آخر تحديث:00:18(بيروت)
الأربعاء 08/05/2019
share

التعذيب في السجون اللبنانية: صندوق أسود

منى حمدان | الأربعاء 08/05/2019
شارك المقال :
التعذيب في السجون اللبنانية: صندوق أسود توثّق جمعيات حقوقية بشكل دوري تقارير عن التعذيب في لبنان (من الأرشيف)

"أتذكر جيداً المرة الأعنف. أدخلوني يومها إلى غرفة سوداء مظلمة، خالية من كاميرات المراقبة. هذه الغرفة تشبه المستودع. لا يراها ممثلو لجان حقوق الإنسان، الذين يزورون مركز الاحتجاز، حيث كنت. في تلك الغرفة، نسيت كل الضرب "الخفيف" الذي تعرضت له أثناء التحقيقات. كان الضرب عنيفاً جداً في الغرفة السوداء. وحين توقفوا، كان سلكاً كهربائياً مسلّطاً على مكان بين رقبتي وأسفل أذني، تم صعقي به".

القانون الناقص
شادي (اسم مستعار)، لم يكن في السجن حين تعرّض للتعذيب والصعق بالكهرباء. ولم يكن محكوماً، لأنه لم يسمح له بالتحدث مع محام، إلا بعد مرور أشهر من الاعتقال. كان في "مركز احتجاز " في بيروت، هو ذاته جزء من مشروع يعمل لتحقيق إصلاح شامل في السجون اللبنانية!

فيديوهات توثق التعذيب داخل سجن رومية، فيديوهات تظهر تعذيب لاجئين سوريين، "هيومن رايتس ووتش" ومنظمات حقوقية لبنانية، توثّق بشكل دوري تقارير عن التعذيب في لبنان، انتزاع اعترافات خيالية من ممثل ومخرج لبناني تحت التعذيب، وبعد عام من خروجه، لم يُحاسب أحد. مؤشرات كثيرة أخرى، تضاف إلى ما سبق، تجعل التساؤل حول جدية الدولة في التعامل مع موضوع التعذيب في السجون، مشروعاً.

نظرة سريعة على الإجراءات التي اتخذها لبنان في مجال مناهضة التعذيب في السجون تكشف مدى تأخرنا في هذا المجال.

فقد تأخر صدور قانون يجرّم التعذيب حتى أواخر عام 2017، وجاء حينها "ناقصاً"، حسب المنظمات الحقوقية التي انتظرته طويلاً. وأبرزت ثغرات عدة فيه. فهو مثلاً أبقى على بعض قضايا التعذيب ضمن صلاحيات المحاكم العسكرية. أيضاً تأخر إقرار البرلمان اللبناني لقانون إنشاء اللجنة التابعة لـ"الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان"، المكلّفة بمراقبة الوضع الحقوقي، والتحقيق في شكاوى انتهاكات حقوق الإنسان، وإصدار تقارير دورية بنتائجها، ولم يعيّن أعضاؤها حتى آذار/مارس 2017.

أما التزامات لبنان أمام الأمم المتحدة فتأخرت 14 عاماً. إذ نظرت لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة، في التقرير الأولي للبنان في نيسان/أبريل 2017، بما يخالف المادة 19 من اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تم التصديق عليها عام 2000. اللجنة قالت في عرضها للتقرير، إن تأخر لبنان كل هذه السنوات، حال دون إجراء تحليل دوري لمدى تنفيذ الدولة الطرف للاتفاقية. وأشارت في التقرير الرسمي إلى أن الحكومة اللبنانية لم تقدم أي شيء يثبت أنه تمت محاكمة أي شخص بسبب ارتكابه التعذيب.

البحث عن الإنصاف
لم يفكر شادي أبداً في تقديم أي شكوى لمحاسبة من اعتدوا عليه في مركز احتجاز بالضرب والإهانة وسوء المعاملة: "لا يمكنني إثبات التعذيب. في كل مرة كانوا يضربونني بعنف، أو غيري من المحتجزين، كانوا يغسلوننا بالماء بعدها مباشرةً، حتى لا تبقى آثار الضرب على أجسادنا"، قال شادي. ثم تساءل: "حتى لو تقدمت بشكوى من سينصفني؟". الإجابة على تساؤله صعبة جداً، فالقانون، الذي يفترض أن يحميه، يتبنى فترة تقادم من 3 إلى 10 سنوات لمقاضاة مرتكبي التعذيب، تبدأ لحظة إطلاق سراح الضحية. ويحصر حق الضحايا بالادعاء في جرائم التعذيب بمراحل معيّنة من العلاقة مع الأجهزة الأمنية والعسكرية، هي: ما قبل الاحتجاز، التحقيقات الأولية، التحقيقات القضائية، المحاكمات، أو تنفيذ الأحكام، حسب منظمة العفو الدولية.

هكذا يبدو أن كل الجهود التي يفترض أن لبنان بذلها في إطار مناهضة التعذيب شكليةً، لإرضاء المجتمع الدولي ظاهرياً. أما على أرض الواقع، في الحقيقة، فإن كل المؤشرات تؤكد عدم وجود نية حقيقية لتطبيق القانون، وتنفيذ إجراءات المساءلة والمحاسبة في ادعاءات التعذيب، وتحقيق العدالة للضحايا. ولعلّ قضية الممثل زياد عيتاني، الذي استدعته النيابة العسكرية مؤخراً في انتهاك واضح للقانون، هي الامتحان الأول لجدية السلطات في القضاء على التعذيب في السجون ومراكز الاحتجاز. أما الامتحان الأهم أمام مجلس الوزراء فهو تخصيص ميزانية كافية لأعضاء لجنة الوقاية من التعذيب، ليتمكنوا من القيام بمهامهم، التي تتضمن إجراء زيارات مفاجئة إلى أماكن الاحتجاز والتحقيق في اتهامات التعذيب، ومقابلة المتهمين والمحتجزين على انفراد، وإصدار توصيات.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها