آخر تحديث:00:27(بيروت)
الجمعة 07/06/2019
share

التعذيب وسيلة التحقيق الدائمة في لبنان (1 من 2)

محمد أبي سمرا | الجمعة 07/06/2019
شارك المقال :
التعذيب وسيلة التحقيق الدائمة في لبنان (1 من 2) فندق النورماندي ببيروت مطلع الخمسينات (الأرشيف)

تتكاثر في مرويات خليل خالد الفغالي (من مواليد 1934 في المريجة، ضاحية بيروت الجنوبية، وكان في الخمسينات والستينات تحريًا في جهاز الأمن العام اللبناني) أخبار عن حوادث وجرائم وتحقيقات أمنية وقضائية في لبنان في تلك الحقبة. وتتقاطع مروياته هذه في اعتماد الأجهزة الأمنية اللبنانية العنف والتعذيب وسيلة أساسية في انتزع المعلومات والاعترافات من المتهمين. وقد يكون اعتماد هذه الوسيلة مرآة لثقافة وتقنيات تستخدم السلطة استخدامًا بدائيًا متعسفًا، لانتزاع اعترافات وإثبات التهم بسهولة وبلا تبصر، وصولًا إلى اختتام التحريات والتحقيقات وإصدار الأحكام القضائية.

وبعد روايته عن موت فرج الله حنين تعذيبًا في سجن الرمل سنة 1949 (المدن، 27/5/2019)، هذه رواية ثانية عن جريمة حدثت في الحازمية في مطلع خمسينات القرن العشرين والتحقيق فيها. وتفيد الرواية أن الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية توغل مذّاك في اعتماد الأساليب إياها: التعذيب.

الكيت كات والعصفورية
في أربعينات القرن العشرين وخمسيناته كان من عادات بعض رجالات السياسة اللبنانية التئام مجالسهم في عصاري النهارات على فناجين القهوة والشاي، والثرثرة في مقاصف الفنادق الفخمة ومقاهيها على شاطئ الزيتونة في بيروت. ومن هذه المجالس اشتهرت حلقة فندق النورماندي التي كانت تلتئم في حضور رئيس حكومة الاستقلال والميثاق الوطني رياض بك الصلح وريادته.

أما كباريهات الزيتونة وملاهيها الليلية في تلك الحقبة، فكان يلتئم فيها رواد السهر والسمر الكوزموبوليتانيين من مشارب وأهواء وجنسيات متنوعة؛ وفي تلك السهرات ومسامراتها وأهوائها الليلية كانت تُهرق حتى الفجر كؤوس كثيرة من الكحول.

كان الكيت كات، لصاحبه ومالك فندق النورماندي رفول موقدية، من أشهر كباريهات الزيتونة وملاهيها الليلية. وفي سهراته بدأت ملكة جمال أوروبا السابقة، الفرنسية جوسلين بيجار، تقدم برنامجًا فنيًا مميزًا في مطلع عهد كميل شمعون الرئاسي (1952 – 1958). وكان نجل رفول موقدية، إدوار الشاب، يدير ملهى الكيت كات، فوقع في غرام جوسلين، وما لبث أن حمله غرامه بها على الزواج منها. فشيّد موقديه الأب فيلا لزواج العريسين وإقامتهما في الحازمية، فسمياها فيلا الغاردينيا، غير بعيد من مصح الأمراض العقلية والعصبية الشهير بـ"العصفورية".

وفي الستينات اللبنانية وردت كلمتا "العصفورية" و"الحازمية" في أغنية بدوية اشتهرت بإسم "خطيفة" وراجت في أوساطٍ وبيئات شعبية، وغناها المطرب البعلبكي أو الهرملي مهدي زعرور بصوته الصحراوي القاحل، عازفًا على ربابته الكئيبة الرتيبة والأشد جفافًا من صوته، فيما هو يروي منشدًا قصة غرام واختطاف غرامي، وثأر عشائري، ومطاردة وقتل، أفضت بالخاطف العاشق إلى القبر، وبشقيق المخطوفة القاتل بخنجره الثأري المسموم إلى الفرار طافرًا في جرود الهرمل. أما أخته فأفضت بها مأساتها الغرامية والثأرية إلى "مصح الحازمية" أو "العصفورية"، على ما روت الأغنية.

جثة ومحاضر كثيرة
عندما شُيدت فيلا الغاردينيا وأقام فيها الزوجان إدوار وجوسلين، كانت الحازمية لا تزال منطقة حرجية شبه عذراء بعدُ، وخاليةً سوى من مباني وبيوت قليلة متباعدة، وملحقة بنطاق بعبدا البلدي. وهذا ما حمل إدوار، المنشغل في إدارة الكيت كات حتى الرابعة من فجر معظم أيام الأسبوع، على تزويد زوجته في الفيلا مسدسًا عيار 5 ملم، ليكون منجدًا لها في الملمات، أو في حال تعرضها لمكروه أثناء غيابه، وعندما لا تسهر معه في الكابريه، بعد وعزوفها عن العمل وتقديم برنامجها الفني فيه.

لم يكن قد مضى أكثر من سنةٍ على زواجهما لما وصل إدوار إلى الفيلا في حوالى الرابعة فجرًا، فإذا بها مشعشعة بالأنوار على غير عادتها. ركن في الحديقة سيارته البويك الأميركية "السبور"، وترجل منها إلى مدخل الفيلا، فوجده مشرعًا، فأسرع في اجتياز الصالونات وصالتي الجلوس والسفرة، متوجهًا إلى غرف النوم. على باب غرفة نوم زوجته فوجئ بخادمتها اللبنانية منطرحةً أرضًا جثة هامدة. وعلى السرير في الغرفة صعقه مشهد جوسلين عارية تمامًا وفي مواضع من جسمها كدمات وخدوش، وثقبٌ في رأسها ينز دمًا على وجهها، وإلى جانبها على السرير المسدس الصغير.

روّعه المشهد، وفي حالٍ من الذهول والرعب حمل زوجته العارية، فأخرجها من الفيلا ووضعها على مقعد السيارة الخلفي، وانطلق بها متجهًا إلى مستشفى أوتيل ديو، في طرف الأشرفية لجهة المتحف الوطني. لدى مروره أمام كركون (مخفر) فرن الشباك (مبنى السجل العدلي اليوم)، أوقف السيارة وترجل منها، وراح يقرع الباب عنيفًا بكفيه. استيقظ رجال المخفر، فأبلغهم ما به، فرافقه اثنان منهم إلى أوتيل ديو. الأطباء الذين عاينوا جثة زوجته، أبلغوه أنها ميتة، فاتصل مرافقاه من مخفر فرن الشباك بشرطة بيروت هاتفيًا، ثم دونا إفادته عن الحادثة في محضر سلماه لرجال الشرطة، الذين وصلوا وباشروا بدورهم تسطير محضر آخر، قبل اقتيادهم الشاب الذاهل مخفورًا إلى مقرهم في بيروت. أما رجال الدرك في مخفري الأشرفية وبعبدا، فقاموا بمعاينة مكان الجريمة في فيلا الغاردينيا، وسطروا محضرين حولوهما إلى مقر الشرطة في العاصمة، حيث رُميَ إداور موقدية في السجن وبدأت معه التحقيقات.

تحريات وتحقيقات
كانت التحقيقات ومحاضرها في الأجهزة الأمنية كلها بدائية، ولا تُستعمل فيها سوى وسيلة واحدة بدائية بدورها: الشدّة والعنف لانتزاع المعلومات والاعترافات من المتهم الموقوف.

فجهاز الأدلة الجنائية كان يقتصر على شخص واحد أعرج، ويحمل محفظةً تشبه تلك التي كان يحملها المطهّر الجوال في القرى. وكان يرافق ذاك الشخص الأعرج من آل البعقليني، عنصر من جهاز البوليس يحمل كاميرا بدائية لتصوير مواقع الجرائم ومعاينة المكان ورفع بصمات الجناة. أما المحققون من رجال الدرك والبوليس فكانوا يبدأون أسئلتهم المتهم بصفعة ولكمه ورفسه مع رشقٍ من الشتائم والإهانات. هذا فيما كانت استطلاعات جهاز التحري تعتمد على مخبرين متعاملين من خارج السلك، وعلى تخفي تحريي السلك بأدوار سنكري أو بائع بوظة أو خضر، في تحرياتهم لجمع المعلومات من مواقع الحوادث والجرائم وعن المتهمين أو المجرمين المحتملين.

في مقر شرطة بيروت شرع المحققون كعادتهم المهنيّة في ضرب إدوار موقدية ضربًا مبرّحًا لانتزاع اعترافاته، موقنين سلفًا أنه قاتل زوجته جوسلين. وماذا يمكن شابًا مثله أن يفعله، بعدما صدمه مشهد زوجته وخادمتها المروع، الذي فاجأه وتلقى صدمته وحيدًا مذهولًا في الرابعة فجرًا في فيلا الغاردينيا المعزولة في أرض حرجية مقفرة في الحازمية؟ وهو مشهد لم يقلب حياته رأسًا على عقبٍ وحسب، بل نقله فجأة من عالمه الباذخ المترف، ورماه للمرة الثانية وحيدًا مذهولًا في عالم الاعتقال والسجن المظلم، وبين أيدي رجال شرطةٍ يتهمونه بقتل زوجته، وامتهنوا العنف والتعذيب والإهانة والشتائم وسيلة استجواب وتحقيق وحيدة في سلكٍ يقوم كلٌ من عملهِ ولحمة عناصره ورهطه على غِلظةٍ ذكورية فائضة، تخالف تمامًا الرقة والأناقة في عالمه الاجتماعي وعلاقاته. وغِلظةُ رجال الشرطة الذكورية، غالبًا ما يطلقونها على الغارب معتمدين على استخدامهم سلطة الجهاز العسكري استخدامًا تعسفيًا منحرفًا، بدائيًا ومنحطًا ومنفكًا من الحدود المهنية والقانونية، ويجنح إلى شخصانية، قد يخالطها حقد التشفي الطبقي في حالة إدوار موقدية.

بعد أيامٍ ثلاثة أو أربعة بلا أكلٍ ولا نوم، ونوباتٍ من العنف والتعذيب واستجواب محققين يسألونه: ليش قتلتها، كيف قتلتها؟ وها هو ذا إدوار موقدية يعترف: وصلت ع البيت، لقيتها نايمة بالتخت مع عشيقها، فقتلتها مع الخادمة بالفرد اللي كان بغرفة النوم في الفيلا. لم يسأله المحققون عن عشيقها، من يكون، وماذا فعل، ولماذا لم يقتله؟ بل سألوه: ليش حملتها إلى المستشفى؟ فكرت يمكن تعيش، ولتقول حدا غيرك قتلها وتبري حالك، ما هيك؟ وافق إدوار على كلام المحققين الذين سطروا محضرًا باعترافاته وسلموه لمدعي عام بيروت، الذي اصطحب إدوار إلى فيلا الغاردينيا حيث قام بتمثيل جريمة قتل زوجته في غرفة نومها. وما مثّله لم يكن سوى أدائه حركاتٍ وأفعالٍ متخيلة لما سمعه من المحققين عن ارتكابه الجريمة، وردده مثل ببغاء أثناء عنف استجوابهم.
(يتبع حلقة ثانية)


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها