آخر تحديث:00:08(بيروت)
الثلاثاء 28/05/2019
share

"قصرنبا" روح الورد وماؤه بحقول تحبس الأنفاس

لوسي بارسخيان | الثلاثاء 28/05/2019
شارك المقال :
  • "قصرنبا" روح الورد وماؤه بحقول تحبس الأنفاس
    كي لا يخسر الورد من روحه، من يقطفه عليه تصريفه فوراً، ومن يشتريه عليه تصنيعه فوراً (لوسي بارسخيان)
  • يتعرض إنتاج ماء الورد إلى مضاربة من الإنتاج الصناعي الرخيص (لوسي بارسخيان)
    يتعرض إنتاج ماء الورد إلى مضاربة من الإنتاج الصناعي الرخيص (لوسي بارسخيان)
  • كركة التقطير (لوسي بارسخيان)
    كركة التقطير (لوسي بارسخيان)
  • تُنتج قصرنبا سنوياً حوالى 150 طناً من الورد (لوسي بارسخيان)
    تُنتج قصرنبا سنوياً حوالى 150 طناً من الورد (لوسي بارسخيان)
  • تتعاون أيادي أهل البيت على قطف الورد قبل بزوغ الشمس (لوسي بارسخيان)
    تتعاون أيادي أهل البيت على قطف الورد قبل بزوغ الشمس (لوسي بارسخيان)

تفحّ رائحة الورد من بلدة قصرنبا، في قضاء بعلبك، بمثل هذه الأيام من السنة، مع انتظام حياة أهلها اليومية حول الـRosa damascene. فالوردة التي تعتز قصرنبا بجودة نوعيتها في تربتها البيضاء "المرضعة"، تتسلل من مساحات حقولها في المرتفعات إلى المنازل، لتعيد تشغيل قطّارات استخراج ماء الورد فيها، بالتزامن مع موسمها القصير، سعيا لتأمين مورد رزق إضافي، سهل وممتع وراسخ في تقاليد أهل البلدة منذ عقود طويلة.

منذ الفجر
لا يخطئ الأنف عندما يخبرك برائحة الورد أنك وصلت إلى بلدة قصرنبا. وتحديدا إلى مكتب المختار ضاهر الديراني، الذي يشكل في مثل هذه الأيام من السنة، تجمعاً للقسم الأكبر من إنتاج الورد، ومحطة ينتقل منها إما إلى المصنعين، أو إلى كركته الخاصة.

تبدو الحركة هنا منتظمة بشكل واضح، وهي تبدأ مع ساعات الفجر الأولى، حين يقصد الحقولَ أصحابُها، لتتعاون أيادي أهل البيت على قطف الورد قبل بزوغ الشمس. من يملك كركة ينقل الإنتاج إلى بيته. أما من يتعدى إنتاجه قدرته على التصنيع، فيبيعه فوراً للتجار. لا وقت لإضاعته مع الورد، وكل دقيقة تأخير يمكن أن تشكل خسارة بوزنه وبسعره، ولذلك تجد العملية في تتابع مستمر. من يقطف الورد عليه تصريفه فوراً، ومن يشتريه عليه تصنيعه فوراً أيضاً، وإلا خسرت الوردة من روحها.

هدوء البلدة الإعتيادي يتبدل في مثل هذا الوقت من السنة، ليبدو الأمر كاحتفالية يتشارك فيها جميع سكانها على مدى 25 يوما متتالياً. إذ لا يمكن الحديث عن مزارعي ورد في قصرنبا، وإنما عن حقول عائلية، يتعدى عددها الثلاثمئة، كما يشير المختار الديراني، تنتج سنوياً نحو 150 طناً، تكفي الحاجة المحلية لصناعة ماء الورد على أنواعه، مع تأمين تصدير قسم منه إلى الخارج أيضاً.

كثرة هذه الحقول تحبس الأنفاس لمشهدها الخلاب. وخصوصا في مرتفعات البلدة، حيث تشكل تربة قصرنبا الكلسية، البيئة الأكثر ملاءمة لوردة الـRosa damascene، التي تتكاثر هامشياً في المنحدرات من دون حاجة للري، أو العناية.

الموسم المتأخر
يلفت المختار ديراني في المقابل إلى تجارب جرت لنقل زراعة هذا الورد إلى السهل، إلا أن "عقصة" الوردة وحجم أوراقها، ورائحتها، لم تضاه تلك التي تنمو في المرتفعات: "لأن الأرض المنخفضة تشرب عنها وعن غيرها" كما يقال، فيما هذه الوردة تعطي إنتاجاً أفضل كلما كانت بعلية غير مروية. وعليه، يقول الديراني، عدل الأهالي عن الأمر خصوصاً عندما لاحظوا انعكاس ذلك على إنتاج ماء الورد ودسامته.

تبدو ثقة أهالي قصرنبا مطلقة في المقابل بالوردة التي تنمو في أرضهم، ومع أن أصول تسمية الـRosa damascene التي تعيده إلى بلاد الشام، وبينت أيضاً تواجده في سوريا وتركيا والعراق، إلا أن أهالي قصرنبا يعتبرون أن النوع الموجود لديهم، يسمح باستخراج كمية أكثر تركزاً من ماء الورد. هم يثقون تماما بأن أي موسم منه لن يخذلهم، حتى لو تبدلت العوامل الطبيعية والمناخية. وعليه لم يقلق الأهالي كثيرا عندما تأخر تفتح الورد في الموسم الحالي نتيجة لتمدد فصل الشتاء إلى شهر نيسان، لتأتي جودة الورد على قدر تطلعاتهم، فلم يؤثر برد نيسان سوى على موعد تفتح الورد، الذي تأجل من منتصف نيسان حتى أوائل شهر أيار، مفسحا بذلك مزيدا من الوقت لتصريف إنتاج العام الماضي الذي تأخر تصريفه بسبب الأزمات الاقتصادية.

تجارة وسياحة و"مونة"
غير أن ما ينغص على "ورد قصرنبا" حاليا هو تراجع سعر الورد، المرتبط أيضا بسوق العرض والطلب. ويعيد الديراني ذلك إلى غياب الرقابة على أنواع ماء الورد المستخدم في صناعة الحلويات خصوصاً، وإلى كون هذه المنتج من الكماليات التي يمكن الإستغناء عنها، على رغم فوائده، بالإضافة إلى المضاربة التي يتعرض لها من أنواع ماء الورد التجارية، التي أغرقت الأسواق بأسعار منافسة.

مع ذلك، لا يمكن لليأس أن يتسلل بين ورد قصرنبا، بل يصر الأهالي على تشغيل الكركات ولو لتأمين "مونة البيت" معتبرين صناعته بمثابة تسلية لا تسمح بإضاعة موسم، وتوفر مدخولاً إضافياً للعائلات في آن معا.

وبمقابل تراجع القيمة التجارية لورد قصرنبا، يعول أهلها على الأهمية السياحية التي بدأ باكتسابها. يقول المختار الديراني "من خلال هذا الورد تعرفنا على تجار ومصنعين من مختلف أنحاء لبنان. وبفضل ورد قصرنبا أصبح لدينا أصدقاء من مغدوشة القلمون وجبيل. ومن معظم المناطق الجبلية التي تعرفت على وردنا".

يجذب موسم قصرنبا القصير مع الورد هواة السياحة البيئية، سواء من خلال رحلات إستطلاعية جرت لتحديد خصوصية هذه المنطقة مع الورد، أو من خلال تنظيم رحلات إليها مع بداية الموسم الحالي. الأمر الذي يعزز من أهمية الورد في التركيبة الاجتماعية للبلدة، خصوصاً أن معظم أهلها قد لا يكونوا مطلعين بشكل كاف على تاريخهم مع الورد وزراعته وتصنيعه، ولكنهم متمسكون بتوارثه من جيل إلى جيل، ومنذ أكثر من ثلاثمئة سنة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها