آخر تحديث:00:24(بيروت)
الخميس 30/05/2019
share

أحزاب أفسدت الأساتذة والطلاب: موبقات السلطة في الجامعة اللبنانية

مريم سيف الدين | الخميس 30/05/2019
شارك المقال :
أحزاب أفسدت الأساتذة والطلاب: موبقات السلطة في الجامعة اللبنانية الطلاب والأساتذة المستقلّون، الأحرار، أقلية تحاول نجدة جامعة متهالكة (علي علّوش)

كان يكفي أن يتسرب خبر عن نية الحكومة خفض ميزانية الجامعة اللبنانية من جديد، والمس بصندوق تعاضد الأساتذة، ليعلن الأساتذة المتفرغون الإضراب منذ 6 أيار الحالي. وهو ما رفع صرخة الطلاب الخائفين من ضياع عامهم الدراسي، وأيقظ كل مواجع أهل الجامعة من طلاب وأساتذة. فطافت كل المطالب المزمنة والمتراكمة في اعتصام نهار الجمعة الفائت أمام مجلس الوزراء، علّ المجتمعين يفكرون بمصلحة الوطن التي تبدأ من الاهتمام بجامعته.

الطلاب الأحرار وتسلط الأحزاب
وفي حين يدخل إضراب الأساتذة أسبوعه الرابع، يزداد قلق الطلاب على مصيرهم، لكن المستقلين منهم أظهروا وعياً في التعاطي مع الأمر. فهم يدركون جيداً "عدو" الجامعة الحقيقي، وإن عتبوا على أساتذتهم: "فمن هم في السلطة يضربون الجامعة لصالح جامعاتهم الخاصة". هي جملة بات يدركها جيداً طلاب وأساتذة ويرددونها. فلكل قطب من أقطاب السلطة جامعته، التي يريدها أن تكبر وتأسر أبناء "بيئته"، كي لا يكون للوطن "جامعة" جامِعة بل "جامعات" مُفرقة، كي يسود الزعيم.

ويظهر الأساتذة وكأنهم ما يزالون بمعظمهم غير جاهزين أو راغبين بمواجهة فعلية مع السلطة، بل يستسهلون المواجهة عبر الإضراب الذي يمس مباشرة الطلاب. وفي المقابل لا يلوحون لأحزابهم لو باحتمال أن يخرجوا من عباءتها، فلا يهددونها بانتزاع الجامعة منها، وبالتخلي عن الانتماء لهذه الأحزاب ما قد يجعلها تعيد حساباتها. هذه الأحزاب التي تتعاطى مع الكليات كمكاتب تعبئة، تستقطب الطالب منذ دخوله الجامعة، لتدجنه وتجعله تابعاً لنظام يحرمه من فرصة العمل، كي تمننه بمنح فرصة فيما بعد. وأصبحت مجالس الطلاب الممد لها، منذ ما يقارب العشر سنوات، قيّمة على هذه المكاتب. في حين يمنع على الطلاب انتخاب ممثليهم كي لا يعلو صوت فوق صوت الأحزاب. وهو ما بدا واضحاً من مواقف مجالس الطلاب، التي تفلّت من سطوتها طلاب أحرار، قرروا النزول إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم، في مواجهة السلطة الممثلة بكل الأحزاب.

هؤلاء طلاب لا يمتلكون امتيازات طلاب مجالس الفروع، الذين يُمنحون شهادات من دون حضور المحاضرات أحياناً، ويُفتح لهم المجال لإكمال دراساتهم العليا من دون وجه حق على حساب الطلاب الأكفأ، وتُؤمن لهم وظيفة في الجامعة من دون الخضوع لأي معايير. هؤلاء لن يسألوا عن سوء حال المختبرات، فهم قد لا يحتاجونها أصلاً. إذ لا يطلب منهم مقابل الشهادة الجامعية أو الوظيفة سوى الارتهان للجهة التي عينتهم. ولن تعنيهم المباني السيئة التجهيز التي يعاني الطلاب فيها، إما من الحر أو من البرد، ومن عدم توفر الحمامات الصالحة للاستخدام. فعلى الطالب أحياناً البقاء يوماً كاملاً في مبان لا تتوفر فيها المقومات اللازمة لذلك. هي نفسها المباني التي تحدث عنها منذ حوالى خمس سنوات رئيس الجامعة السابق عدنان السيد حسين في حفلة تخرج طلاب كلية العلوم، يومها ألقى السيد حسين خطاباً يهاجم فيه الهدر والفساد. وقال حينها أن كلفة استئجار بعض مباني الجامعة تبلغ 12 مليون دولار سنوياً، وأنه مبلغ كاف لإنشاء مبنى بتجهيزات حديثة كل عام. ورغم مرور السنوات والحديث عن رغبة بمكافحة الهدر، إلا أن أحداً لم يقرر بعد التخلي عن المباني المهترئة وتجهيز مبان حديثة، ربما لغاية في نفس منتفع. وما يزيد الأمر سوءاً تركيب البرامج والدوام بما يتناسب وأوقات الأساتذة، الذين لديهم الكثير من الانشغالات خارج الجامعة، وإن كانوا متفرغين، ليرمى الطلاب ببرنامج قد يتضمن خلال اليوم الواحد أربع ساعات فراغ أو أكثر، وهو ما يستهلك طاقة الطلاب، كما يحرمهم من فرصة العمل أثناء الدراسة.

عيوب الأساتذة ومأساة المتعاقدين
وفيما قد يتحمل الطلاب هذه المشكلات، يبقى أكثر ما يستفزهم استخفاف عدد لم يعد يمكن الاستهانة به من الأساتذة بواجباتهم التعليمية. إذ يستخف هؤلاء بعقل الطالب، فيعتقدون بأنه لا يميز بين أستاذ يكتفي بقراءة المادة وآخر يشرحها. أو بين الأستاذ المتمكن من مادته، والمتابع لكل جديد فيها، وذلك الذي اكتفى بالحصول على شهادة دكتوراه، وتوقف عن متابعة أي جديد وعن مواكبة تطور المهنة، التي يهيء الطالب لدخولها. ومن الطلاب من وصل به اليأس لمرحلة جعلته، وإن اكتشف لعبة أستاذه، فإما يتجاهلها أو يتماشى معها. إذ استسلم لفكرة استحالة الإصلاح، ليقتنع بطموح أقل من اكتساب المهارات اللازمة، فيصبح همه مجرد الحصول على شهادته الجامعية، بانتظار فرصة تدريب تمكنه من اكتساب المهارات التي يتطلبها سوق العمل. فيما الجامعة الأكبر في لبنان والأكثر انتشاراً، عاجزة عن تأمين فرص تدريب لطلابها.

كما للطلاب، للأساتذة أيضاً معاناتهم في الجامعة. وإن سبّب أداء بعضهم السيء بتعميم صورة سلبية لأستاذ الجامعة اللبنانية، إلا أن ذلك لا يعني تأييد إجراءات "تقشفية" تصيب الأستاذ الكفوء قبل غيره، بدل المطالبة بإجراءات ترفع من مستوى أداء جميع الأساتذة. ففي الجامعة 5465 أستاذاً، 2003 منهم فقط متفرغون في الجامعة. فيما يعمل 3462 أستاذ بدوام جزئي، بعقد يسمى عقد مصالحة ،73 في المئة منهم من حملة شهادة الدكتوراه، وهو واقع وصفه رئيس الجامعة اللبنانية، فؤاد أيوب، بالمعيب بحق الجامعة.

ويصف الأستاذ المتعاقد في الجامعة اللبنانية الدكتور محمد الحسيني حياة الأستاذ المتعاقد في الجامعة اللبنانية بالجحيم، فهو متعاقد في الجامعة منذ العام 2010، أي منذ حوالى 9 سنوات. ويقول الحسيني بأنه كان من المفترض أن يتفرغ في العام 2014، لكن ملف التفرغ في حينها تضمن الكثير من الشوائب. ويروي أنه تقدم مع 68 أستاذاً بطعن بالملف أمام مجلس شورى الدولة، من دون أن يتم البت بالطعن حتى الآن. ويعاني الأستاذ المتعاقد في الجامعة من عدم ضمه لأية جهة ضامنة، وبالتالي فقدانه للضمان والتغطية الصحية. ولا يقبض المتعاقد راتبه عند نهاية كل شهر، فعند بدء تعاقده عليه الانتظار سنتين ليقبض راتب السنة الأولى في نهايتهما، بعدها يقبض في كل عام راتبه المتأخر عاماً عن موعده، ويحسم منه نسبة 10 في المئة كضرائب. وأحياناً، وبحجة عدم توفر الأموال، قد يتأخر الراتب حتى ثلاث سنوات. علماً أن الراتب السنوي للأستاذ المتعاقد وفي حال عمل بنصاب كامل، قد يساوي ما لا تتجاوز قيمته أربع رواتب شهرية لأستاذ متفرغ، وفق الحسيني.

صفوف وهمية ونكايات
وفي السنوات الأخيرة ونتيجة لارتفاع عدد حملة شهادة الدكتوراه، وازدياد الهيمنة الحزبية على الجامعة، باتت عقود التعاقد، وتوزيع ساعات التعليم على المتعاقدين، تخضع بشكل شبه كامل للواسطة والمحسوبيات، في ظل تعطيل عمل اللجان العلمية. وفي مقابل الصفوف الوهمية، التي قد تفتح كرمة لمتعاقد مدعوم، كي يرفع راتبه أو يؤمن بسرعة النصاب اللازم بما يسهل تفرغه، فإن النكايات قد تمكن المسؤولين من تخفيف نصاب أستاذ ما، أو طرده بطريقة غير مباشرة، عبر خفض نصابه على نحو يدفعه للبحث عن عمل في مكان آخر. وهي طريقة تعتمد لإبلاغ بعض الأساتذة بالطرد بشكل غير مباشر. فالأستاذ المتعاقد لا يعرف الأمان الوظيفي.

وما يصيب الطالب جراء الإضراب من ضرر، يصيب أيضاً الأستاذ المتعاقد في الجامعة. فالمتعاقد لا يقبض إلا لقاء ساعات التعليم المنفذة، ويأتي الإضراب ليخفض منها فيخفض رواتب المتعاقدين. وحتى وإن اتخذ قرار بتمديد العام الدراسي، فإن الأساتذة المتعاقدين، والذين يضطر معظمهم للتعليم في جامعات خاصة، سيعانون من تضارب بين ساعات التدريس المقررة سابقاً في الجامعات الخاصة، وتلك التي سوف تمدد في الجامعة اللبنانية لتعويض ما فات الطلاب. وهو ما قد يدفع بالمتعاقدين للتخلي عن حصصهم في الجامعات الخاصة، خشية خسارة نصابهم في اللبنانية. فمن الصعب تأمين نصاب في "اللبنانية"، وفي حال التخلي عنه يمكن استبدال الأستاذ بسرعة، بسبب التخمة في عدد الأساتذة الذين يقدمون ملفاتهم للتدريس فيها، حسب الحسيني.

غياب الأمان
وإذ يطمح الأساتذة المتعاقدون إلى التفرغ فإن المتفرغين يطمحون إلى دخول ملاك الجامعة. فهذا الدخول يتطلب إصدار مرسوم موقع من رئيس الجمهورية. ومن دونه لا يمتلك الأستاذ المتفرغ في الجامعة اللبنانية حصانة الثابت في مؤسسات الدولة. فالتفرغ عقد بنصاب كامل يتجدد كل سنة، ويحصل بقرار يتخذ في مجلس الوزراء، يقضي بالسماح للجامعة بتوقيع عقد مع الأستاذ. ويخشى المتفرغون من المس بصندوق الأساتذة لخطورة الأمر وضرره عليهم إذ أنهم، وعلى العكس من الأساتذة في الملاك، غير منتسبين لتعاونية موظفي الدولة. ويستفيد الأستاذ في الملاك من عطلة "السنة السابعة" المخصصة البحوث، ويحصل على معاش تقاعدي، وهو ما لا يحصل عليه الأستاذ المتفرغ، الذي يقبض عند تقاعده تعويض نهاية الخدمة فقط. ولا يُشعر التفرغ الأساتذة بالأمان الوظيفي. إذ يخشى بعضهم من أن تؤدي النكايات السياسية أو تغريدهم خارج سرب الأحزاب من استهدافهم، وفسخ عقد التفرغ معهم.

وقبل إضرابهم، الذي تزامن مع طرح الموازنة في مجلس النواب، وتهديد الإجراءات التقشفية بالمس بمخصصات الأساتذة، كان الأساتذة قد أضربوا عدة مرات للمطالبة بمنحهم ثلاث درجات، أي زيادة في الراتب بحوالى 675 ألف ليرة لبنانية، بهدف تحقيق ما اعتبروه عدالة الرواتب. إذ يعتبر الأساتذة أنهم وعندما منحوا سلسلة الرواتب قد منحوا شكلياً زيادة بنسبة 80 في المئة لكن الزيادة الفعلية بلغت 35 في المئة. إذ تم رفع نصابهم في مقابل منح الزيادة. كما أنه ونتيجة للتلازم بين رواتب القضاة وأساتذة الجامعة، فقد وُعد الأساتذة، قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، بمنحهم ثلاث درجات تيمناً بما حصل عليه القضاة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها