آخر تحديث:00:15(بيروت)
الأحد 14/07/2019
share

مافيا المناصب الإدارية في غرف النوم منذ الخمسينات

محمد أبي سمرا | الأحد 14/07/2019
شارك المقال :
مافيا المناصب الإدارية في غرف النوم منذ الخمسينات بيروت في الخمسينات (Getty)

حضر المفتش العام في وزارة التربية الوطنية، أنطون خالد الفغالي، في موكب سيارات إلى منزل الياس الصوري في المريجة (قبضاي متنفذ في شبكة أزلام الزعيم هنري بك فرعون في الخمسينات)، لاصطحاب إبنه الفتى (الراوي)، المختبئ في منزل حاميه الصوري، بعدما أطلق من مسدسه رصاصات كادت تودي بالفتى ميشال شرابية، نزيل مستشفى أوتيل ديو في بيروت (عطفًا على "قتلى فبضايات هنري فرعون").

مجلس المدعي العام
توجه الموكب إلى منزل صديق المفتش التربوي العام، المدعي العام في جبل لبنان، القاضي بطرس بيك نجيم، الذي كان منزله قرب كنيسة السريان في الخندق العميق. كان الموكب مؤلفًا من سيارتين: سيارة الياس الصوري، الكرايزلر التي اشتراها جديدة من الشركة، موديل ذلك العام (1950). والسيارة الرسمية أو الحكومية المخصصة للمفتش العام في وزارة التربية، مع سائقها، الموظف الرسمي، المدعو حليم طانيوس عون، الذي كان يلبس الزي العربي التقليدي. وكانت السيارة من نوع دوزوطو، موديل العام 1947.

في غرفة نومه بمنزله الواسع الكبير، استقبل المدعي العام نجيم زائريه، لأنه كان متوعكًا. كان عنده في الغرفة آمر فصيلة درك بعبدا، الضابط سامي الحشيمي (بقيادته طوّقت في ذلك الصباح قوة من رجال الدرك، منزل الصوري، تم انصرفت بعد وقت قليل)، فغصّت الغرفة بجمع من الرجال. فمن ضيعته، المريجة، اصطحب المفتش العام في سيارته، ثلاثة من معارفه المسموعي الكلمة، هم يوسف أبو زيد وفيكتور الطويل وجان ضو. وهذا ما تقتضيه أعراف طلب الخدمات الخاصة من كبار موظفي الدولة ومناصبها: اصطحاب طالب الخدمة إلى مكتب الموظف الكبير أو منزله وفداً يُظهِر مكانته ووزنه بين أهله وفي دياره، التي يتكاتف أهلها لنجدة من يقع منهم في مصيبة، فكيف إذا كان الواقع فيها رجل له فضائل عليهم وعلى أولادهم، الذين علّم أجيالًا منهم في المدارس الرسمية التي أسسها وأدارها في قرى الساحل في ثلاثينات القرن العشرين؟

ما أن رأى المدعي العام نجيم ابن المفتش العام، يدخل الغرفة، إلى جانب والده وصحبه، حتى بادره قائلا: شنصك (حظك) كبير، لأنك ابن أنطون خالد الفغالي، ثم التفت إلى الأب وقال له: لَيْكْ (انتبه) يا أستاذ أنطون، الصديق لوقت الضيق، وخليل (أي إبنه الجاني قبل ساعات) إبني، مش إبنك. أما حين سأله المفتش العام والد الجاني: ألا تريد يا أستاذ بطرس أن أشرح لك القضية؟ فجاوبه المدعي العام: ما بتقدر تشرحلي شي عن إبني.

مسدس غرفة النوم
طوال الطريق من المريجة إلى الخندق الغميق، كان مسدّس "السمث إندوسن" الذي أطلق منه الراوي رصاصاته الصباحية الثلاث، لا يزال معه ملقّمًا (متهيئًا لإطلاق النار): طلقة في بيت النار، ومدسوسًا تحت ثيابه على خصره أثناء الجلسة في غرفة نوم المدعي العام، الذي قال للجاني أن يذهب مع الضابط سامي أفندي الحشيمي إلى مقر النيابة العامة في بعبدا، فتمنّع قائلًا: إذا بدكن تطلعوني مكلبج (مكبلًا) في سيارة الدرك العسكرية، لن أذهب، فكان له ما أراد. خبير السيارات المدعو مرسيل شكري، كان جالسًا في غرفة نوم المدعي العام أيضًا، وهو صديقه وجاء لطلب خدمة قضائية، فقال إنه سيصطحب ابن الأستاذ أنطون في سيارته.

حين خرج الجاني وخبير السيارات إلى الشارع، قال الضابط الحشيمي للدركي سائق سيارة الجيب العسكرية، أن يقود الجيب به ويسير أمام سيارة الخبير الأولدزموبيل الفخمة التي ركب الجاني فيها، وقادها سائق صاحبها. لكن ما أن وصلت السيارة إلى مخفر فرن الشباك القديم، حتى ركب الحشيمي إلى جانب الجاني على المقعد الخلفي في السيارة، مع دركي من المخفر يحمل بندقيته الحربية الأميرية، وتوجهت السيارة بهم إلى سرايا بعبدا. لما وصلوا إلى مقر الحرس على مدخل السرايا، سأل الحشيمي الجاني عن المسدس الذي أطلق النار منه، فقال له إنه رماه صباحًا في رباعات الصبار في حديقة منزله، قبل فراره. لكن حين طلب منه أن يحدّد مكانه تمامًا، كي يذهب رجال الدرك لإحضاره، تناول الشاب المسدس من تحت ثيابه وقدمه للحشيمي الذي انتابه الغضب، وصرخ قائلًا: دخلتَ إلى غرفة نوم المدعي العام، وأتينا بك من بيته إلى هنا، والمسدس معك؟! فقال الجاني: مع ذخيرته أيضًا، ثم ناوله المسدس مع الذخيرة، فأخذها الحشيمي، وأمر رجال الدرك بأن يُدخلوا الجاني إلى النظارة، أي سجن السرايا في بعبدا.

حرب أهلية إدارية
ميشال شرابية الذي أصابه الجاني برصاصاته الثلاث، واخترقت إحداها رئتيه وسبّبت له نزيفًا داخليًا حادًا، كان لا يزال في مستشفى أوتيل ديو، وأُجريت له عمليات جراحية صعبة، على حساب وزارة الصحة العامة، بايعاز من وزيرها الدكتور الياس الخوري، صديق المفتش العام. أما زوجته، أم الجاني، فكانت تنوح في بيتها، لأن زوجها منعها، وامتنع هو أيضا، عن زيارة ابنهما في السجن. لكن الأب داوم على إرسال الثياب لابنه مع سائق سيارته الرسمية، فيما تكفلت شقيقته بإرسال طعام بيتي ساخن كل يوم إلى ابن أخيها في السجن. وكان زوجها، أمين الصندوق في سرايا بعبدا الحكومي، هو من ينقل الطعام الساخن. أما المدعي العام في جبل لبنان، بطرس نجيم، فانصرف للعمل على إسقاط الدعوى القضائية عن الجاني عبر "لفلفة" جريمته، وصولًا إلى إخراجه من السجن الشكلي. صب المدعي العام جهوده على إقناع ذوي المجني عليه، بإسقاط الدعوى القضائية. لكن الراهبة التي ترعى شؤون المجني عليه شرابية (وهي مكثت قرب سريره في المستشفى كأم له، بعدما أشرفت على تربيته وتنشئته طفلا وفتىً في ميتم للراهبات اللعازريات في القاهرة، قبل أن تصطحبه معها إلى بيروت)، رفضت إسقاط الدعوى، مستقوية بنفوذ ابن أختها المدعو ابراهيم سابا، رئيس جهاز التفتيش المركزي آنذاك. لذا ذهب المدعي العام نجيم ومعه والد الجاني إلى المستشفى، فهدّد الراهبة وأرغمها على إسقاط الدعوى وحمل وثيقة إسقاطها إلى سرايا بعبدا، لاستصدار مذكرة إخلاء سبيل الجاني. لكن المذكرة كانت تحتاج إلى موافقة مستنطق المحكمة المدعو وفيق الحسامي، وتوقيعه، لتصير نافذة. تمنّع الحسامي (كان من أتباع هنري فرعون)، عن توقيع المذكرة، بايعاز من قبضاي فرعون إياه، الياس الصوري الذي كان يرغب في أن يكون خلاص والد الجاني من محنته على يد سيده وولي أمره في شبكة قبضاياته، هنري فرعون نفسه، لا على يد المدعي العام بطرس نجيم، الذي لم يكن يوالي فرعون. كانت رغبة الصوري هذه تنطوي على أن يصير المفتش العام ممتنًا لفرعون ومن أتباعه ومحاسيبه. وهذا ما حمله على عرقلة معاملة إخلاء سبيل الجاني مستعملا نفوذه لدى المستنطق وفيق الحسامي المحسوب على فرعون. لذا استنجد المفتش العام بنفوذ صديق آخر له، هو قاضي الإحالة، زاهد حيدر، الذي كان فضّ الخلافات في مثل هذه الأمور من مهماته. حُوكم الجاني صوريًا على يد القاضي المدعو كمال سمعان الذي حكم بسجنه شهرا ونصف الشهر مع وقف التنفيذ، فأُطلق سراحه من سجن سرايا بعبدا الحكومي، بعد أيام على جريمته.
(يتبع حلقة ثالثة وأخيرة)


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها