آخر تحديث:15:41(بيروت)
الجمعة 28/06/2019
share

رصاص "البريفيه" ومفرقعاتها يلهبان لبنان وتلميذ بعلبكي ينتحر

لوسي بارسخيان | الجمعة 28/06/2019
شارك المقال :
رصاص "البريفيه" ومفرقعاتها يلهبان لبنان وتلميذ بعلبكي ينتحر تؤكد نتائج الامتحانات أن كاميرات المراقبة لم تؤثر كثيراً على نفسية التلامذة وأدائهم (المدن)

تصطخب المناطق اللبنانية، في كل قرية أو بلدة، وفي كل حي من أحياء المدن، بأصوات المفرقعات، وإطلاق النار من كل الأعيرة، مصحوبة بمظاهر الابتهاج المتمادية والفوضوية، بالتزامن مع صدور نتائج الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة (البريفيه).

احتفاء الأهل بأبنائهم الناجحين، بات عملاً مؤرقاً لمعظم المواطنين وللسلطات الأمنية، لما يخالط هذا الاحتفاء من تفلت أرعن بالرصاص الطائش ومن إزعاج بالغ بالمرفقعات التي لا تتوقف حتى الفجر، على نحو يصير فيه الفضاء اللبناني كأنه ساحة حرب. خليط من أخلاق الميليشيات وانعدام الحس المدني، يظهره معظم اللبنانيين في هكذا مناسبة، إلى حد أن موعد إعلان النتائج هو أشبه بكابوس يضاف إلى كوابيس الحياة اللبنانية اليومية. بل أن مدير عام وزارة التربية، فادي يرق، قال: "أصدرنا نتائج "البريفيه" بعد منتصف الليل، لأننا أردنا أن نخفف من وهج إطلاق النار ابتهاجاً بالنتائج".

وكان يرق، أعلن أن معدل النجاح العام في البريفيه بلغ 74,23 في المئة. والاثنين المقبل يبدأ التصحيح لشهادة الثانوية العامة (البكالوريا) ويتطلب إنجاز النتائج وإعلانها عشرة أيام.

وفي النتائج، احتلت الطالبة ديما موسى حسيني (مدرسة سيدة البشارة – رميش قضاء بنت جبيل)، المرتبة الأولى في الشهادة المتوسطة الرسمية على مستوى لبنان، حين نالت معدل 19,14/20.

مأساة عباس يزبك   
هذا العام، تلطخت نتائج "البريفيه" في بعلبك بالدم. فليس الخبر هو فوز التلميذ أحمد خالد حليحل بالمرتبة الأولى في امتحانات الشهادة المتوسطة (البريفيه) على مستوى محافظة بعلبك الهرمل، وحلول علي الهادي حسن حيدر في المرتبة الثانية، وبالثالثة مريم علي عواضة، في حين تقاسمت المرتبة الرابعة فاطمة أحمد عبد الحسين وسارة أحمد المكحل.

الخبر الآتي من بعلبك، والذي صعق اللبنانيين عموماً صبيحة صدور نتائج الامتحانات الرسمية، ونشْرها على موقع وزارة التربية، هو إقدام عباس يزبك، تلميذ مدرسة البشائر التابعة لجمعية المبرات الخيرية في بعلبك، على الانتحار مطلقاً النار على نفسه، فور اكتشافه رسوبه في الامتحانات، منفذاً ما اعتبره أقارب له مجرد كلام كان ينطق به، لعلمه أنه لن يكون إلا بين الناجحين.

لم يكن عباس تلميذاً كسولاً، وفقا لما تؤكده إدارة مدرسته، التي بلغت نسبة النجاح لديها 85 بالمئة. ولم تكن مدرسته تقدّر أن يكون بين الراسبين، علماً أن معدل علاماته جاء قريباً جداً من معدل النجاح. وعليه لم ترغب إدارة المدرسة التعليق على الحادثة، واكتفت مصادرها بالإشارة إلى الأسى الذي نغّص عليها وعلى رفاقه فرحتهم بالنتائج المبهرة التي حققوها، حين نال تلاميذ البشائر 46 درجة بين "جيد" و"جيد جداً".

قد تكون الجدية التي أبداها عباس في سنته الدراسية، هي التي صعبت عليه قبول الرسوب، علماً أن، وفقاً للمربي رياض نبهان، مدير مدرسة رسمية متقاعد، رسوب التلميذ المجتهد يترك أثارا نفسية سيئة عليه، ما يتطلب احتضانا نفسياً له، ليخرجه من حالته فوراً، ويشجعه على خوض الدورة الثانية، لأن الرسوب ليس آخر المطاف، وقد يحدث مع أشطر التلاميذ، وهناك دائما فرصة ثانية للطلاب.

الخوف والضعف
فما الذي يجعل ابن 14 سنة يفكر بالإنتحار بعد أول استحقاق جدي في حياته؟

ليست الصرامة العائلية مستحبة لدى الأهل في الامتحانات الرسمية. وحسب مطلعين على حالة عباس، فهو كان يبدي قلقاً شديداً وتوتراً من الرسوب، يفوق ما شعر به التلاميذ عموماً، نتيجة لتبديل بعض آليات الامتحانات هذه السنة، وما رافقها من جدل حول كاميرات المراقبة التي ركبت في قاعات الامتحانات خصوصاً، والتي اعتبرها البعض سبباً من أسباب تراجع نسبة النجاح في الدورة الأخيرة.

إلا أن نسبة النجاح بين 70 و80 في المئة تبقى منطقية وفقاً لنبهان، الذي أكد أيضا أن تصحيح الامتحانات يكون دائماً لمصلحة الطالب. وبالتالي، إذا كان التلميذ متأكداً من حصول خطأ في تصحيح بعض مسابقاته، يمكنه أن يطلب إعادة التصحيح. واحتمال الخطأ وارد، خصوصاً إذا كان الرسوب على نسبة ضئيلة من العلامات.

ثمة عامل أساسي يتحدث عنه اختصاصيون، ويتعلق بتوقيت إعلان نتائج الامتحانات، في فترة المساء وحتى ساعات الفجر، أي عندما يكون الإنسان في أضعف حالاته النفسية.

إلا أن مربية حالية في وزارة التربية ومتخصصة في علم النفس، تعيد الضعف النفسي لدى التلاميذ أمام نتائج امتحاناتهم، إلى الضغط الذي يمارسه بعض الأهل في المنازل، والذي يشكل سبباً رئيسياً من أسباب رسوب الطلاب في أحيان كثيرة. وهذا ما يترك تأثيرات نفسية سلبية على التلميذ تجعله يفكر حتى بالموت. فكثيرون يصورون الرسوب وكأنه آخر المطاف، ويتلهون بالعلامات، والدرجات التي يريدونها لأولادهم، من دون التنبه لتأمين الأجواء الصحية والنفسية التي تساعد تلاميذنا على النجاح... متحدثة عن مسؤولية يجب أن تتحملها المدارس في هذه المرحلة، والتي عليها أن تمرن التلاميذ على الامتحانات، وتؤكد لهم بأنه امتحان شبيه بامتحانات المدرسة، ولكنه استحقاق على مستوى الوطن.

أثر الكاميرات؟
وتذكّر بحادثة تلميذ رمى بنفسه من نافذة مدرسة، فقط لأن والدته حضرت إليها لتسأل عن علاماته. وعليه، تقول الاختصاصية أن ابن 14 سنة هو نتاج لما رافق حياته طيلة سنوات عمره. وكي نعرف لماذا يحاول فتى بهذا العمر الانتحار لرسوبه في الامتحانات، علينا أن نعرف ما هي الضغوطات التي تعرض لها خلال 14 سنة، وما هو الجو الذي يعيشه في البيت والمدرسة، وكيف وصل إلى السلاح، وكيف استخدمه.

لا تعتبر الاختصاصية في المقابل أن الكاميرات التي استُحدثت في قاعات الامتحانات، عاملاً مؤثراً على تأدية التلاميذ في الامتحانات، خصوصا أن بعض المدارس كانت مجهزة بالأساس بهذه الكاميرات، من دون ضجة إعلامية، وإن لم تكن بمستوى التطور نفسه. واذا نظرنا إلى نسبة النجاح، برأيها، يتبين لنا أن الكاميرات لم تؤثر كثيراً على أداء الطلاب خلال الامتحانات. مشيرة إلى أن التلاميذ عموماً اعتادوا على الكاميرا خلال 15 دقيقة ونسوا وجودها.

أما ضغط امتحانات الشهادة المتوسطة، فتعتبرها تجربة جيدة، حتى يعتاد التلميذ على الاستحقاقات المقبلة.

تداعيات الرسوب
تربوياً، يرى تربوي في بعلبك أن الرسوب عند التلميذ المجتهد يترك تداعيات أكثر خطورة مما يتسبب به لدى التلميذ الكسول. ومن هنا يلفت إلى حالات إغماء وتوتر شديد عالجتها المنطقة التربوية في بعلبك، وتبين أن معظم من أصيبوا بها هم من التلاميذ المجتهدين.

غير أنه وفقاً للمربي المتقاعد سامي بريدي، ثمة أسباب اجتماعية تتعلق بالبيئة التي يعيش فيها التلاميذ وبالسلاح المتفلت بين الأيدي تدفع ابن 14 سنة يفكر بالإنتحار لمجرد الرسوب في شهادة البريفيه.. متحدثاً أيضاً عن مفاهيم أرساها التطرف الديني، فلم يعد البعض يقدر عواقب الموت، ويعتبر فيه خلاصاً وانتقالاً إلى مكان أفضل.

ويشير البريدي إلى أن وزارة التربية لجأت منذ فترة إلى إجراءات متطورة في مواكبة حالات الطلاب، وهي تطلب من مدراء المدارس إرسال لوائح بأسماء طلاب ربما يشكلون حالات خاصة بين رفاقهم، معتبراً أنه في حالات التلاميذ الذين فكروا بالإنتحار لمجرد رسوبهم بالبريفيه، قد يكون وقع سوء تقدير لوضعهم النفسي، إما من قبل المدرسة أو من قبل الأهل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها