آخر تحديث:01:25(بيروت)
الجمعة 03/05/2019
share

شبعا ومزارعها.. مرآة الغثيان اللبناني (1 من 2)

محمد أبي سمرا | الجمعة 03/05/2019
شارك المقال :
شبعا ومزارعها.. مرآة الغثيان اللبناني (1 من 2) تعود اليوم المزارع - الذريعة إلى دورها الإعلامي الغثياني (علي علّوش)
يستعيد بعض الساسة اللبنانيين اليوم مسألة مزارع شبعا في تصريحاتهم وتغريداتهم، بعد إقدام إسرائيل على ضم هضبة الجولان السورية المحتلة منذ العام 1967 إلى أراضيها واعتبارها إسرائيلية. وغداة انسحاب الجيش الإسرائيلي من الشريط الحدودي اللبناني الجنوبي في العام 2000، استعمل "حزب الله" وأمينه العام حسن نصر الله المزارع إياها التي لم يشملها الإنسحاب الإسرائيلي ("التحرير") واحدة من ذرائعه للإحتفاظ بسلاحه وبقائه ملتزمًا دور المقاومة الدائمة حتى اكتمال "التحرير". وفي غمرة إنجاز قوى الإستقلال اللبنانية تحرير لبنان من السيطرة الأمنية والسياسية السورية الأسدية، جرّ "حزب الله" لبنان إلى حروب مع الدولة العبرية في تموز 2006، واستعمل انتصاره المزعوم فيها لتفكيك تلك القوى الاستقلالية الهشة، المضطربة والمرتكبة أصلًا، والمرتاعة من حملة الاغتيالات المنهجية التي تعرضت لها في سياق الاستقواء عليها وإخضاعها لسياسة الحزب الخميني الإقليمية. وفي سكرة انتصاره المزعوم نسى الحزب إياه مزارع شبعا، فيما حاولت الحكومة اللبنانية الإستقلالية الأولى بعد اغتيال رفيق الحريري وجلاء الجيش السوري وأجهزة استخباراته عن لبنان في نيسان 2005، انتزاع اعتراف رسمي سوري بأن المزارع لبنانية وليست سورية، كي تسعى بالضغط الدبلوماسي الدولي لجلاء إسرائيل عنها، والمتذرعة بأنها أرض سورية احتلتها مع الجولان منذ العام 1967، فيما استعملتها السياسات السورية الأسدية ذريعة لاستمرار "وحدة المصير والمسار" بين لبنان وسوريا، ولاستمرار مقاومة إسرائيل من لبنان وحده منذ العام 1973. وهي المقاومة التي أدت إلى حروب لبنان الأهلية - الإقليمية وتمزيقه منذ سبعينات القرن العشرين، وورثها "حزب الله" ما بعد الحملة العسكرية الإسرائيلية على لبنان صيف 1982.

واستمر حزب الحروب الدائمة على نسيانه مزارع شبعا، ونقل قواته إلى سوريا وشارك في الحرب على شعبها الثائر على نظام الأسد منذ العام 2011. وها هي المزارع - الذريعة تعود اليوم إلى دورها الإعلامي الغثياني بعد ضم إسرائيل الجولان السوري المحتل.

أساطير وحدود
الحق أن تلك المزارع نموذج مصغر عن قصة "لبنان القوي بضعفه" في سياسات النخبة السياسية اللبنانية (المسيحية تحديداً) في مواجهة أنظمة العروبة العسكرية التي حاولت زجه في منازعاتها وعداواتها منذ خمسينات القرن العشرين. فما هي تلك القصة؟

قبل خلوها تمامًا من المزارعين والرعاة في مطلع السبعينات، كانت مزارع شبعا الكثيرة تنتشر على كتلة مرتفعة من الهضاب الجبلية الخضراء الممتدة إلى الجنوب من قمم جبل الشيخ (حرمون) الشاهقة الجرداء الفاصلة بين لبنان وسوريا، وصولًا إلى التخوم الشمالية لسهل أو غور الحولة في فلسطين. وهي هضاب المقلب الغربي اللبناني من الجبل الذي تنحدر كتلته الضخمة حتى منبع نهر الحاصباني ومجراه وتخوم سهل مرجعيون، وحتى تخوم هضبة الجولان السورية على المقلب الشرقي للجبل نفسه.

قبل بدء أهالي شبعا- وهي قرية جردية في وادٍ منعزل في سفح قمة جبل الشيخ - بإقامة منتجعات شتوية لقطعان ماعزهم في تلك الهضاب، كانت على الأرجح هضاباً برية غير مأهولة. فروايات الشبعاويين لا تربط بتاريخ محدد ومعلوم حركة الانتجاع التي خرجت من بلدتهم في اتجاه الهضاب جنوباً. وحين يحاول محدثهم حثّ ذاكرتهم للوقوف على حادثة أو قرينة قد تفضي إلى ربط حركة الانتجاع بتاريخ ما، غالبًا ما يقولون إن بلدتهم نشأت منذ نحو 600 سنة، وأن المزارع موجودة في ذاكرتهم وجود بلدتهم، وتضاعف بعدما طردتهم إسرائيل منها واحتلتها في مطلع السبعينات. وفي رواياتهم غالباً ما يتحدثون عن القِدم السحيق لما يسمونه "مزار إبراهيم الخليل" الذي يعرفونه أيضاً باسم "مشهد الطير"، وينسبونه إلى إقدام النبي ابراهيم – بعدما أمره الله - على ذبح طيور أربعة ودق لحمها وخلطها في المكان الذي أنشئ فيه لاحقًا المزار، بعدما نادى النبي الطيور، أي كتلة اللحم المسحوق، وأمرها بالطيران، فانبعثت حية وطارت. ولم يتوقف أهالي شبعا عن الوفاء بنذورهم وأضاحيهم لـ "مزار مشهد الطير" هذا إلا بعد ما عزّ عليهم الوصول إلى مزارعهم التي يقع في وسطها، ويتجاوز عددها 15 مزرعة شبه عائلية مسكونة ولكل منها اسم يميزها عن الأخرى، وتنتشر على الهضاب وبين الشعاب الحرجية على مسافة نحو 20 كلم جنوب بلدتهم. وغالباً ما يتحدثون عن بقايا آثار قديمة في المزارع ويقولون إنها تعود إلى عهد الرومان والممالك القديمة، مع ألوف أشجار الزيتون الألفية المعمرة.

وتختلط في مرويات أهالي شبعا وتلتبس أسبقية نشوء بلدتهم على نشوء المزارع، لكن الراجح أن أهالي شبعا أنشأوا قريتهم وتوطنوا فيها مع مزارعهم في أزمنة متعاقبة وافدين من سهل الحولة وحوران ونواحي سوريا وفلسطين. والثابت أن المزارع شهدت ازدهارها ما بين القرن التاسع عشر ومطلع خمسينات القرن العشرين، فتنامى فيها الرعي والزراعة (الحبوب والزيتون) وكانت مصدرًا أساسيًا لمعاش أهالي شبعا، قبل ازدهار زراعة البساتين المثمرة المروية حول بلدتهم في أواخر الأربعينات. وكان كل مزرعة من المزارع المزدهرة في تلك الحقبة المديدة تضم حوالى 8/15 بيتاً لإقامة دائمة أو متنقلة بينها وبين القرية الجردية. ومن لم يزر المزارع إلا بعد نشوء دولة إسرائيل في فلسطين، كان يذهله في أواسط الخمسينات مشهد برك الماء في سهل الحولة المحتل، حيث تشعشع المستعمرات اليهودية ليلًا بأضواء الطاقة الكهربائية، فيما يسهر الشبعاويون لياليهم على أضواء نيران يشعلونها أمام بيوتهم في مزارعهم، وعلى ضوء القناديل في بيوتهم في القرية. وكانت الدهشة إياها تصيب أهالي شبعا من أجيال سابقة، فيما هم يشاهدون أولى موجات المستوطنين اليهود يستخدمون الجرارات في حراثة أراضي سهل الحولة واقتلاع نباتات السدر منها وزراعتها على نحو هندسي منظم.

مزرعة المغر الحائرة
الثابت في حياة أهالي شبعا وذاكرتهم أن مزارعهم تقع في أرض لبنانية منذ صاروا هم لبنانيين أو حملوا الجنسية اللبنانية بعد نشوء "دولة لبنان الكبير" سنة 1920. لكن المزرعة الأكبر والأكثر ازدهارًا ببيوتها ووفرة محاصيلها والإقامة الدائمة فيها - وهي مزرعة مغر شبعا على كتف سهل الحولة، ويتكاثر فيها أبناء عائلات ماضي وسرحان والزغبي الشبعاوية - كانت الوحيدة الواقعة مع أراضيها الزراعية داخل الأراضي السورية بناء على الحدود التي رسمتها سلطات الانتداب الفرنسي والبريطاني. ولأن المقيمين في تلك المزرعة الكبيرة شبعاويون أبًا عن جد اختاروا حمل الجنسية اللبنانية. وعندما حاولت السلطات السورية بعد الاستقلال تجنيسهم رفضوا استبدال جنسيتهم اللبنانية، ولشدة ما تعرضوا لمضايقات الأمن السوري في الأربعينات والخمسينات، وخصوصاً بعد قيام دولة إسرائيل سنة 1948، حاول أهالي مغر شبعا الحصول على الجنسية السورية للخلاص من عسف الاستخبارات السورية، رفضت سلطات سوريا تجنيسهم. لذا فضلوا ترك مزرعتهم تباعًا حتى هجروها تماماً عام 1967 واحتلتها اسرائيل، قبل أن تستكمل احتلال المزارع تباعاً في السنوات الثلاث التالية.

(غداً الجزء الثاني) 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها