آخر تحديث:01:15(بيروت)
الثلاثاء 18/06/2019
share

القضاة يعلقون اعتكافهم: تجميل "الخسائر"

جنى الدهيبي | الثلاثاء 18/06/2019
شارك المقال :
القضاة يعلقون اعتكافهم: تجميل "الخسائر" ما مصير المطالبة بـ"استقلالية السلطة القضائية"؟ (دالاتي ونهرا)

بعد 47 يومًا من الاعتكاف الذي شلّ قصور العدل في لبنان، اتخذ القضاة المعتكفون قرارًا "فجائيًا" بتعليق اعتكافهم، إثر عقدهم اجتماعًا للجمعية العمومية، في قاعة محكمة الاستئناف في بيروت، الاثنين في 17 حزيران 2019. هذا القرار، الذي جاء تحت شعار "تلقف القضاة أيّ بوادر إيجابية صادرة عن المعنيين لملاقاتها بالمثل"، طرح تساؤلات كثيرة عن الأسباب التي آلت إلى تعليق الاعتكاف، بعد التشدد في المطالب التي وضعها القضاة لحراكهم، وكلّ المشاحنات الحادة التي رافقت مرحلة الاعتكاف مع السلطة السياسية من جهة، ومع نقابتي المحامين من جهةٍ أخرى - شرحتها "المدن" في مواضيع سابقة - إلى جانب كسرهم حاجز الصمت بعقد أول ندوةٍ علنيةٍ لـ"نادي قضاة لبنان".

"نتائج إيجابية غير ملموسة"!
وما بين حيرة الاستنتاج إن كان القضاة المعتكفون قد كسبوا معركتهم أم خسروها، أو إن كانوا "يجملون" خسائر اعتكافهم المديد، يشير مصدر قضائي من الجمعية العمومية لـ"المدن"، أنّ تعليق الاعتكاف جاء بعد الوصول إلى نتائج إيجابية، وإن كانت غير ملموسة بعد، تجلت بمواقف رئاسة الجمهورية والسلطتين التشريعية والتنفيذية، وأن هذا التعليق هو إفساح بالمجال لترجمة التصريحات في مشروع الموازنة.

وفي وقتٍ يعتبر فيه القضاة "المتفائلون" بتعليق الاعتكاف، أن أول هدف تحقق كان بإيصال مطالبهم إلى السلطات المعنيّة، يعتبر المصدر أنّ المطالبة بـ"استقلالية السلطة القضائية"، أصبح مطلبًا وطنيًا جامعًا وأولويًا للرأي العام اللبناني، بعد "أن ثبت أن لا استقامة في لبنان من دون استقامة واستقلالية جسمه القضائي"، تلقى القضاة المعتكفون، حسب المصدر، وعدًا من السلطات المعنية أن يكون بند "استقلالية السلطة القضائية" أول بندٍ مطروحٍ للبحث والمناقشة من قبل لجنة الإدارة والعدل، بعد الانتهاء من إقرار مشروع الموازنة العامة. أمّا أهم إنجازٍ يضعه القضاة على جدول "جدوى اعتكافهم"، فقد تجسد بترسيخ مناقبية أداء الجمعية العمومية للقضاة، "التي جرت محاربتها، وقد أعطت وجهًا ديموقراطيًا وحضاريًا عن عمل السلطة القضائية وحراكها، وكانت خطوةً تقدميّة غير معهودة، كسرت حاجز الصمت وانعزال القضاة عن المجتمع المدني في لبنان، فأصبحت قضاياهم موضع نقاش لدى الشعب اللبناني، الذي يحكمون باسمه".

في "مساوئ" الاعتكاف
خلال مرحلة الاعتكاف، تركز تعطيل قصور العدل في ثلاثة مجالات: الأحكام، البريد، والجلسات. وهو ما يمكن تعويضه لاحقًا، وفق المصدر. وفيما كان رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي جان فهد، هو من أوائل المعارضين لاعتكاف القضاة، باعتبار أنّ جزءًا من مطالب القضاة قد تحقق، وأنّ الجزء الآخر هو قيد المتابعة، وأنّ "المواطن" هو المتضرر الأول الذي يدفع ثمن التأخير في إصدار الأحكام.. كان القضاة المعتكفون يضعون خطوتهم -وفق المصدر- في إطار رفض الرئيس فهد لوجود "جمعية عمومية" داخل الجسم القضائي. فـ"هذا الشرخ بيننا وبين مجلس القضاء الأعلى، هو الذي يدفعنا إلى التشديد بمطلب أن يكون المجلس مُنتخباً من قبل القضاة، مراعاةً للدستور والقوانين، لا أن يكون خاضعًا لمنطق التعيينات من قبل السلطة السياسية، التي تريد أن تجعل المجلس تابعًا لها". وكان الرئيس فهد اعتبر في حديث تلفزيوني، عقب تعليق القضاة لاعتكافهم، أنّ استهداف دور القاضي والسلطة القضائية تجسد من خلال منحها للجان، ونتيجة التوجه نحو الخصخصة، بـ"تفادي اللجوء إلى القضاة والمحاكم والمزيد من التعدّي على بعض متلازمات السلطة الدستورية كالرمز الخاص بسيارات القضاة وجعل رواتب بعض الموظفين أعلى من رواتب القضاة".

في الجهة المقابلة، يرى مصدر قضائي آخر أنّه لا يجب التغاضي عن جملة الانعكاسات السلبية لاعتكاف القضاة بتجميل الواقع، ويشير لـ"المدن" أنّ أبرزها تمثّل بإحداث شرخٍ كبير بين القضاة أنفسهم، نتيجة "العصبية" و"الغضب" اللذين كانا يمنعان أيّ نقاشٍ هادئ لإيجاد سبل بديلة للمطالبة بحقوق القضاة، عوضًا عن الاستمرار بالاعتكاف، الذي شكّل حالة ضغطٍ كبيرة على القضاة والمواطنين. أمّا المسألة الخطيرة، فـ"كانت بوقوع خصومةٍ شرسة غير مسبوقة بين نقابتي المحامين والقضاة، واضطراب علاقتهما، وما تبعها من تطاول على القضاة برشق الاتهامات"، ما يضع العلاقة بينهما قيد التهديد الدائم بالمنازعة والاهتزاز.

الفضل لعون!
وفي البيان الصادر عن الجعمية العمومية فور تعليق الاعتكاف، التي تترقب مناقشة لجنة الإدارة والعدل لقانون "استقلالية السلطة القضائية"، حسب ما أعلن رئيس اللجنة، النائب جورج عدوان، شددت أنّ "الوضع بعد الحراك القضائي لن يكون أبداً كما قبل".

وتضع الجمعية الفضل بعدول القضاة عن الاعتكاف، لكلمة رئيس الجمهورية ميشال عون في احتفالية مئوية محكمة التمييز في 12 حزيران 2019 في قصر عدل بيروت، وتصفها بـ"التاريخية"، والتي أشار فيها إلى "عدم جواز المسّ بالضمانات المالية والمعنوية للسلطة القضائية"، وما تبعها من تحول في خطاب السلطة السياسية، التي كانت معارضة لاعتكاف القضاة. فعاد وصرّح رئيس مجلس النواب نبيه بري بـ "عدم جواز إنقاص أي ضمانات كرسها القانون للقضاة"، ثمّ صرّح رئيس الحكومة سعد الحريري أنّ "الدولة مجبرة على إعطاء القضاء ما يريد لأن ذلك يضمن استقلاليته".

هذا، وقد أشار البيان الصادر عن الجمعية العمومية أنّ الحراك القضائي تمكّن من "حض ممثلي مجلس القضاء الأعلى وصندوق تعاضد القضاة على رفع سقف مطالبهم إلى الحد المعلن عنه في بيان الجمعية العمومية للقضاة، تاريخ 8 أيار 2019، بعدما أدلوا مرارًا في الجمعيات العمومية أن ما هو مطروح على القضاة هو أفضل الممكن، وبعدما وافقوا مسبقاً، من دون احترام نص المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي، على التخفيضات المقترحة والانتقاص من الحقوق، وهو ما كشفه وزير المال علي حسن خليل في تصريحه الذي لم يرد أي نفي له".

وفيما تمنى القضاة في بيان الجمعية أن لا يُكرهوا مجددًا على الاعتكاف، ووعدوا أن يبقى الحراك القضائي متابعا خطته، التي باشرها قبل تعليق الاعتكاف، يبقى السؤال المطروح شرعًا، إن كان هذا الحراك سيأخذ صبغة المطالب "المادية" وحسب، مثلما أصبح رائجًا لدى فئة واسعة من الرأي العام اللبناني: "القضاة لا يتحركون إلا من أجل مطالبهم المادية".. أمّ أن القضاة سيأخذون على عاتقهم تصحيح المسار في آلية المطالبة بإستقلالية السلطة القضائية، التي هي المطلب الأول الجامع للبنانيين، وتحديدًا من دفع منهم ثمن ارتهان بعض القضاة للسلطة السياسية؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها