آخر تحديث:00:16(بيروت)
الجمعة 10/05/2019
share

كهرباء المنصورية: لنجرّب فاعليتها في شواء أدمغة الأطفال

وليد حسين | الجمعة 10/05/2019
شارك المقال :
  • كهرباء المنصورية: لنجرّب فاعليتها في شواء أدمغة الأطفال
    لم يبق للأهالي إلا انتظار هبوط الرحمة الإلهية عليهم (ريشار سمّور)
  • القوى الأمنية تحاصر الأهالي لمدّ خطوط التوتر (ريشار سمّور)
    القوى الأمنية تحاصر الأهالي لمدّ خطوط التوتر (ريشار سمّور)
لم يفضِ الاجتماع الذي حصل بين وزيرة الطاقة ندى البستاني وممثلين عن أهالي القرى المتضررة من خطوط التوتر العالي، برعاية البطريرك بشارة الراعي، إلى نتيجة. حاول الأهالي، المتسلحين بخبرائهم وبالمعايير الأوروبية، إقناع الوزيرة بالضرر اللاحق بهم، لكن من دون جدوى، كما قال المختار ديغول عازار، الذي كان حاضراً في الاجتماع، في حديث إلى "المدن". فوزارة الطاقة تقرّ بعدم وجود ضرر على السكان، وخصصت لـ"وصلة المنصورية" منشوراً ترويجياً جاء فيه أن "مؤسسة كهرباء لبنان وبالتعاون مع مؤسسات دولية ذات اختصاص، ومنها كهرباء فرنسا، قامت بإجراء عملية قياس للمجال المغناطيسي في المناطق القريبة من خطوط التوتر العالي، وثبت أن مستويات الحقل المغناطيسي هي أقل بكثير من المستويات العلمية المعمول بها والمقبولة عالمياً، وهي 100 ميكرو تيسلا". بينما الأهالي يصرّون على أن المعايير الأوروبية، تثبت بأن المرور تحت حقل بهذه القوة غير مضرّ، لكن هذا ليس شأن السكن تحتها بشكل دائم، إذ لا يجوز أن تتجاوز قوة حقلها المغناطيسي نسبة 0.4 ميكرو تيسلا في هذه الحالة. وقد طلبوا من "الوزيرة تشكيل لجنة محايدة تضم خبراء من الجامعة اللبنانية وجامعة القديس يوسف والجامعة الأميركية، وما تقرره يسير به الجميع، لكنها رفضت رفضاً قاطعاً، وكانت بغاية السلبية، ولم تقبل بهذا العرض رغم توسّل البطريرك لها"، كما قال نجم.

تلاعب بالتقرير
تتسلح وزارة الطاقة لمد خطوط التوتر العالي فوق رؤوس أهالي المنصورية وبيت مري وعين نجم والديشونية، بتقارير علمية تنفي وجود ضرر على القاطنين في حال تعرّضهم للحقل الكهرومغناطيسي الناتج عن تلك الخطوط. ففي المنشور الآنف الذكر، وتحت عنوان "عدم ثبوت وجود ضرر صحي"، جاء، إضافة إلى استشارة كهرباء فرنسا، أن اللجنة الوطنية المؤلفة من المعنيين، والتي تشكلت بقرار من مجلس الوزراء في العام 2008 برئاسة وزير الصحة، خلصت "نتيجة الدراسات لمعايير المخاطر الصحية، إلى عدم وجود أي مخاطر صحّية ذات دلالة من جراء التعرض للمجالات الكهربائية ذات التردد الشديد الانخفاض، بالمستويات التي يتعرض لها الجمهور بشكل عام".

لكن الأهالي يشككون في صحة هذا التقرير ويقرّون بأن "هناك تلاعباً جرى فيه. فلدى مراجعة وزارة الصحة تبين لهم أن عدّة أطباء في اللجنة رفضوا التوقيع على التقرير، وتم تزوير توقيعهم، وتحققوا من الأمر بعد مراجعة الأطباء المعنيين، الذين أقروا لهم أنهم رفضوا التوقيع، لما لخطوط التوتر تلك من مخاطر على السكان" كما قال عازار.

لذا، تواصلت "المدن" مع الدكتور سليم أديب، الذي كان عضواً في اللجنة، وهو أستاذ في "طب المجتمع" في الجامعة الأميركية في بيروت، وأكّد حصول التلاعب في التقرير. "فالوزارة تجاهلت خطط العمل الموضوعة، ووضعت تقريراً "شغل إيدها"، ولم يتسن للأطباء المعترضين معرفة كيفية وضع التقرير، ورفضوا مضمونه والتوقيع عليه، لما في الأمر من مخاطر على السكان، ورغم ذلك أوردوا أسمائهم من ضمن الموقعين" وفق أديب.

التجريب على السكان
يؤكّد أديب أن "ثمة إثباتات علمية كافية تقرّ بأن التعرض المتواصل للحقل الكهرو مغناطيسي، الناتج عن هكذا خطوط توتر عالي، له أضرار كثيرة، بعضها مثبت وأخرى غير معروفة بعد. لكن المؤكد إلى اللحظة إصابة الأطفال باللوكيميا. وهناك دراسات مكدسة لدى المؤسسة العالمية لبحوث السرطان، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، تضع تلك الحقول من ضمن المسببات الممكنة للسرطان". وهذا سبب كاف حسب أديب "لضرورة تفادي تعريض الناس للحقول الكهرومغناطيسية، بمعزل عن عدم معرفة مدى تسببها المباشر للسرطان، كون الطريقة الوحيدة للتثبت من الأمر هي التجريب بوضع البشر لمدة زمنية معينة تحتها".

بمعنى آخر: "علينا وضع سكان قرية ما بالقرب من خطوط التوتر وعلى أبعاد تتراوح بين 8 و30 متراً، كما هي حال أهالي المنصورية، وبعد عشر سنوات نكتشف إذا ما كانت أدمغة الأطفال ستشوى بالسرطان أم لا". وأضاف أديب متألماً "هذا الاختبار لم يقدم عليه أحد بعد. لكن في أكثر من منطقة حول العالم، وحيث وضعت تلك الخطوط من دون تخطيط مسبق، حدث هذا الأمر. وهناك أوراق بحثية كثيرة حولها. وطالما أن هناك أبحاث كثيرة في اليابان والمملكة والمتحدة وإيران والجزائر أقرّت بوجود مخاطر على الأطفال، يفترض وقف هكذا مشروع وعدم تنفيذه عنوة، خصوصاً أن حلولَ مدها تحت الأرض موجودة وممكنة". وإذ تأسّف لعدم وجود مثل تلك الأبحاث في لبنان، ختم، رداً على سؤالنا إن كان يريد إغفال اسمه، بالقول: "أنا الدكتور سليم أديب، كلامي هذا أنا مسؤول عنه. هناك مخاطر حقيقية كافية، ولا يمكن أن نتأكّد منها بشكل أفضل، إلا من خلال الاختبار على أبناء المنصورية ولبنان بشكل عام".  

التعويض على السكان
وفق المختار عازار يوجد نحو 600 مبنى سكني، إما تحت أو إلى جانب خطوط التوتر العالي، التي تمدد حالياً بواسطة الاستعانة بالقوى الأمنية. وقد جاء في منشور الوزارة الآنف الذكر، تحت بند "عرض حلّ عملي على سكان المنصورية-عين نجم"، أنه "من أجل معالجة مشكلة الساكنين ضمن حرم وصلة المنصورية عين نجم.. وذلك ضمن معيار محدد وهو حرم الخط، وافق مجلس الوزراء في قرارين عائدين للعامين 2011 و2012 وبناء على اقتراح وزارة الطاقة والمياه على شراء الوحدات السكنية من الراغبين من الأهالي المعنيين". وحسب القرار رقم 40 بتاريخ 25-1-2012 الصادر عن الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء، يتضمن العرض شراء المباني "بعد تخمينها حسب الأسعار الرائجة وذلك بتخفيض 20 بالمئة من سعر التخمين". لكن الأهالي ورغم رفضهم لفكرة هذا التعويض المنقوص، ولفكرة مدّ الخطوط فوقهم أساساً، يعتبرون أن مجرد طرحه يعتبر بمثابة إقرار من الدولة بوجود الضرر الواقع عليهم، كما يشدّد عازار.   

لم يبق للأهالي إلا انتظار هبوط "الرحمة الإلهية" عليهم كما يقول عازار. فهم سيستمرون واقفين في الطريق، في محاولة قد تكون يائسة لمنع المشروع، بعدما عدموا جميع السبل. وأضاف مستذكراً جملة جاءت على لسان الوزيرة في اجتماع بكركي، للدلالة على عدم إلمامها بالملفات التي بين يديها: "قالت الوزيرة في الاجتماع أن هذا المشروع موضوع منذ العام 1931، ولم نعرف من أين أتت بهذه المعلومة، إذ لم يكن في المنطقة كلها محطة كهرباء واحدة حينها".
وهذه عبرة إضافية عن معاناة أهالي المنطقة مع وزارة الطاقة غير المنصتة لهم، وغير المدركة لما هم عارفين.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها