آخر تحديث:03:25(بيروت)
الأربعاء 24/07/2019
share

"المدن" في مخيم عين الحلوة: مطالب الحراك تجاوزت العمل

أحمد الحاج علي | الأربعاء 24/07/2019
شارك المقال :
"المدن" في مخيم عين الحلوة: مطالب الحراك تجاوزت العمل اجتماع الناشطين ورجال الأعمال داخل مخيم عين الحلوة (المدن)

نُبرز، الزميل يوسف وأنا، بطاقتينا التعريفيتين، أمام الجندي اللبناني عند مدخل مخيم عين الحلوة. بدا هو وزملاؤه مرتاحين، رغم أن المحتجين الفلسطينيين لا يبعدون أكثر من بضعة أمتار عن الحاجز العسكري، والبرج الملاصق لجدار مخيم عين الحلوة. تصدح مكبّرات الصوت بأنشودة ثورية شهيرة "أنا يا أخي آمنت بالشعب المقيّد والمكبّل"، التي صاحبت الثورة الفلسطينية المعاصرة في سنوات انطلاقتها الأولى. حنين لزمن مضى.

مطلب القبر
بقايا الإطارات المشتعلة طيلة الأيام التسعة الماضية، شكّلت ما يشبه تلة، ودخانها حجب الجزء الأكبر من رسم لياسر عرفات وخليل الوزير وأحمد ياسين على جدار المخيم. شاب يجرّ بعض أثاث منزل. لقد نفدت الإطارات. ولم يبق بديل سوى ذلك طعام للنيران المشتعلة. شباب ملتحٍ وآخر حليق اللحية. رجال من كل الأعمار. ونساء ما بين محجبات وحاسرات الرأس. ما إن علموا بأننا إعلاميون، حتى تحلّقوا حولنا. يريدون قول كل شيء، كمن يشعر أن صوته لم يصل بعد. تنوعوا سياسياً، لكن لغتهم تكاد تكون واحدة.

إجازة العمل لا تحتل الجزء الأكبر من حديثهم، رغم أنها السبب المباشر لوجودهم هنا. يشكو شاب من مكوثه على الحاجز لساعات. آخر يشتكي من عدم إدخال مواد الإعمار إلى المخيم. ويقول آخر إن ثمن كيس الإسمنت داخل المخيم يتجاوز 15 دولاراً، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ثمن سعره الأصلي. بينما يحدّث شاب عن منع إدخال الحجارة لبناء قبر، ويسخر قائلاً "يمكن ما بدن إيانا نموت، بحبونا". وحدنا نحن الإعلاميين أضحكتنا العبارة.

قصة يوسف
كان الجدار الذي بدأ بناؤه حول المخيم، قبل حوالى ثلاث سنوات، سبباً رئيسياً للغضب الذي عبّر عنه الشبان. فقد ضاعف من شعورهم بالعزلة، وحرمهم المتنفس الوحيد الذي كانوا يقضون فيه معظم أوقاتهم، إنه منتزه واستراحة رجل الأعمال الفلسطيني المهاجر منصور عزام، ففصل الجدار بين الاستراحة والمخيم. فصل الجدار بين السكان والمحيط، بين الشبان والأمل، وبينهم وبين الترفيه، وللأخيرة أخطارها السلوكية المباشرة.

يوسف يوسف، مهندس الاتصالات، لم يجد عملاً بعد. هنا داخل الحراك، الكثير من خريجي الجامعات العاطلين عن العمل. تحدث يوسف عن مخيم عين الحلوة الذي فتح أبوابه للبنانيين في حرب تموز "لقد أعطيناهم مفاتيح بيوتنا. وتقاسمنا رغيف الخبز. لا نكره اللبنانيين، لكن ليس هكذا يُردّ الجميل". ستتكرر العبارة كثيراً "الجيش مش عدوّنا بس..". لتتلو ذلك قصة عن معاملة خشنة يراها المتحدّث.

يقول يوسف إنه جاء مسرعاً للمخيم يريد إيصال أخته للمستشفى بسبب ولادة طارئة. سار ظاناً أن العنصر الواقف على الحاجز سمح له بالمرور. استوقفه العنصر فجأة، واقتاده إلى غرفة، ومارس ضده الضرب المبرح، بذريعة تجاوز الحاجز. قصص مشابهة يرويها محتجون آخرون، وعبارة تتكرر: "بدنا نعيش بكرامة". لم تعد إعادة النظر بإلزامية إجازة العمل للعامل الفلسطيني مطلباً وحيداً، بل توسعت المطالب لتشمل طرح العلاقات اللبنانية الفلسطينية بكل أزماتها من خلال حوار شامل لا يستثني ملفاً.

منذ العام 1969
يقضي كثير من المحتجين ليله في الطريق، غير آبه برائحة الدواليب، ولا بالقوارض "هذه فرصة ربما لن تتكرر"، كما يقول فتى يشارك بالحراك. وسط ذلك هناك طفلة لم تتجاوز الخامسة من عمرها، لفت رقبتها بكوفية. وغطت وجهها بسواد الفحم، في تقليد لمحتجي الحراك. اليوم جرى تخفيف بعض الإجراءات، وسُمح لبعض العمال بالخروج إلى أعمالهم، وإدخال المواد الغذائية. لكن لم يُتخذ قرار نهائي بعد، بانتظار اجتماع مرتقب لقادة الحراك في قاعة آل شبايطة، فتوجهنا إلى هناك.

في القاعة صورة معلّقة لقرية حطين التي يعود إليها أصل آل شبايطة. تحدّث مطوّلاً رئيس منتدى رجال الأعمال طارق عكاوي بحضور العشرات من قادة الحراك وممثلي أحياء المخيم، الذي يبلغ عدد سكانه حوالى 50 ألفاً. تحدّث عن اللُحمة الفلسطينية، فقاطعه رجل طاعن بالسن "لم نشهد مثلها منذ 23 نيسان 1969"، يومها خرج الفلسطينيون من المخيم، وشاركهم الصيداويون، مسيرة تطالب بحرية العمل الفدائي.

استهل عكاوي حديثه بالتأكيد على الإجماع الفلسطيني على رفض الإجراءات الأخيرة. كان أكثر ميلاً للجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، باعتبارها أكثر تفهماً لمصالح الفلسطينيين من غيرها. بدا براغماتياً، حين قال إن من مصلحة الفلسطيني الانتساب إلى الضمان الاجتماعي، لكنه اشترط أن يستفيد من الصندوق الذي يدفع إليه. "يدفع في صندوق نهاية الخدمة فيستفيد منه. وإذا دفع إلى صندوق الأمومة أو التعويض العائلي يستفيد منه".

دعا إلى التناغم مع القيادة السياسية الفلسطينية، فنال استحسان الحضور "هناك أمور فنية تخصصية. ويجب أن يتناسق العمل الميداني مع السياسي، والأخير يقدّر متى يتم رفع السقف ومتى خفضه. وما يجب أن يُنجز في كل مرحلة". داعياً إلى عدم استناف الطاقة بسرعة "فهناك خشية من جمود حكومي طويل. ومعه يتأخر الخروج من أزمة العمل".

كي لا يستعاد الماضي
كان التركيز على التعبير السلمي الحضاري، وانتقاد لبعض المظاهر "التي قد تأتي بنتائج سلبية مثل إغلاق الطرقات، وحرق الدواليب. ويجب تكثيف اللقاءات الشعبية والندوات، وتفعيل الحضور النسائي". كان هناك إجماع لدى قادة الحراك أنه إذا تم تحقيق مطلب حق العمل فإن ذلك سيفتح المجال للحديث عن حقوق أخرى "لكن تلزمه خطة مفصلة. متى نتحرك وكيف بما لا نؤثر على مصالح الناس".  

الأحاديث عن المصاعب المعيشية، والمطالب الحياتية، لم يحجب تماماً أصواتاً ربطت ما يجري بخطة لاستهداف اللاجئين الفلسطينيين بلبنان، تمهيداً لتهجيرهم، تنفيذاً لصفقة القرن. المسؤول السياسي لحركة حماس في مخيم عين الحلوة، شدد في لقائه مع "المدن"، على أن ما فجّر الحراك هو "الكبت الذي يشعر به الناس نتيجة عوامل أشعرتهم أنهم مستهدفون". منتقداً غياب التعامل الإيجابي مع الفلسطينيين "فالفلسطيني يدفع الضرائب، لكن يلقى بالمقابل إهمالاً كاملاً من الدولة اللبنانية. فتجد المهندس الفلسطيني في المخيم يبيع الخضروات، أو يعمل سائقاً. إنها معاناة فجرت كل هذا الكبت". ويتهم البعض بأنهم لا يريدون مغادرة التاريخ "كمن يرفض أن يحيا اليوم حياة طبيعية".

ونحن نغادر مخيم عين الحلوة، نصادف طفلاً ينادي على صاحبه باسم جلال. اسم شائع هنا، تيمّناً بقائد فلسطيني من المخيم، يُدعى "جلال كعوش"، مات تحت التعذيب قبل 53 عاماً في سجون "المكتب الثاني". الفلسطينيون من خلال اعتذار سفارتهم في لبنان عام 2008، قالوا إن تلك الأحداث وما تلاها، صارت حكايات من التاريخ، تُروى كي لا تُستعاد. والمراجعات المسيحية تحديداً قالت شبيه ذلك. ويرى الكثير من المحتجين في المخيم أن ما يمنع أي التباسات أو إرباكات في العلاقات الفلسطينية اللبنانية هو الحوار الشامل الذي يناقش كل الملفات بعيداً من المجاملات. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها