آخر تحديث:03:25(بيروت)
الأربعاء 24/07/2019
share

هل حان وقت تحرير الفلسطينيين من مخيماتهم؟

يوسف بزي | الأربعاء 24/07/2019
شارك المقال :
هل حان وقت تحرير الفلسطينيين من مخيماتهم؟ يفترش الشبان والأطفال مداخل المخيم ليلاً ونهاراً (تصوير: ابراهيم السعدي، مدير مركز فُتُوَّة الأقصى)

فيما شمس تموز تشعل هواء صيدا البحري، وتجعل الباعة الجوالين يحتمون بظلال أشجار الشارع، كانت أيضاً تضيء هذا الجسم الأصم والمتعالي بعريه الخالي من أي لون سوى رماديته الباهتة. وفي هذا اللهيب اللافح، لم أستطع محو الفكرة من رأسي، رغم اعتباطيتها السياسية وحرجها الأخلاقي: هذا البرج الباطوني العسكري المتصل بالجدار المشيّد حول مخيم عين الحلوة، يشبه هندسة وتصميماً ووظيفة ذلك الموجود هناك بكثرة في فلسطين، ويحيط بالفلسطينيين في بلادهم أو ما تبقى منها.

جدلية الخوف
المشهد "الشرق أوسطي" هذا، كنت قد رأيته ذات مرة في بغداد أيضاً، حين كان أهل المدينة يتذابحون. رأيته عند أطراف غزة عام 2009. وحيثما تكون تلك المنشآت الباطونية الصلدة تكون حرب أو حفلات عنف أعمى. وبتنا طوال العقود الماضية ندرك أن العلاقة القائمة على تشييد الجدران والأبراج العسكرية لا تؤسس أمناً ولا توفر حياة. بل عداوة وكراهية ومشاعر قهر وتمرد. لا تفعل الحواجز والجدران والأبراج سوى تنصيب عمران الريبة والخوف والغربة والعزل.. وكل ما يؤدي إلى مشهد "الغيتو" المحاصر الذي لا يلبث أن ينتفض ولو يأساً.

رغم انتفاء أي سلوك أو حتى إيماء عدائي بين الجنود اللبنانيين وسكان مخيم عين الحلوة، إلا أن الاستحكامات العسكرية والحواجز تجعل المخيم هكذا، عبارة عن سجن مموه ببعض السعة وبحرية حركة نسبية، تحت مراقبة دائمة.

هو الخوف من الفلسطينيين ويقال أنه خوف على الفلسطينيين. هو خوف الفلسطينيين من اللبنانيين ويقولون أنه خوف اللبنانيين منهم. جدلية الخوف هذه سرعان ما تتكفل التفاهة السياسية في تحويلها حفلة تكاذب ولغة خشبية تتقنها "الفصائل" الفلسطينية و"الأحزاب" اللبنانية، على السواء.

من الصفورية إلى حطين
15 متراً ما بين حاجز الجيش وحاجز "فتح". مدخل عين الحلوة السقيم والقذر والممتلئ ببقايا الإطارات المترمدة وقد استنقعت مياه سوداء من أثر حرائق الأيام الماضية. رجل مسلح من "فتح" رث الثياب والوجه وقد جعله الحرّ الصيفي كتلة كسولة متعرقة، يجلس على بقايا كرسي، فيما إلى جانبه مراهق مسلح لا يتجاوز 15 عاماً، مزهو بالكلاشينكوف، يعيدني بالذاكرة إلى حقبة السبعينات والثمانينات، حين كان السلاح نمط حياة. إذاً، ما زالت التنظيمات الفلسطينية على منوالها المأسوي في تحويل الفتية إلى مسلحين متبطلين تنيط بهم ديمومة "العاصفة".

يبدأ المخيم من هذه الأمتار المربعة التي تضم حاجز الجيش وبرجه الضخم ومدرسة الأونروا الجديدة والمسجد الذي يطل على الطريق العام، ثم تلك الغرفة المزينة بصورة محمود عباس وأبو جهاد. هناك سيلاقينا زميل صحافي فلسطيني من سكان المخيم، راح يمشي بنا في الأزقة دالاً على تقسيمها الأهلي، الصفورية وحطين وخط السكة.. أو على تقسيمها التنظيمي: محور كذا ومحور كذا.. وهي مسافات تقاس بأقل من خمسة أمتار أو ببيت واحد فاصل، أو مجرد دكان يتحول حدوداً بين جماعة وأخرى. هنا جماعة فتح وهنا حماس وهناك جمعية المشاريع (الأحباش)! ومنطقة "اللينو" (من مؤيدي محمد دحلان)! والمجموعات الإسلامية من غير تحديد، لكثرة أسمائها وغموض أنسابها.. ليبدو المخيم أقرب إلى جحور متنابذة وحارات محشورة بالعداوات والثارات والمجموعات والخلايا التي كلها "تناضل" و"تجاهد" وترابط على هذا الكيلومتر المربع المخنوق ببشره وفقره واكتظاظ عمرانه البائس. وكأنه مجمع لما لا عد له من تلك التنظيمات والعصب والزمر. راح زميلنا يدلنا: هنا اغتيال فلان، وهنا عبوة انفجرت بفلان أو بدكان، وهنا اندلعت معركة كذا.. جغرافيا من رصاص ودم، وذاكرة معبأة بالعنف.

سبعة أجيال
كأنما المخيم رحم هائل يتناسل منه هذا الشقاء السياسي والبؤس الاجتماعي الذي منه تتناسل تلك الشلل التي ستقارع الامبريالية وتغيّر العالم وتجدد أمجاد الفتوحات وتحرر فلسطين..إلخ، وهي لا تفعل سوى تجديد المأساة، أو تحويل "السياسة" إلى تدبير يومي لبقاء المخيم مخيماً، أي كما هو شاهداً أبدياً على النكبة. سبعة أجيال تقيم على حال انتظار ما بين الولادة والموت وجريان العالم على انقلاباته وتغيراته، ساهياً عنهم وساهون هم عن الزمن. حال انتظار لا يريد أحد أن يخرجهم منها، ولا هم انتبهوا أن يخرجوا منها وعليها.

في أول دخولنا، كان الفتيان يتحلقون حول شاب بمنتصف عشريناته وقد لاصقه مرافقان مسلحان. بدا قائداً لهذه الزمرة التي راحت، بعد نفاد الإطارات المطاطية من المخيم وجواره، تجمع خردة من الخشب وبقايا أثاث منزلي وتجرها بعربة إلى ما بين الحاجزين اللبناني والفلسطيني تمهيداً لإشعالها ببداية الاعتصام المسائي الذي توافدت إليه أيضاً النسوة والفتيات حاملات علم فلسطين.

راحت طفلة لا تتجاوز عمر السادسة، تركض وقد مرغت جسمها ووجهها برماد أسود. كانت تضحك مما تفعل، فيما رفاقها الصبيان يرفعون كاميرات هواتفهم ويصورون أنفسهم "سيلفي" والنار تتصاعد خلفهم.

فقط في هذه الأيام بات التجول في أنحاء المخيم سهلاً أو بلا موانع، منذ أن بدأت الاحتجاجات فيه ضد إجراءات وزارة العمل. تناسى أهل المخيم "المحاور" والحزازات الخطرة بين مناطق النفوذ، في سبيل الاحتجاج معاً. ربما هذا ما يفسر لي لماذا شعرت أن أهل المخيم جميعهم خارج منازلهم يتجولون، وشبان الموتوسيكلات الصغيرة كما لو اصابتهم حمى الانطلاق من غير سبب وعلى غير هدى متزاحمين في الأزقة، والأولاد يركضون هنا وهناك يلعبون كرة القدم أينما وجدوا مساحة فارغة..

مع مسؤول "حماس"
نصعد إلى مكتب "حماس". كان "المسؤول" ودوداً، وعندما راح يمارس دوره ويتلو كلاماً بالفصحى على ما يظن أن هكذا يكون التصريح السياسي، أقنعناه أن يدردش معنا، أن يقول ما يخصه هو كواحد من سكان عين الحلوة، كرب أسرة يعيش في هذا البلد. على الفور تتغير الكلمات والمعاني وتتبدد مفردات "التصريح السياسي" ويبدأ القول الحقيقي. ليس عن "صفقة القرن" ولا عن "رفض التوطين" ولا عن "حق العودة".. وبالتأكيد لا عن إجراءات وزارة العمل، بل عن العيش الكريم، عن الحقوق البديهية للبشر بالحرية والكرامة والعدالة، عن تملك شقة، أو شراء كيس اسمنت، عن طبابة وتعليم وقانون مساواة وفرص عمل، وعن خوفه من هجرة أبنائه.

كان واضحاً بالنسبة لمسؤول حماس أن ما يجري من حراك احتجاجي هو "فرصة" ليعبر فلسطينيو لبنان عما يريدون، فرصة ليصرخوا عما هم ساكتون عنه منذ نهاية الحرب اللبنانية: حقوقهم الانسانية والمدنية. برأيه، لم يبق في لبنان إلا نحو 230 ألف فلسطيني. وبظنه أن أكثر من خمسين في المئة منهم يعيشون خارج المخيمات مثلهم مثل اللبنانيين.

والمفارق أن الحمساوي كان يؤكد أن لا مشكلة سياسية لا مع القوات اللبنانية ولا مع غيرها: هناك إجماع فلسطيني أن لا خصومة مع أحد في لبنان، نريد حواراً نفتح فيه كل ملفات شروط عيش الفلسطينيين في لبنان.

الناشطون ورجل الأعمال 
يمكن القول أن شعارات المعتصمين وما يقوله لنا المسؤول الفلسطيني، هو لأول مرة مباشرة للسياسة بمعناها الطبيعي، ومن حاجتها الاجتماعية والاقتصادية ومن طموحات الأفراد بوصفهم "مواطنين" يسعون نحو حياة أفضل. وقد تأكد هذا الانطباع في تلك القاعة التي اجتمع فيها وجهاء ورجال ونشطاء وانتظروا أن يصل رجل الأعمال من آل العكاوي، الذي راح يسهب في شرح مطول ما اختبره بمشاركته الوفود الفلسطينية الرسمية التي جالت على أصحاب السلطة في لبنان، بلغة عملية واضحة، ويطالبهم بتنظيم حراكهم وضبط إيقاعه وتأمين شروط استمراره مع تبديل مشهد حرق الإطارات أو أعمال الشغب بمشهد أكثر سلمية ومدنية. كان الكلام عن أهمية الانتساب إلى الضمان الاجتماعي وعن تفاصيل الرسوم والإجراءات الإدارية لتنظيم العمل والعمالة.. لكن أيضاً عن ممارسات الإجحاف واللامساواة والحرمان الكامنة كلها في تفاصيل تلك القوانين والشروط التمييزية: "ندفع للضمان في الصندوق الذي نستفيد منه فقط.. يريدوننا أن ندفع لصندوق المرض والأمومة، إذا يجب أن نستفيد من هذا الصندوق..". كان ينبههم إلى كواليس السياسة اللبنانية: "الحكومة قد لا تجتمع لمدة طويلة.. علينا أن نعرف كبف نقتصد في طاقتنا لبقاء الحراك". على هذا المثال، كان يتحدث عن "هذا البلد الحبيب لبنان"، لننتبه كم ان الفلسطينيين ليسوا أجانب. إنهم هنا منذ 70 عاماً، وسيبقون إلى زمن غير معلوم. وفي أثناء بقائهم كانوا بمعنى أو بآخر جزءاً عضوياً من حياة لبنان واجتماعه واقتصاده وثقافته وعمرانه، وسيبقون كذلك.

مشهد المخيم وما يجري فيه هو تحول هائل في "السياسة" الفلسطينية في لبنان (على أمل أن لا تنجح سياسات الممانعة والمبايعة معاً في ابتلاعها مرة أخرى). ليس فقط أن يترأس اجتماع رجل أعمال بدلاً من "أبو فلان" أو "القائد علان"، لكن أيضاً في اللغة وفي محتوى الهموم، وتقدم الشأن الاجتماعي الاقتصادي على الخطب والشعارات. هو تحول ميداني أيضاً، طالما أن الشبان والصبايا والنسوة، كانوا يتحدثون معنا عن مشاكلهم الفردية، وعن طموحاتهم الشخصية، ومعاناتهم أن يبقوا هكذا حبيسي هذا المعزل، حبيسي هوية "لاجئ فلسطيني" بكل ما تحمله من دلالات في لبنان.

تلك هي السياسة التي قد تنقذ ذاك المراهق من الكلاشينكوف، قبل أن يموت شاباً في زواريب مخيمه باسم الدعاوى الكبرى، باسم القضية وباسم الدين وباسم الأمة وباسم المقاومة..

هل حان وقت تحرير الفلسطينيين من مخيماتهم، من عار التمييز، كي يكونوا جديرين وقادرين على تحرير وطنهم؟!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني