آخر تحديث:00:36(بيروت)
الجمعة 05/07/2019
share

"حرم" كنسي ومدني ضد محرقة عيتاني لبيروت

وليد حسين | الجمعة 05/07/2019
شارك المقال :
"حرم" كنسي ومدني ضد محرقة عيتاني لبيروت نجحت المجموعات المدنية بالتأسيس لرأي عام رافض للمحارق (علي علّوش)
نجحت الضغوط المدنية المحذّرة من المحرقة، على مدى السنوات الأربع، في تكريس رأي عام بين سكّان بيروت، رافض لهذه التقنية القاتلة. ولولا عدم وجود هذا الرأي العام في المناطق "المسيحية"، لما كانت الأحزاب قد استلحقت نفسها وضغطت على رئيس البلدية لسحب دفتر الشروط عن جدول أعمال جلسة المجلس البلدي، بحجّة إجراء المزيد من الدرس والتمحيص، وانتظار وضع وزارة البيئة المخطط الاستراتيجي لمعالجة النفايات.

اعتصام وحرم كنسي
تزامناً مع انعقاد جلسة المجلس البلدي لمدينة بيروت، التي كان مقرراً فيها بتّ دفتر شروط انشاء محرقة لمعالجة النفايات، اعتصم مئات الأشخاص بدعوة من ائتلاف إدارة النفايات، أمام مبنى بلدية بيروت يوم الخميس في 4 تموز. ولم يقتصر الحضور على المجموعات المدنية الرافضة لخيار المحارق، بل شارك العشرات من حزب الكتائب اللبنانية، على رأسهم النائبين نديم جميل والياس حنكش، وعشرات المناصرين للنائب جان طالوزيان (كتلة القوات اللبنانية)، وحضور لافت لـ"أعلام" حزب سبعة.

بعد رمي ميتروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس المطران إلياس عودة "الحرم الكنسي" على دخول المحرقة إلى بيروت، عبر وضع فيتو طائفي ومناطقي على مشروع رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني، استلحقت الأحزاب المسيحية نفسها، وأعلنت معارضتها لإقرار دفتر الشروط، بعد أن كانت قد أبدت عن موافقتها على خطة عيتاني لإنشاء محرقة في العاصمة. ورغم أن سهام المطران عودة أصابت عيتاني، بقوله إنهم لا يفكرون إلا بحجم جيوبهم ويضربون عرض الحائط مصلحة وصحّة الناس، إلا أن "حرم" عودة كان جغرافياً، أي رفض إنشاء المحرقة في الكرنتينا، وليس ضد التفكك الحراري كمبدأ. وفي هذا المنحى ذهب راعي أبرشية بيروت للموارنة بولس مطر رافضاً إنشاء المحرقة في بيروت، داعياً للتفتيش عن أماكن وطرق بديلة للتخلص من النفايات.

تشويش "سبعة"
على وقع الهتافات المنددة بالمحرقة اعتصم أكثر من خمسمئة شخص أمام مبنى البلدية، ورفعوا لافتات محذّرة من المحرقة: "صحة أولادنا أغلى من صفقاتكم"، و"لن تسرقوا أعمار أولادنا"، و"لا للمحارق نعم لخطة بيئية مستدامة"، قالها المعتصمون في لافتاتهم، لأعضاء المجلس البلدي المجتمعين على مقربة أمتار من الاعتصام. وطالت اللافتات رئيس البلدية شخصياً، إذ رفع المشاركون لافتات "مش عم تفرز يا عيتاني" ودعوه للاستقالة.

ورغم توحّد المشاركين خلف مطلب أساسي، هو عدم إنشاء المحرقة للتخلص من نفايات العاصمة، إلا أن حزب سبعة استغل هذا الحشد الكبير، في محاولة لإبراز الشقاق بين المجموعات المدنية الداعية. وقد عمد كل فرد من مناصريه إلى رفع أكثر من علم واحد في محاولة لدمغ الاعتصام باللون "البنفسجي". حتى أن بعض المشاركين ذهبوا إلى تشبيه هذا الحزب ببعض الأحزاب اليسارية المجهرية التي تنزل إلى التظاهرات بعشرة عناصر حاملين عشرين علماً للفت الانتباه.
ربما نجح سبعة في لفت أنظار الوسائل الإعلامية، إلا أن حضوره سبب امتعاض الحاضرين، خصوصاً أنه عمد من خلال مكبرات صوت استقدمها للتشويش على المتحدثين أثناء إلقاء الكلمات، وحاول افتعال صدام مع القوى الأمنية لفضّ الاعتصام بالقوة وعدم استكمال النواب الحاضرين كلماتهم المنددة بالمحرقة، خصوصاً عندما كانت النائبة "البنفسجية" سابقاً، بولا يعقوبيان، تلقي كلمتها.

لكن وبينما كان النواب المشاركين يعلنون وقوفهم ضد المحرقة، شاكرين أعضاء المجلس البلدي الذين وقفوا ضد إقرار دفتر الشروط، وفي حين كانت كلمة ائتلاف إدارة النفايات تركز على النواحي التقنية والعلمية المحذّرة من سموم المحرقة، ومخاطر معالجة النفايات بتقنيات التفكك الحراري، وتقوم بتفنيد مخطط رئيس البلدية بالأمثلة العالمية والعلمية لمعالجة النفايات، كانت مكبرات صوت "سبعة" ترفع خطاباً شعبوياً معتاداً عن الصفقات والفساد والسرقة، وذلك ربما بسبب افتقاد الحزب إلى خطاب بيئي علمي يتوجّه به إلى اللبنانيين.

الضغوط المدنية
على عكس الخطب الشعبوية، التي يعتمدها متسلقو السياسة، نجحت المجموعات المدنية بالتأسيس لرأي عام رافض للمحارق. حتى أن بعض أعضاء المجلس البلدي باتوا يرفضون المحارق بعد الضغوط التي مارسها المجتمع المدني، وبعد جلسات الحوار التي عقدت معهم لشرح مخاطر التفكك الحراري. فوفق عضوة المجلس البلدي هدى قصقص، في حديث إلى "المدن"، تفتحت عيون الكثير من الأعضاء على حجم المشكلة التي قد تتسبب بها المحرقة، بعد وقوفهم سابقاً إلى جانب استراتيجية رئيس البلدية عيتاني، الذي نجح في اقناعهم بأن خيار المحرقة جيد، انطلاقاً من كونه مهندس وعلى بيّنة من جميع الأمور. أما اليوم فقد بات العديد من الأعضاء مقتنعين بضرورة العمل على استراتيجية صحيحة، تنطلق من الاستراتيجية التي ستضعها وزارة البيئة. فالسلطات المحلية التي ستتسلم معالجة النفايات وفق مبدأ اللامركزية، عليها أن تضع استراتيجيات متوافقة مع تلك التي ستصدر عن وزارة البيئة، وبات المجلس البلدي ملزماً بهذا الخيار. لذا تعتقد قصقص أن الضغط الكبير الذي مارسه المجتمع المدني، ووقوف أكثر من سبعة أعضاء ضد المحرقة، صعّب المهمة أمام عيتاني وبات ملزماً بالبحث عن بديل.

الكتائب ضد الحرق
من بين الأحزاب السياسية الممثلة في المجلس البلدي كان حزب الكتائب، منذ البداية، الحزب الوحيد الذي وقف ضد انشاء المحارق لمعالجة أزمة النفايات. حتى أن الحزب رفض إقرار تقنية التفكك الحراري التي أقرت في المجلس النيابي. ووفق النائب الياس حنكش، لا يثق الكتائب بالأحزاب التي طالبت بتأجيل إقرار دفتر الشروط في المجلس البلدي، فممثلوها يبدلون مواقفهم حسب تغيّر الظروف والأجندات السياسية في البلد.
وعن رفض الكتائب لتقنيات التفكك الحراري، شدّد حنكش على أن النقاش ليس تقنياً وحسب، بل يرفض الحزب بشكل مبدئي محاصرة بيروت بالمطامر والمحارق، خصوصاً أنها تأوي أكثر من نصف الشعب اللبناني.

تنطلق الكتائب في معركتها ضد المحارق من موقف جميع الناس الرافضين لهذه التقنيات لعدم وجود ثقة بالسلطة السياسية في كيفية إدارة الملف. فقد برهنت السلطة عن عدم القدرة على إدارة كل الملفات في البلد. وبالتالي، لا يؤتمن عليها بإدارة هذا الملف لتخفيف سموم ومخاطر المحرقة ووضع الفلاتر المناسبة لها، بمعزل عن النقاش التقني حول المحارق من الأساس.
وأضاف، أنه عندما طالب الكتائب بخطط بديلة لمعالجة النفايات عبر الفرز من المصدر منذ أربع سنوات، توالت وعود السلطة بإنشاء مطامر صحّية بموازاة مطمر برج حمود لتخفيف الضغط عنه. ووعدوا بالعمل على تحفيز البلديات للفرز من المصدر وتهيئة مراكز معالجة النفايات في المناطق. لكن جميع الوعود ذهبت أدراج الرياح، ولم تنفّذ السلطة أي وعد منها، وهذا سبب كافٍ لسحب الثقة منها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها