آخر تحديث:00:51(بيروت)
الثلاثاء 23/07/2019
share

الموسوي شخصيةٌ درامية في لحظاتٍ عابرة

محمد أبي سمرا | الثلاثاء 23/07/2019
شارك المقال :
الموسوي شخصيةٌ درامية في لحظاتٍ عابرة خرق الموسوي ناموس القلعة التي أنشأته وأمدته بالقوة والسلطان (ريشار سمور)

عندما هبَّ السيد نواف الموسوي - النائب في البرلمان اللبناني عن حزب "الجيش السري في خدمة سيدين: إيران الخمينية الحرسية، وسوريا الأسد" (وضاح شرارة، دولة حزب الله)، وحزب "المسيرة الإلهية" و"النصر الإلهي"، و"سادة قافلة الوجود" (من صفاته الحسنى التي أغدقها الحزب إياه على نفسه) - لنجدة ابنته التي طاردها طليقها وروّعها مع شقيقتها وطفليها، انما هبَّ مدفوعاً بقوتين: قوة الأبوة الجياشة في صدره، وقوة "القلعة العقائدية المسلحة" (رشا الاطرش - "المدن") التي ينتمي إليها ويعيش فيها منذ بدايات مسيرتها الدعوية، عندما كان السيد محمد حسين فضل الله، عراب "الحالة الإسلامية"، رائدها وخطيبها في مسجد بئر العبد في ثمانينات القرن العشرين، وكان السيد الموسوي فتىً مبتدئاً بعدُ في مسيرة الهداية الطويلة.

الأبوة المسلحة
فدافع الأبوة لا يكفي وحده ليتجاسر الموسوي ويندفع على رأس مجموعة مسلحة في إغارته على مخفر قوى الأمن الداخلي في الدامور، لولا توافر القوة الثانية لديه. والمجموعة المسلحة التي انطلق على رأسها مدفوعا بأبوته الرؤوم كانت على الأرجح من مرافقيه وأقاربه المحازبين مثله. وهذا لا يقدم عليه غالباً سوى أهل القوة والشوكة والحماية والحظوة العائلية والعشائرية والحزبية في ديارنا اللبنانية، ديار أهل الكيد والضغائن والثارات المتفشية في اجتماعنا وعلاقاتنا اليومية، وتكاد تطغى على تصريف شؤوننا الخاصة والعامة، وتجتاح علاقات جماعاتنا السياسية المتنافرة والمنفلتة من كل قيدٍ ووازعٍ في ممارستها سياسة التكايد والضغينة والثارات القبلية المحدثة.

ونجدة السيد نواف الموسوي ابنته غدير - وهذا اسم يعود شيوعه إلى وقت انقلاب الأسماء واللغة والقيم والعلاقات شعائر ورموزاً وطقوساً مادية قبلية مستحدثة في بيئة "الحالة الإسلامية" الشيعية المولودة من رحم الحرب والدمار والتهجير في ثمانينات القرن الفائت - لا يستنفد الدافع الأبوي الملتهب في صدره تفسيرها وفهمها للخروج بموقف قاطع في شأنها. فليس كل أب تتعرض ابنته إلى ما يشبه ما تعرضت إليه ابنة الموسوي، يخرج إلى الشارع شاهراً سلاحه لنجدتها وتخليصها من مصابها، على الرغم من تكاثر الحوادث التي تشبهها وتماثلها في يومياتنا اللبنانية الراهنة، ومنذ استغرق اجتماعنا في الاهتراء والتحلل. والحوادث هذه لم تكن نادرة في ما يسمى "الزمن الجميل" في الستينات والنصف الأول من السبعينات اللبنانية.

الدراما الأبوية
والحق أن مثل هذه الحوادث في حقيقتها ووقائعها ومسارها، شكلاً ومضموناً، لا تنفك من أحوال البشر الاجتماعية الوضعية، ولا من سيرهم العائلية والفردية الشديدة التركيب والتعقيد في انعقاد عواملها المتعارضة والمتناقضة والمتشابكة على نحو أو مثال درامي، ويحتاج تعقّلُها إلى مساءلتها وتقليبها على وجوه كثيرة، لروايتها ومقاربتها وصولاً إلى الكشف عن دراميتها. وفي هذا المعنى لا ينفك كل فعل انساني أو بشري من الدراما، إلا في حال إفقاره من مادته الوضعية الملتبسة، وتسطيحه، واستعماله استعمالاً ذرائعياً دعوياً أو خطابياً، على نحو ما هبَّ ناشطو حملات الحقوق المدنية والنسوية ودعاتها، إلى مناصرة نواف الموسوي والتضامن مع دوافعه الأبوية المسلحة في نجدته ابنته، مجردين تلك الدوافع من مادتها المعقدة، ومن التصاقه والتصاقها وجودياً ومادياً بنظام العيش في القلعة السرية المغلقة.
وهم في هذا اعتبروا الأبوة، شأن الأمومة والأخوة، أي العلاقات الرحمية، معطىً أزلياً ثابتاً ومتعالياً ومقدّساً، لا يتحول ولا يتخذ أشكالاً ومضامين متباينة، حسب الأزمنة والظروف والأحوال.

فالأبوة ونداؤها، شأن العلاقات الرحمية، لا تنفك من الأهواء والدراما والمأساة، منذ أسطورة قايين وهابيل. وهي ليست رحلة استجمام سياحي، ولا واجباً قدرياً مبرماً لا فكاك منه، ويستلزم إراقة الدماء لإثباته وإحقاقه.

ونواف الموسوي عندما دعاه نداء الأبوة إلى نجدة ابنته، عاش ذلك النداء واستجاب إليه بصفته ابناً للاهوت القلعة العقائدية المسلحة وناسوتها (أي حياتها الدنيوية). وهو وهبها حياته كلها منذ فتوته، فأنشأته إنشاء رسالياً جديداً، وانتدبته نائباً عنها ليمثلها في برلمان تعتبره، مثل السياسة والديمقراطية وشؤون العيش وهمومه الدنيوية، بدعة خالصة. وهي، أي القلعة إياها، استجابت للتمثيل والنيابة والسياسة استجابتها إلى قناع موقت مبتذل، في انتظار ظهور المهدي الذي ينشر العدل الإلهي المطَهِر من البدع الدنيوية كلها.

المكابدة في الخروج الفردي
لكن السيد الموسوي، في استجابته نداء الأبوة، استعمل ما زودته به قلعته المسلحة من قوة مهدوية، وقوة قبلية محدثة وسلطان دنيوي، استعمالاً فردياً وشخصياً. وهذا ما لا تطيقه تلك القلعة السرية التي أنشأت أهلها وتنشئهم على مثال رهط عسكري مدرب على الطاعة العمياء.
وهو مثال نشهده في استعراضات القلعة إياها جيشَها لجمهورها لإذهاله وإبهاره. ونشهده أيضاً في أفلام الفيديو التلفزيونية لذاك الجيش. وفي الحالتين نشهد عروضاً تحاكي، على طريقة الكيتش، أشكال فن التجهيز. وغاية تلك العروض الخلبيّة فصل بشر القلعة عن فرديتهم وعن سيولة الواقع وقلقه وتدافعه، وحملهم على العيش في واقع مادي تجهيزي بديل.

نواف الموسوي أخرجته مكابدتُه مأساةَ ابنته الدنيوية، خروجاً فردياً، وفي لحظة تخلٍ عابرة، من ذلك الواقع المادي التجهيزي البديل، ليقوم بحملته الانتقامية الخاطفة على طليق ابنته في مخفر الدامور. لقد خرق بذلك ناموس القلعة التي أنشأته وأمدته بالقوة والسلطان. وهو بهذا المعني شخصية درامية للحظات عابرة، انتهت بعودته صاغراً تائباً إلى القلعة السرية المقدسة. أما النيابة - القناع، وهي شأن دنيوي تافه في لاهوت قلعته، فاستقال منها أو أُقيل لا فرق، لتكتب إحدى ابنتيه أنها ليست سوى "فتنة". وفي بيان استقالته أعلن ولاءه إلى القلعة الحصينة "حتى الموت، وإلى ما بعد بعد الموت". وهذا نسجاً على منوال سيد "قافلة الوجود" في القلعة، عرابها وخطيبها التلفزيوني، في قوله الشهير عن مدى صواريخه الإيرانية: "إلى حيفا وما بعد بعد حيفا".
وربما كان على الموسوي أن يقول أيضاً: لو كنت على بيّنة من فعلتي الأبوية، لما أقدمت ولا فعلت. وهذا أيضاً نسج على منوال سيد القلعة، عندما قال بعد حرب تموز 2006: لو كنت أعلم أن إسرائيل ستفعل ما فعلته، لما أقدمت على خطف جنود إسرائيليين.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها