آخر تحديث:18:23(بيروت)
الأحد 21/07/2019
share

قانون التحرش الجنسي: هل تنجح الصفدي بتخطي استهزاء النواب؟

فاطمة حيدر | الأحد 21/07/2019
شارك المقال :
قانون التحرش الجنسي: هل تنجح الصفدي بتخطي استهزاء النواب؟ تعتبر الصفدي عدم إقرار قانون حماية المرأة فضيحة (دالاتي ونهرا)

وكأنّ التاريخ يعيد نفسه. الخبر عينه يتكرّر وإن بصيغ وحالات ومواقع وبيئات مختلفة. بدءاً من فضيحة إحدى أهم الشركات العالمية "غوغل" بالتستر على حالات تحرّش جنسي اتّهم بها مسؤولون يشغلون مناصب رفيعة، إلى الأرقام الصادمة التي كشفت عن أنّ واحدة بين ثلاث نساء يتعرّضن للمضايقة الجنسيّة أثناء العمل داخل أروقة الأمم المتحدة. وصولاً إلى القصص المريبة التي روتها موظّفات سابقات في الحكومة الأفغانية حول حدوث تحرش جنسي على أعلى المستويات من قبل الوزراء داخل الحكومة. من دون نسيان واقعة ارتكاب 300 رجل دين في الكنيسة الكاثوليكية "اعتداءات جنسية بحق أطفال" في بنسلفانيا الأميركية، رغم مواقف البابا فرنسيس الصارمة ضد تورّط رجال دين في اعتداءات جنسيّة على راهبات واحتجازهن كعبيد جنس...
سلسلة هذه الظاهرة العالمية تطول وهي إلى تصاعد حيث تسجّل حالات تحرّش جنسي يومياً في كل الأماكن والدول..وبينها لبنان.

التحرش بالأرقام
وفق جدول مكتب مكافحة الإتجار بالأشخاص وحماية الآداب (حصلت "المدن" على نسخة عنه) ثمّة 18 حالة تحرش بقاصر، و11 حالة براشد، منذ بداية العام ولغاية شهر حزيران الماضي. علماً أنّ أرقام العام 2016 تظهر وجود 128 حالة تحرّش (51 قاصراً، و77 راشداً)، وبلغت محاضر التحرّش 157، فيما وصلت أرقام المحاضر في 2015 إلى 351. لكن تبقى الأرقام المخفية، بحسب المختصين، أكبر بكثير!
ولعلّ الحادثة الأخيرة التي تعرّضت لها الإعلامية "ريميال نعمة"، ومن قبلها الممثلة آن-ماري سلامة، سلّطت الضوء مجدّداً على أهمية تشريع قوانين للحد من التحرّش ووضعها قيد التنفيذ. ففي خطوة جريئة، نشرت نعمة "الفيديو" الذي يظهر محاولة متحرش بلباس "شاب ديليفري" الاعتداء عليها أمام بيتها في الحازمية، متخطية خوف العديد من النساء من وصمة العار وإلقاء اللوم عليهنّ!
"لن أنسى ملامحه". هكذا علّقت نعمة على الحادثة. فردّت وزيرة الدولة لشؤون التمكين الإقتصادي للنساء والشباب فيولات خيرالله الصفدي على هذا الفعل المشين بإعلان طال انتظاره، أنها تعمل وفريق عمل متخصّص للدفع باتجاه إقرار قانون التحرش الجنسي معدّلًا، كي يشمل أماكن العمل والأماكن العامة. ويخصّ المرأة بتسهيلات استثنائية لدى تقدّمها بالشكوى، خصوصًا أنّ نعمة، بحسب الوزيرة، لم تتقدّم بشكوى في المخفر خوفًا من تعطيلها عن عملها لساعات قبل أخذ إفادتها بحجّة "طلب النشرة".

تعديلات القانون
في حديث لـ "المدن"، أكّدت الوزيرة الصفدي أنّ القانون المشار إليه هو "أولويّة بالنسبة إليها لتعزيز مكانة وحقوق المرأة". وعن مشروع القانون، كشفت الصفدي عن أن الوزير السابق جان أوغاسبيان كان قد رفعه إلى مجلس الوزراء السابق، ثمّ أحيل إلى مجلس النواب من دون أن تتمّ دراسته من قبل اللجان المعنيّة، لافتة إلى أنّه "سيتم إضافة تعديلات عليه بعد التشاور مع خبراء وقانونيّين، بالتعاون مع مشروع المعرفة قوة - KIP project في الجامعة الأميركية ومنظمات المجتمع المدني". وتكتّمت الوزيرة على التعديلات لأنها غير مكتملة بعد، لافتة إلى أن "التعديل الأهم سيكون بجعل القانون "قاسياً" أي لا يقتصر على معاقبة المتحرّش بتخييره بين دفع غرامة مالية أو السجن، بل على الإثنين معاً. وعليه لن يفلت المتحرّش من السجن بمجرد دفعه كفالة رمزية"، مشدّدة على "أهمية إجراء تدريبات لبعض القضاة حول كيفيّة التعامل مع قضايا التحرش، إذ أنّ تشريع القانون هو نقلة نوعية مهمة، لكن لا بد أن تعقّبه بعض الخطوات الضرورية."
بالعودة إلى قانون أوغاسبيان، وفي بحث بسيط، يتبيّن أنّ المشروع وافق عليه مجلس الوزراء وأحاله إلى مجلس النواب في 8 آذار 2017 كهدية للمرأة في يومها العالمي. وإلى الأسباب والدوافع المعروفة، تركّز بنود مشروع القانون على أهمية تعزيز حصانة الأجير في حال تعرّض للتحرّش، كأن يخضع مرتكب فعل التحرش إلى العقوبات التأديبية مثل الصرف من الخدمة بالإضافة إلى الملاحقة الجزائية والسجن من سنة إلى ثلاث سنوات مع غرامة تتراوح بين عشرة وعشرين مليون ليرة لبنانية.
صرّح أوغاسبيان حينها بأنّ هناك ثغرات تعترض طريق وضع القانون قيد التنفيذ، وقال أنه يعوّل على تبدّل المزاج داخل مجلس النواب لتبني القانون ودفعه نحو سكة الإقرار فالتنفيذ، فهل تبدّل المزاج اليوم؟ هنا تؤكد الصفدي أنّ "هناك فرصة ذهبية لإقراره، وأنّ لقاءها الأخير مع رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان كان إيجابياً. والقانون سيحال إلى الهيئة العامة بعد إتمام دراسته في اللجنة. في هذه المرحلة، سنحتاج إلى حملة إعلامية واسعة لتجييش الرأي العام للضغط لإقراره في أسرع وقت، والأهم مشاركة الضحايا بتجربتهم".

الفضيحة مستمرّة
وعن عدم إقرار قانون حماية المرأة حتى الآن في لبنان، تقول الصفدي إن هذا الأمر يعتبر بمثابة "فضيحة". أما السبب، "فيعود إلى أنّ عدد النساء النواب أصلاً قليل داخل المجلس النيابي، عدا عن أنّه لا يوجد نائب في البرلمان يعتبر أنّ هذا القانون معركته". وتضيف، "لكن يمكن اللعب على عواطف النواب من خلال جعلهم يتخيّلون أن التحرش قد يحصل مع أقرب الناس لديهم". هكذا تدفع الوزيرة النشيطة بقضية التحرّش إلى حدود الاستفادة من أي عامل أو ظرف لجعل القانون يبصر النور، إذ أنّ العامل الشخصي قد يؤثّر في الخيارات حتى لو كانت تتعارض مع التوجّه السياسي، وما حصل مع إبنة النائب نواف الموسوي لناحية المظلومية التي تعرضت لها بسبب قوانين الحضانة خير دليل على ذلك، وهو ما انعكس على والدها إلى حدود استخدام سلطته الأبوية دفاعاً عنها، وتقديم استقالته من مجلس النواب لاحقاً، ما حرّك رأياً عاماً ضاغطاً من حولها تعاطف بشكل كبير مع قضيتها والقضايا المشابهة.
وتتوجه الصفدي إلى المرأة اللبنانية وتقول لها "الحق مش عليكي.. هوي أزعر"، وتنصحها بأن تواجه المتحرّش ولا تخضع لابتزازه "لأنه في العمق شخص جبان ويهاب الفضيحة أكثر منها". وتختم بالقول: "نأمل أن يصبح باستطاعة أي امرأة أن تقول للمتحرش "رح اشتكي عليك"، في القريب العاجل".

استهزاء النواب
في ظل عدم وجود قانون خاص حتى الساعة، كيف تتعامل الأجهزة الأمنية المعنيّة مع قضايا التحرش؟ أشارت مصادر أمنيّة لـ"المدن" إلى أنّ الأجهزة الأمنيّة تتعامل مع كل قضية أو شكوى بحسب ظروفها، لكن في المجمل يتمّ التحرّي في الشكوى المقدمة من قبل الضحية ثم تحال إلى مكتب الاتجار بالأشخاص وحماية الآداب حيث تجري التحقيقات الموسّعة. وفي حال كانت الضحية قاصر، نعتبرها مخالفة قانونية ونحيل القضية إلى محكمة الأحداث ثم إلى النيابة العامة، أما عن المتحرّش بقاصر دون سن الـ15 عاماً فيواجه جرماً عقابه شديد.
"يا  قشطة.. يا عسل.."، وألفاظ أخرى تخرج من أفواه المتحرّشين في الأماكن العامة أو أماكن العمل تحديداً حتى تصل إلى التحرش الجنسي وأحياناً إلى الاغتصاب، لماذا ما زالت ظاهرة التحرّش الجنسي حاضرة ومنتشرة في المجتمع.. بل وتتفاقم؟ تقدّم جمعية "أبعاد" المعنية بقضايا حقوق الإنسان رؤية في الأسباب. وتشير الناشطة في الجمعية عليا عواضة في حديث إلى "المدن"، إلى "أننا نعيش في مجتمع يعتبر أن له الحق في التصرّف بكلّ الأمور التي تخصّ النساء، ومن ضمنها جسدها. المرأة في لبنان هي مواطنة من الدرجة الثانية، ولعل أكبر دليل على ذلك هو أنها لا زالت حتى يومنا ممنوعة من منح الجنسية لأولادها، عدا عن أنّ القوانين لا تنصفها، كما أنّ العادات والتقاليد تعتبر أنّ المرأة شخص ثانوي، وهي كلها أمور تحفز مشاعر الفوقية لدى الرجل، وبالتالي يشعر بالارتياح حين يتحرّش بها لفظياً او جنسياً."
وتلفت عواضة إلى كيفية تناول النواب لهذه القضية، ناقلة عن النائب السابق غسان مخيبر، الذي كان قدّم مشروع قانون عام 2014 لمعاقبة التحرش، قوله حرفياً وقتها إنه "تم الاستهزاء بهذه القوانين من قبل النواب، ولهذا السبب، لا نقاش قانونياً حول معاقبة المتحرّش حتى الآن".

التحرش الالكتروني
ليست الأمور مغلقة إلى حدّ السواد، فهناك بعض الاجتهادات القضائية في ما يخص قضايا مشابهة، ومنها على سبيل المثال التحرش الالكتروني. إذ يقوم مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية بدوره عند تلقيه شكوى بهذا الصدد (وهي كثيرة)، ويوقف هذه الإساءات فوراً. ولفتت عواضة إلى أنّ "عقوبة التحرش ليست موجودة حرفياً في القانون، لكن باستطاعة المرأة استخدام بعض المواد القانونية، منها المادة 507 من قانون العقوبات التي تنصّ على معاقبة من "أكره آخر بالعنف والتهديد على مكابدة أو إجراء فعل مناف للحشمة" بالأشغال الشاقة مدة لا تقل عن أربع سنوات، فيما يكون الحدّ الأدنى للعقوبة ست سنوات اذا كان المعتدى عليه لم يتمّ الخامسة عشرة من عمره".

لوم المرأة
صادم، أن نكون في القرن الـ21، وأن نفاجأ بأن لا قانون يحمي المرأة من التحرّش في لبنان، علماً أن دولاً كمصر والسعودية وغيرهما من الدول أقدمت على هذه الخطوة. ومؤسف أكثر أنّ المرأة (وليس المعتدي) ما زالت تتعرّض للملامة في حال واجهت أي اعتداء، ولعل الصفحة التي أنشئت حديثاً على "فيسبوك" تظهر بأنّ العقول المتخلّفة ما زالت موجودة وتتكاثر، حيث هاجمت الصفحة المرأة بعبارات مسيئة كـ"نظرات المجتمع لن تتغير، إقتصادك في مساحة الثياب هو التحرش"! أو مثلاً "التحرش جريمة يشترك فيها مجرمان.. المرأة هي المحرض والمتحرّش هو المرتكب"! والأسوأ أنّ التدوينات نالت إعجابات "like" وتعليقات مؤازرة.
 
بانتظار ما ستؤول إليه مساعي الوزيرة الصفدي، لا بد من التشديد على أهمية قانون يحمي المرأة حتى لا نغدو وكأننا نعيش في غابة ليس فيها إلا أسود مفترسة ومتحرّشين متجوّلين في الشوارع.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها