آخر تحديث:23:58(بيروت)
الجمعة 07/06/2019
share

جريمتان ومصالحة طائفية مطلع القرن العشرين (2 من 2)

محمد أبي سمرا | الجمعة 07/06/2019
شارك المقال :
جريمتان ومصالحة طائفية مطلع القرن العشرين (2 من 2) صورة لعملية إعدام مزدوجة بمنتصف التسعينات (Getty)
تابع خليل خالد الفغالي روايته عن جريمة فيلا الغاردينيا في الحازمية وتحقيقاتها في مطلع خمسينات القرن العشرين (عطفًا على ما رواه عن الجريمة إياها وتعذيب إدوار موقدية، زوج القتيلة جوسلين بيجار، واعترافه تحت التعذيب بأنه هو من قتلها، "المدن" 7 حزيران 2019).

أثناء توقيفه وسجنه تمهيدًا لمحاكمته، بناءً على اعترافه، أصيب أهل إدوار بما يشبه هستيريا، حملت والده رفول موقدية صاحب فندق النورماندي وملهى الكيت كات في الزيتونة ببيروت، على التدخل لدى معارفه من رجال السياسية وكبار الموظفين في السلكين الأمني والقضائي، لمساعدته في جلاء حقيقة ما حصل لابنه، وملابسات الجريمة واعترافه بقتل زوجته، فأدت تدخلاته إلى نقل ملف الجريمة من محكمة جنايات بيروت إلى محكمة بعبدا في جبل لبنان، بحجة أن حادثة القتل حصلت في الحازمية. وهكذا انتقل الملف إلى مدعي عام جبل لبنان، فكلف مدير عام الأمن العام الأمير فريد شهاب التوسع في التحقيق. بدوره كلف شهاب مفوض الأمن العام حسين نصر الله إجراء تحرياته في ملابسات الجريمة واعترافات الزوج إدوار موقدية. نصر الله - وهو من قرية الجديدة قرب المختارة، وأصبح أخوه سعيد نصر الله رئيس أركان الجيش اللبناني – كان لا يزال يعتمر طربوشًا على رأسه ويضع نظارتين سوداوين على عينيه، ولا تفارق سجائر البافرا المشتعلة شفتيه.

المفوض بائع كشة
وقرر المفوض الكشف على موقع الجريمة في فيلا الغاردينيا، وفي حضور الزوج المتهم إدوار موقدية الذي اقتيد مغلولًا إلى فيلته، وروى لنصر الله أنه لدى وصوله في الرابعة فجرًا إلى الفيلا قبل أيام، وجد زوجته عارية قتيلة على سريرها، وكذلك خادمتها على مدخل غرفة نومها، فحمل الزوجة إلى سيارته وتوجه بها إلى مستشفى أوتيل ديو. وهذا على خلاف ما اعترف به تحت التعذيب في مقر شرطة بيروت في ساحة الشهداء. وأثناء كشفه على الفيلا وحديقتها، وجد نصر الله غرفة صغيرة تحوي رفوشًا ومعاول وأمامها حفريات غير مكتملة. ولما سأل عن هذه الغرفة، أبلغه إدوار أنه كان عهد إلى عاملين إجراء الحفريات وتمديد أنابيب لجر الماء إلى ناحية في الحديقة، وكانا يبيتان في الغرفة، وهما أخوان من آل الصايغ في شارون قرب بحمدون. وعن عادات زوجته جوسلين قال إدوار إنها غالبًا ما كانت تقوم برياضاتها المسائية في غرفة النوم الفسيحة، ثم تستحم في الحمام الداخلي التابع لها. ولما استطلع المفوض نصر الله جهات الحديقة، وجد شجرة تين صعد إليها، فتبين له أن موضع  وقوفه في عبها وبين أغصانها يطل مباشرة على نافذة غرفة النوم، ويكشف عن السرير في داخلها. لذا أيقن أن إدوار ليس القاتل، وقرر البحث والتحري عن الأخوين الصايغ لاستجوابهما.

بطربوشه وسيجارة البافرا بين شفتيه والنظارتين على عينيه، اتخذ المفوض حسين نصر الله دور بائع كشة أقمشة، يحملها على كتفه ويجول في شوارع شارون. ونتيجة أسئلته وتحرياته هناك تبين له أن الأخوين الصايغ يغيبان عن منزلهما ويعودان للنوم فيه بعد منتصف الليل، فقرر دهم المنزل فجرًا للقبض عليهما واقتيادهما إلى التحقيق.

وفي الساعة العاشرة صبيحة نهار الدهم صدرت جريدة "الطيار والتلغراف" لصاحبيها توفيق ونسيب المتني، وهي متخصصة بنشر أخبار الجرائم والإثارة، وعلى صدر صفحتها الأولى عنوانًا عن دهم منزل الأخوين الصايغ في شارون. وهذا يعني أن شخصًا ما على صلة بقرار الدهم سرّب الخبر إلى الجريدة في الليل. لكن عملية الدهم كانت قد حصلت فجرًا قبل ساعات من صدور الجريدة.

الإعدام شنقًا
قُبض على الأخوين الصايغ وحُقّق معهما وفق أسلوب الضرب والعنف والتعذيب المتبع طبعاً، فاعترفا بقتل جوسلين بيجار زوجة إدوار موقدية في فيلا الغاردينيا. فبعدما تعودا على الصعود إلى شجرة التين في الحديقة لمشاهدتها تقوم برياضتها المسائية مرتدية المايو في غرفة النوم، وتدخل الحمام وتخرج منه شبه عارية، قررا في ذلك المساء الدخول إلى الفيلا لاغتصابها. ولما قاومتهما بقوة وتمكنت من الإمساك بمسدسها من جارور المنضدة قرب السرير، استطاعا انتزاع المسدس من يدها وأطلق أحدهما رصاصة قاتلة على رأسها. ولما هرعت الخادمة إلى غرفة النوم عاجلها القاتل برصاصةٍ أردتها على مدخل الغرفة. واعترف الأخوان أن جوسلين أسلمت الروح عارية على السرير، فتداورا على اغتصابها ميتة، ووضعا المسدس قربها وغادرا الفيلا.

حكم عن الأخوين بالإعدام شنقًا. وكعادتهم، تدخل بعض رجال السياسة اللبنانيين النافذين لدى رئيس الجمهورية كميل شمعون لحمله على عدم المصادقة على الحكم، لكنه لم يستجب لتدخلاتهم، ونُفذ حكم الإعدام شنقًا في ساحة العدلية القديمة، مكان مجلس الإنماء والإعمار اليوم.

1904: قتيل ومصالحة
الجريمة التي روى خليل خالد الفغالي وقائعها، ورفض الرئيس شمعون العزوف عن المصادقة على الحكم بإعدام مرتكبيها الأخوين الصايغ، حملت الراوي على تذكر جريمة أخرى قديمة رواها له جده لوالده في المريجة، وتعود إلى العام 1904، وتشرح العلاقة الوثيقة بين والد كميل شمعون، نمر شمعون، أمين المالية والضرائب في متصرفية جبل لبنان ومقرها بعبدا، وبين الحاج حسين درويش عمار أحد وجهاء برج البراجنة، ووالد النائب الشمعوني لاحقًا في الستينات والسبعينات، محمود عمار.

في ذلك العام (1904) كان رجل من آل السبع في برج البراجنة يرعى أغنامه في أرض معشبة بين كثبان الرمل، حيث أُنشئ لاحقًا مطار بيروت الدولي في خلدة. ولربما بسبب الرعي اختلف الراعي السبع مع رجل يدعى الياس عبد الأحد عساف، فتشاجرا وتعاركا وحيدين. وأثناء عراكهما استطاع السبع من الإمساك بخصيتي عساف وانتزاعهما، مما أدى إلى وفاته، فتوترت العلاقات بين سكان برج البراجنة الشيعة وجوارهم المسيحي، بعد هرب بعضهم من بيوتهم المجاورة لبيوت المسيحيين. وحمل التوتر الطائفي حسين درويش عمار على زيارة صديقه نمر يوسف شمعون في منزله في دير القمر للعمل على "رأب الصدع الطائفي" (على ما يُقال اليوم، وربما منذ مطلع القرن العشرين، في مثل هذه الحالات) في ضاحية بيروت الجنوبية التي كانت تسمى ساحل النصارى آنذاك.

كان كميل شمعون لا يزال طفلًا في الرابعة من عمره، عندما وفد والده نمر شمعون مع صديقه حسين درويش عمار إلى برج البراجنة، حيث جمعا وجهاء الشيعة والمسيحيين في المنطقة، وبينهم لفيف من عائلتي القاتل (السبع) والقتيل (عساف)، وأجريا مصالحة مشهودة أدت إلى عودة الهاربين الشيعة من بيوتهم إليها، وإلى رأب الصدع الطائفي. ولا يتذكر الراوي ماذا حلّ بالقاتل، لكنه رجح أن الأمر سوّي أهليًا وعشائريًا بين العائلتين، على شرف الوجيه عمار وصديقه شمعون، وخارج أي تحقيقات ومحاكمات قضائية رسمية. وختم الفغالي قائلًا: ما أشبه حالنا اليوم بالأمس البعيد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها