آخر تحديث:00:25(بيروت)
السبت 20/07/2019
share

فشل الهجوم "العسكري" على البرلمان فتقاعدوا على تهم الخيانة

وليد حسين | السبت 20/07/2019
شارك المقال :
فشل الهجوم "العسكري" على البرلمان فتقاعدوا على تهم الخيانة حضر العسكريون المتقاعدون بـ"سلاحهم" لكنس النواب من المجلس (مصطفى جمال الدين)
لم يعمد العسكريون المتقاعدون على "كنس الحراميي واللصوص" من مجلس النواب، كما صرخوا خلال يومهم الطويل في ساحة الشهداء، خلال تصويت المجلس النيابي على الموازنة العامة. وانتهى يومهم بانقسام وخلاف بين بعضهم البعض، وبين الضباط الذين يأتمرون لهم. وبعد أن كالوا الشتائم للحكومة ولمجلس النواب، الذي كان يصوّت على موازنة "العار"، كما قالوا، تبادلوا الشتائم وتهم "الخيانة" والتآمر على حقوقهم، من "أهل بيتهم".

كنس اللصوص
منذ الساعة الواحدة بعد الظهر، بدأ العسكريون بالتجمّع في ساحة الشهداء آتين من جميع المناطق اللبنانية، متسلحين بـ"المكانس" والعصيّ وما ملكت أيديهم من عدة، تحضيراً ليومهم "المجيد": اقتحام مجلس النواب وطرد اللصوص وسارقي مال الشعب منه. ولم يعدموا وسيلة إعلامية ولا تجمعات العسكريين، الصغيرة والكبيرة منها، إلا وصرخوا فيها إنهم سيطردون "الزعران" من المجلس، وسيخلّصون الشعب اللبناني من "السلطة الفاسدة"، التي تريد سرقة تعبهم.

"اليوم، يوم الحسم يا شباب، بدنا نلمّن (أي النواب) متل الزبالة"، يصرخ أحدهم. متقاعد آخر حمل المكنسة وراح يتفاخر بين زملائه: "بدنا نكنّسن للزعران لي جوّا اليوم". كانت فورة الغضب بادية وواضحة في صفوف جميع العسكريين. ودلّت أحاديثهم أنهم لن يشفوا غليلهم إلا إذا اقتحموا مجلس النواب وطردوا ساكنيه. ما استدعى من بعض الضباط تهدئة نفسوهم راجين منهم عدم المحاولة، وعدم التصادم مع فرق فوج التدخل في الجيش اللبناني، التي حضرت ووقفت سداً منيعاً بينهم وبين مكافحة الشغب التابعة لقوى الأمن الداخلي.

"مصاصو الدماء"
حضر النائب جان طالوزيان ووعدهم بعدم التصويت على الموازنة، لاعناً السلطة بعدم تأمين تمويل الموازنة من وقف السرقات والهدر والفساد.. ما أن أنهى النائب كلمته، حتى بدأ أحد الضباط بمخاطبة العسكريين، شاتماً الدولة والمسؤولين اللصوص ومصاصي الدماء، مناشداً قائد الجيش حضور جلسة مجلس النواب. فالعسكر لا يثق إلّا به، أما البقية فهم حرامية ولصوص، كما قال.
في المقلب الآخر كان أحد الضباط يصرخ بالعسكريين المتقاعدين راجياً منهم عدم محاولة الدخول إلى المجلس. لقد تلقينا وعداً من بعض الكتل النيابية والنواب بأنهم لن يصوّتوا على البنود التي تطال العسكريين، قال. يصرخ العسكريون المتجمعون حوله: "كلن حراميي ما منوثق فيهم". يحاول القول إن هذا غير صحيح، فليس كل النواب كما تعتقدون، فيعاود العسكريون ترديد "كلن حراميي".

محاولة اقتحام المجلس


بينما كان هذا الضابط يحاول ثني العسكريين عن اقتحام المجلس أمام مبنى "النهار"، عمد بعض العسكريين على تخطي الأسلاك الشائكة في الطريق المؤدي إلى ساحة النجمة، من ناحية العازارية. محاولة فاشلة عملت أفواج التدخل على منعها.
تنتهي الجلبة فيصرخ أحد الضباط: "خلينا نروح نفتش عا طريق تاني يا شباب". لم يكذّب العسكريون خبراً، وبحثوا عن منفذ آخر، وعملوا على تسوية الأسلاك الشائكة بالأرض وتخطوا فرق مكافحة الشغب. وبعد تصادم قصير معها، وصلوا إلى الحاجز الرئيسي المؤدي إلى ساحة النجمة. وكان بإمكانهم الوصول إليها وبالتالي مجلس النواب، لكن بدا أن لا قرار متّخذاً بهذا الشأن. فعادت أفواج التدخل ووقفت بينهم وبين مكافحة الشغب.
وبعد تدافع لم يدم طويلاً أتت الأوامر بالانسحاب والتجمع من جديد أمام مبنى "النهار". فبدأ بعض العسكريين الآفلين إلى ساحة الشهداء بكيل الاتهامات لبعض الضباط، معتبرين أنهم منعوهم من الدخول إلى المجلس، الذي كان على مقربة أمتار منهم.

خيانة وتآمر
"نحنا هون مش تا نحكي سياسة، بدنا نطرد اللصوص" صاح أحدهم. وراح مكبّر الصوت يجول بين أيدي العسكريين وبدأوا يعبرون بواسطته عن غضبهم، فكالوا بحق السلطة أقذع العبارات. ليتبيّن أنّ بعض الضباط كانوا مصرّين على معاودة الكرة واقتحام المجلس، بينما ضباط آخرون كانوا داخل المجلس يتفاوضون مع النواب لإيجاد "تخريجة" لفكّ "الحصار" ودعوة العسكريين إلى التهدئة والانسحاب عائدين إلى منازلهم.

ضاع العسكريون ولم يعودوا يعرفون ماذا يفعلون. وماذا بعد؟ سأل أحدهم. ننتظر اتصالاً من داخل المجلس لنقرّر الخطوات اللاحقة، أجابه آخر. وما هي إلّا دقائق حتى حضر الضابطان سامي رماح وجورج نادر ليعلنوا للعسكريين إنّ "النواب الضباط" توصّلوا إلى اتفاق يقضي بتصويت المجلس على البنود التي أقرّت في لجنة المال والموازنة، وليس كما جاءت من الحكومة. أي اقتطاع ضريبة 1.5 بالمئة على الطبابة عوضاً عن الـ3 بالمئة، وفرض ضريبة دخل تصاعدية على الرواتب التي تفوق العشرين مليون ليرة فقط، مع استثناء أهالي الشهداء والمعوقين من أي ضريبة. لكن العسكريين راحوا يصرخون رافضين هذا الأمر. وبينما انبرى أحد العمداء بكيل الشتائم بحق رماح ونادر، معتبراً أنهما خائنان ومتآمران مع السلطة، راح العميد مارون خريش والعميد علي عمر يلعنان التسوية التي حصلت على حساب العسكريين. واعتبرا أن هذه التسوية ستقضي على حقوق العسكريين، خصوصاً أنها أتت بعد تسوية مثيلة قضت بتجزئة سلسلة الرتب والرواتب لثلاث سنوات. ورفضا المساومة على حقوقهم، فصرخ الرماح لافتاً إلى أن في الأمر مزايدة، ودعاهم إلى اقتحام المجلس في حال رغبا.

ثكنة عسكرية
في الشارع الممتد من رياض الصلح، مروراً بجامع الأمين، ووصولاً إلى مبنى "النهار" بدا وسط العاصمة أشبه بثكنة عسكرية: أسلاك شائكة، وحافلات عسكرية، وأفواج التدخل، وفرق مكافحة الشغب، ومخابرات الجيش، والكثير الكثير من العسس والمخبرين.

المتطفّلون

وبينما كان العسكريون المتقاعدون يجولون ذهاباً وإياباً لمعرفة مصيرهم، حاول بعض الشبّان المدنيين المتحمسين، من يساريين وبعض المنتمين إلى حزب سبعة، التطفل لاقتحام المجلس. لكن عناصر فوج التدخل انهالوا عليهم بالضرب، فتبرأ العسكريون المتقاعدون منهم، ولم يكتفوا بدعوة زملائهم للابتعاد عنهم، بل عمل بعضهم على مساعدة الجيش في ضربهم.
وإذ صرخ بعض المدنيين بأنهم أتوا للدفاع عن حقوق المواطنين وحقوق العسكريين، لم يكترث المتقاعدون لهم: "ما خصّنا فيهم... عسكر لهون... تركوا المدنيين لوحدن"، صرخة أطلقها أكثر من متقاعد. لينتهي نهار العسكريين بانقسام فيما بينهم، وبنزع الخيم التي نصبوها في ساحة الشهداء. وبقي "اللصوص" يناقشون الموازنة ويصوتون عليها داخل المجلس، وضاعت المكنسة وحقوق الجميع، مدنيين وعسكريين.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها