آخر تحديث:00:39(بيروت)
الخميس 13/06/2019
share

الجنسية اللبنانية لمن يستحقها وليست هدية يوزعها طائفيون

فاطمة حيدر | الخميس 13/06/2019
شارك المقال :
الجنسية اللبنانية لمن يستحقها وليست هدية يوزعها طائفيون "خطة" باسيل تخضع لاعتبارات مذهبية وطائفية (علي علّوش)

تحت شعار "الانتشار يفعل.. حول العالم في ست سنوات وبعد"، احتفى رئيس الجمهورية ميشال عون ووزير الخارجية والمغتربين جبران وباسل مع نحو ألفي شخصية لبنانية اغترابية بإطلاق "دليل الجنسية"، الذي يشرح الطرق الأربع للحصول على الجنسية، لتسهيل استعادتها من قبل المغتربين ذوي الأصول اللبنانية. وبدا أن الرئيس وصهره "يترفّعان" عن مطلب وطني مزمن وهو "إعطاء المرأة حق منح جنسيتها لأولادها ولزوجها". إذ اكتفى باسيل بالقول "نأمل بأن تصبح خمس طرق بإقرار قانون يحترم الدستور من ناحية رفض التوطين، ويعطي المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي حق منح الجنسية".

ما نضح به مؤتمر الطاقة الاغترابية في نسخته السادسة، بوصفه من إنجازات صهر "العهد القوي"، الذي انعقد في مركز "البيال" على مدى يومين (الجمعة والسبت الماضيين) بخصوص الهوية والجنسية، شكّل أيضاً استفزازاً للأم اللبنانية أولاً، باعتبارها تدفع ثمن زواجها من أجنبي وإنجابها أطفالاً ليسوا من أب لبناني، إذ ينص قانون الجنسية اللبناني الصادر في عام 1925 والمعدل في 1960 "يعد لبنانيا من ولد من أب لبناني"، كما أغضب الجمعيات النسائية والحقوقية المعنية بهذا الملف، بالإضافة إلى الأحزاب والقوى السياسية المتبنية للقضية، كونها تتعلق بالمساواة النظرية في الدستور بين الرجل والمرأة.

"جنسيتي حق لي ولأولادي": إلى الشارع
في أول تعليق للحملة الوطنية "جنسيتي حق لي ولأسرتي"، تتوجه كريمة شبّو، في حديث مع "المدن"، إلى باسيل بالقول تعليقاً على تصريحه: "الكلمة الأصح التي يجب أن تقال في حال كانت هناك نوايا صادقة هي "نعمل" وليس "نأمل"، مشيرة إلى مفارقة لم يتنبه لها الوزير خلال خطابه في الافتتاح حين قال "تعطي المرأة اللبنانية الجنسية بما لا يتعارض مع الدستور اللبناني والتوطين"، كأن يعدك شخص بتقديم وجبة طعام واضعاً السمّ فيها، ليؤكد مجدداً موقفه الرافض حول قضيتنا المحقة".

وتضيف شبّو: "ذكر الوزير أيضاً أهمية احترام الدستور، لذا أذكّره أن المادة الأولى والسابعة منه تنص على أن المواطنين والمواطنات متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، وفي الترجمة الفعلية، يحق للمرأة ما يحق للرجل".

وبالحديث عن المخاوف من التغيير الديموغرافي في لبنان في ظل وجود 174 ألف فلسطيني، حسب إدارة الإحصاء المركزي اللبناني وجهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني لعام 2017، ووسط غياب سياسات واضحة لعودة النازحين السوريين، الذين يبلغ عددهم حوالى 1.3 مليون سوري واستمرار تدفقهم إلى لبنان، تقول شبو: "حين نتحدث عن حق، لا يمكن تجزأته، ولا يجب أن يلوّث بالعنصرية والطائفية. إن حجة التغيير الديموغرافي تستخدم كفزاعة ليس أكثر"، وسألت: "حين يتزوج الرجل اللبناني من امرأة أجنبية ويمنحها الجنسية لماذا لا يُحكى عن إشكالية ديموغرافية أو إشكالية اختلاف الجنسيات؟".

وعن اقتراح باسيل الأخير والذي يقتضي بمنح الجنسية لأبناء اللبنانيات المتزوجات من أجانب، لكن باستثناء رعايا دول الجوار، والذي اعتبره كثيرون عنصرياً ويشكل تمييزاً يتعارض مع حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية، تقول شبو: "نحن لسنا ضد استعادة الجنسية للمغتربين، لكن هناك أولوية للمرأة الموجودة هنا في لبنان، وهي تعاني، أمام أي استحقاق، من ظلم وإجحاف القوانين بحقها". ونقلت عن إحدى النساء قولها "إبني لا يحوز الجنسية. وهذا كان عائقاً أمام إدخاله إلى المستشفى، فلا ضمان يعترف به ولا وزارة الصحة، لا شيء يعطيني الحق كلبنانية بإدخل إبني الأجنبي إلى المستشفى".

وتعلن كريمة شبّو: "هذه المرة سوف نكثّف تحركنا على الأرض، ونقوم بالزيارات اللازمة في كل المناطق تحضيراً للتحرك الجديد، خصوصاً وأن هناك مشروعي قانونين في مجلس النواب، نريد أن نضغط لإحالتهما إلى اللجان النيابية، المشروع الأول قدمه النائب هادي أبو الحسن في 6 آب 2018، والمشروع الثاني قدمته النائبة رولا الطبش، والتي تبنت قضيتنا، في 14 ايار 2019".

ورداً على احتمال اعتراض الوزير باسيل وسائر نواب "التيار الوطني الحر" ترد شبو بغضب: "ما صفته الوزير باسيل؟ هل يريد أن يفرض قرارات باسم البلد كله؟"، مشيرة إلى أن "ملف الجنسية واستعادتها ومنحها من اختصاص وزارة الداخلية وليس الخارجية"، محذرة من مغبة إضفاء صبغة سياسية على هذا الملف الحقوقي والإنساني.

أما عن مشروع القانون المعدّل الذذي قدمته رئيسة "الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية"، السيدة كلودين عون، والذي ينص على إعطاء المرأة الجنسية اللبنانية لإبنها الراشد تلقائياً، أي الذين ولدوا قبل إقرار القانون بـ18 عاماً، في حال تمت الموافقة عليه، فيما يحصل الإبن القاصر على "غرين كارد" (بطاقة خضراء)، على أن ينال الجنسية لاحقاً، أكدت شبّو أن "هذا المشروع مرفوض، لأنه ناقص ويفرق بين الأخ وأخيه". وبالنسبة إلى جمعية "جنسيتي حق لي ولأسرتي"، فإن تعديل قانون ما يعني إصلاح الأخطاء التي تعتريه، لا أن يصبح أكثر اعوجاجاً!

الطبش: لا نقف عند رأي شخص واحد
من ناحيتها، علّقت عضو كتلة "المستقبل" النائبة رولا الطبش، في حديث مع "المدن"، على تجاهل الوزير باسيل قضية منح الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي جنسيتها لأولادها، وعلى طروحاته في مؤتمر الطاقة الإغترابية، قائلة: "هذا رأيه. وهو حرّ. وعلى كل حال، موقفه معروف في هذا الملف"، لافتة إلى أن هناك مشروعي قانونين: مشروع الهيئة الوطنية ومشروع الحزب الاشتراكي، وستتم مناقشتهما في ورشة عمل داخل مجلس النواب، ليتم التصويت لاحقاً أمام الهيئة العامة. نحن لا نقف عند رأي شخص واحد. والبلد ليس فقط التيار الوطني الحر".

وأشارت الطبش إلى مشروع كلودين عون: "لديها اقتراح مختلف. وهذا دليل على أن موقف جبران باسيل لا يعني موقف التيار الوطني الحر. أما بالنسبة إلى "تيار المستقبل"، فهو مع إعطاء المرأة الجنسية اللبنانية الحق في منح جنسيتها من دون أي تمييز".

وعن المخاوف الديموغرافية ترد الطبش: "هذه مجرد حجة"، منوهة إلى أن "الاحصاءات تقول عكس ما يتم الترويج له، فنسبة النساء المتزوجات من أجانب أقل بكثير من نسبة عدد الرجال المتزوجين من أجنبيات"، وسألت: "لماذا لا يتم الأخذ بتلك الاعتبارات حين يصدر مرسوم تجنيس عادي، لا يراعي كذلك التوزيع الطائفي؟".

أبو الحسن: لقانون عادل ومنصف
النائب هادي أبو الحسن الذي يمثل "اللقاء الديمقراطي" أعلن: "ننطلق دائماً في هذه القضية من منطلق إنساني واجتماعي، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية. ونحن مع إعطاء الحق للمرأة اللبنانية بمنح الجنسية لأولادها. وهذا موقف تاريخي لنا، تجدد العام الماضي حين قدمنا اقتراح قانون يجيز إعطاء هذا الحق للأم اللبنانية. الاقتراح ما زال عالقاً في المجلس النيابي. وندعو لجنة الإدارة والعدل واللجنة الداخلية للإسراع في تمريره".

أما بخصوص مواقف باسيل في المؤتمر الإغترابي، فيقول أبو الحسن: "استمعنا إلى طرحه، والذي يجيز لرئيس الجمهورية أن يختار، على مراحل وتباعاً، ووفق القانون، أن يمنح الجنسية لمن يراه مناسباً. وهذا ما نرفضه جملة وتفصيلاً، لأنه يخضع للإستنسابية والمزاجية. وقد يخضع لاعتبارات مذهبية وطائفية نحن بغنى عنها. وبالتالي، لن يكون هناك معيار عادل فيه. ولهذا السبب، لا بد أن يكون هناك قانون يعمل على قاعدة ثابتة، ويطال كل هذه الشريحة التي هي بحاجة إلى الإنصاف بعيداً عن كل حساب آخر".

ويرد أبو الحسن على "خطة" باسيل: "لا يحق لأحد أن يتفرد بأي قرار بالدولة. البلد محكوم بالقانون أولاً والدستور والتوازنات ثانياً. وكنت أتمنى من هذا الفريق أو غيره أن يكون الداعم الأول في مقترحنا في مشروع قانون الجنسية، لكن لم يتأخر الوقت كثيراً. وأدعو كل القوى السياسية، بمن فيها التيار الوطني الحر والوزير جبران باسيل، أن يكونوا من الداعمين لإحقاق الحق عبر اإقرار قانون عادل للجنسية". وتحدث أبو الحسن عن الواقع المرير الذي يعيشه فاقدو الجنسية في بلدهم الأم، مشيراً إلى أن "هناك أشخاصاً يعيشون في لبنان، وهم بحاجة إلى وظائف وطبابة واستشفاء.. وأيضاً الزواج والاستقرار والحياة الطبيعية، فيما العائق الأكبر الذي يقف في وجههم هو الجنسية اللبنانية. لذا، المطلوب هو معيار ثابت، أي حقوق الإنسان". أما عن "رهاب الديموغرافيا"، فيقول أبو الحسن: "يشكل المسيحيون في لبنان 35 في المئة، وهم لهم نصف السلطة في لبنان. كما إن الطائف أنصفهم. فمِمَ يتخوفون؟" مضيفاً: "هناك تكاثر في طوائف معينة ومحدودية في طوائف أخرى. يجب التعامل مع الأمر على واقعيته".

باسيل: المغتربون أولاً!
وبالعودة إلى الطرق الأربع لاستعادة الجنسية التي عددها باسيل وهي: عبر خدمة On line على الموقعhttp://www.Lebanity.gov.lb   وتسجيل الولادات وعقود الزواج في البعثات اللبنانية، وقانون اختيار الجنسية ومرسوم التجنّس، الذي يمنحه رئيس الدولة بالاشتراك مع رئيس الحكومة ووزير الداخلية.. فقد شكلت مادة سخرية لدى بعض الناشطين لسببين: الأول، لأن اللبناني المهاجر منذ 20-30 عاماً لا يبالي باستعادة جنسيته اللبنانية، حسب تعبيرهم. والسبب الثاني، أن الأرقام الأخيرة لمؤسسة "الدولية للمعلومات" كشفت أن عدد المهاجرين اللبنانيين الذين تقل أعمارهم عن أربعين سنة سيصل إلى 56 ألفاً بحلول نهاية العام 2019، فلماذا يتم إعطاء الحق لمن لا يبالي به، فيما هناك من يعتصر قلبه حزناً عليه ويخوض معركة الوجود لأجلها؟ ولماذا يتم التعامل مع الإبن من أم لبنانية على أنه "لاجئ"؟

يشدد باسيل مراراً وتكراراً على أهمية استعادة الهوية اللبنانية، التي من موجبات الحفاظ عليها، حسبه، بذل أقصى الجهود لإعادة اندماج اللبناني المغترب في وطنه الأم، متحدثاً عن "الدمّ"، فيما ليس هناك من يضمد جراح النساء اللبنانيات اللواتي لطالما انتظرن الانتصار لحقهن الذي يكفله الدستور اللبناني كما تجيزه الاعتبارات الاخلاقية والإنسانية والاجتماعية.

"ميزتكم أنكم أبناءُ مجتمع تعدّدي تعلّم كيف يعيش اختلافه وكيف يحترم حقّ الآخر بالوجود وبالانتماء وبالتعبير".. هكذا ختم باسيل خطابه في المؤتمر الإغترابي، كأن معنى كلامه هذا لا يسري على "سياسته". غادر المغتربون إلى بلدهم الثاني في الهجرة وخاب ظن الأم اللبنانية مجدداً.

معركة الجنسية، ربما أحياها باسيل، ونأمل أن لا يحسمها هو وحده.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها