقبلاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها