آخر تحديث:00:23(بيروت)
الجمعة 05/04/2019
share

لماذا تحبّ طرابلس القاضي جناح عبيد؟

جنى الدهيبي | الجمعة 05/04/2019
شارك المقال :
لماذا تحبّ طرابلس القاضي جناح عبيد؟ الموقوفون يدعون بالحمد والشكر حين تُحال ملفاتهم إلى مكتبه (المدن)

في ظلّ التركيز الإعلامي على "القضاة الفاسدين"، رحنا نبحث، صوناً لسمعة القضاء، كآخر ملجأ للثقة بالدولة والنظام، عن نموذج قاضٍ جادٍ ونزيه، يتعايش مع الضغط المحيط به، على المستوى السياسي، وعلى مستوى الأجهزة المساعدة له في عمله. المشكلة الفعلية، هو أنّ القاضي النزيه، الذي لا يتجاوب مع الضغط الذي يحيطه، قد يسعى "كثيرون" من السياسيين، الذين "يشتمون" علنًا الفساد في القضاء، من دون أن يتجرأوا على تسمية المفسدين، إلى عدم تمرير الملفات التي تهمهم تحت يديه، ويكون وفق المنطق اللبناني، "قاضٍ لا ظهر له"، ويتمّ تجاهله.

السياسة وفساد القضاء
لا ينفصل فهم قصور العدل في لبنان، عن فهم الحركة السياسية. فالمراجع السياسية ومراكزها، وما يسمى بـ"زعامات" البلد، تولي اعتبارًا أساسيا لمصادر نفوذها في القضاء وفي المؤسسات العدلية بلبنان. هكذا تسلل فساد خاص جدًا في هذا السلك، لا يشبه الفساد "العادي". فعمق المشكلة، هو أنّ لبنان لا يحظى بفصلٍ حقيقي بين السلطة السياسية والسلطة القضائية، إن في التشكيلات والتعيينات داخل مجلس القضاء الأعلى، أو في الأموال التي تُرسل إلى صندوق التعاضد، وصولاً إلى إدارة القضايا والملفات والمحاكمات. وما يشهده القضاء حاليًا، من عملية تطهير ومحاسبة وتوقيف لقضاة فاسدين، يبدو جزءًا متصلًا بعملية الإصلاح العام، كشرطٍ أساسي لنيل لبنان مخصصات مؤتمر "سيدر". وعلى الأرجح، كثيرون من السياسيين "الحُماة" لهذا الفساد القضائي، على مدار سنوات طويلة، منزعجون الآن من "الوضع الإصلاحي". وفي السياق، يشير مصدر قضائي لـ"المدن" أنّ لبنان شهد تدخلاً سياسياً كبيراً في عمل القضاء. فـ"حين ترتفع نسبة التدخل السياسي في القضاء، يتجه الجو العام إلى تبرير الفساد وإيجاد مخارج له، كأن لا مجال للعمل إلا وفق هذا النهج. وهذا الفساد يأخذ أشكالًا مختلفة. فساد الرشى، فساد السلوكيات غير الأخلاقية، فساد في المماطلة وفساد في جهل القانون".

لذا، وحيال ضغطٍ دوليٍّ كبير، يهدف لوقف الهدر والفساد في لبنان، ثمّة فرصة كبيرة أن يستعيد القضاة النزهاء معنوياتهم، في ظلّ ما يتعرضون له، وأن يثقوا بدورهم في إرساء العدالة، وأن لا يترددوا بقول كلمة "لا" بصوتٍ عال.

مسار 20 عامًا
هكذا، رحنا نبحث عن من يمثل هكذا قضاة يمنحون اللبنانيين طمأنينة ديمومة العدالة ومنظومتها. هم ليسوا نادرين، في كل لبنان، لكن هناك في طرابلس، بات أحدهم ظاهرة شعبية في المدينة.

هو القاضي جناح عبيد. هذا الإسم في طرابلس، بشهادة أبنائها، كأنّه مرادفٌ مقرونٌ بـ"العدل والنزاهة والضمير والشفافية". قلّما نجد قاضٍ يتحول إلى علمٍ من أعلام مدينته. فشهرة القضاة في لبنان، مثل أيّ شهرة، تدور في فلك سلطات الدولة، غالبًا ما تُستمدُّ أضواؤها من أهل السياسة، بأحزابهم وتياراتهم وطوائفهم. لكن، حين يكون الناس هم مصدر الضوء والشهرة، يعني أنّ صاحبه الذي لم يسلك يومًا طريق أهل السياسة، كان عمله هو صانع شهرته، وسط من حوله، إلى أن صار أيقونة فخرٍ لكلّ من عرفه وعرف معه، العمق الحقيقي لمقولة: "العدل أساس الملك".

لمن لا يعرف في لبنان القاضي جناح عبيد، البالغ 43 عامًا، نعود بذاكرتنا المثقوبة بأخبار المفسدين وحماة الفساد، إلى العام 2017، حين كان الرئيس عبيد قاضيًا، يشغل منصب المحامي العام الإستئنافي في جبل لبنان. في ذلك الوقت، ومن دون أن يكترث إلى الضغوط و"العنتريات"، أصدر إشارة توقيف بحقّ شقيق وأبناء النائب السابق حسن يعقوب، ثمّ أشار بالعمل على إحضاره شخصيًا، بعد أنّ سُرّب مقطع فيديو، يظهر فيه يعقوب طرفًا في خلافٍ تطور إلى تلاسن وتهديد، داخل قصر عدل بعبدا، ثمّ تهجم شقيقه وأبناؤه على قاضية في مكتبها، على خلفية نزاع حول شقة سكنية يملكها يعقوب، وضع مصرف MEAB يده عليها من أجل بيعها في المزاد العلني.

هذه الحادثة التي ضجّ بها البلد والإعلام حينها، أخذت فيها شجاعة الرئيس عبيد وصلابته حصّةً وافية. غير أنّها تفصيلٌ صغيرٌ، وربما عابرٌ، من مسيرة حافلةٍ بالشجاعة والصلابة، لقاضٍ تناهز خبرته 20 عامًا، في هذا السلك الذي يخضع حاليًا لنوعٍ من عملية "تطهير". في سيرته المهنيّة التي انطلقت من العام 1999، بدأ الرئيس عبيد مسيرته كمحامٍ متدرج في نقابة محامي لبنان الشمالي، ثمّ قاضٍ متدرج في عدد من محاكم الدرجة الأولى والاستئناف في لبنان بين عامي 2001 و2004، إلى أن تخرج من معهد الدروس القضائية في بيروت. بعدها، شغل منصب قاضٍ منفرد، ناظر بقضايا جنح الأحداث وحماية الأحداث المعرضين للخطر في لبنان الشمالي، وقاضٍ ناظر بقضايا الأحوال الشخصية والمالية والتجارية، ثمّ  قاضٍ منفرد ناظر بقضايا الأمور المستعجلة في طرابلس، وقاضٍ عقاري إضافي في لبنان الشمالي حتّى العام 2010. وهنا، كانت النقلة النوعيّة في مسار الرئيس عبيد القضائي، حين أصبح محامياً عاماً في النيابة الاستئنافية في جبل لبنان، على مدار 7 سنوات، دامت حتّى 2017، لينتقل بعدها إلى منصب قاضي تحقيق في لبنان الشمالي، حيث يشغل منصبه حاليًا في قصر العدل في طرابلس.

"جناح" العدليّة
الدخول إلى قصر العدل في طرابلس، لا يختلف عن قصورٍ أخرى في لبنان. شعورٌ بالحيرة والضياع، يلازم من دخل حاملًا معه الانطباع الآتي: "تشبه قصور العدل في لبنان الغابات الموحشة". وهي قد تكون كذلك، من دون أن يلتمس الزائر بالحجة والبراهن، معالم هذه "الغابات"، إنّ لم يرافق موقوفًا، وإن لم يدخل مكاتب العدلية و"مطابخها"، وإن لم يحتكّ بمحاميها، ويشاهد قضاتها في جلسةً على قوس المحكمة.

اللقاء الصحافي مع الرئيس عبيد، كغيره من القضاة، ليس مسموحًا. وفي جولةٍ داخل عدلية طرابلس، ثمّة إجماعٌ على "فرادة" القاضي جناح عبيد، وتميّزه عن كثير من القضاة. بعض العاملين في العدليّة، وعدد من المحامين، يتحدثون عن اسمه داخل القصر، كعلامةٍ فارقةٍ. حتّى الموقوفين، يدعون بالحمد والشكر حين تُحال ملفاتهم إلى مكتبه. أثناء عمله سبع سنوات في عدلية بعبدا، كان الحديث عن الرئيس عبيد في عدلية طرابلس، قريبًا من الحسرة على غيابه، لدرجة كان يردد معها البعض عبارة: "رزق الله على أيام الريّس جناح".

تحكي مديرة مكتب الاتحاد لحماية الأحداث في الشمال، نايلة أبي شاهين لـ"المدن"، عن تجربتها مع الرئيس عبيد، التي استمرت نحو 8 سنوات في عدلية طرابلس، وكانت بدايتهما، هو كقاضٍ للأحداث، وهي كمندوبة اجتماعية. تنطلق أبي شاهين في الحديث عن "الريّس جناح"، بوصفه "مثلها الأعلى"، الذي تعلمت معه أصول قانون الأحداث والإنسانيّة والحكمة واحترام الآخر والتواضع. فـ"هو قاضٍ إنسانيّ وحكيم، لا يمسك القانون والقضايا من كعبها، وقد اختبرت عمله بكلّ ضمير في ملفات حماية الأحداث، إذ يعطي وقتًا كافيًا، يستمع فيه إلى المتهمين والضحايا بأدقّ التفاصيل".

تصرُّ أبي شاهين على التركيز على فكرة أنّ الرئيس عبيد لم يكن قاضيًا وحسب، وإنّما كان أيضًا مساعدًا اجتماعيًا ومعالجًا نفسيًا، ويضع البُعد الإنساني معيارًا أولاً في النظر بالأحكام، إذ لم يكن هدفه يومًا مجازاة الناس ومعاقبتهم وحسب، بقدر ما يسعى للوصول إلى حلٍّ أو علاج. تقول: "لم يرضخ الرئيس جناح يومًا لاتصالات المسؤولين والسياسيين، وإنّما كان قاضياً يطبّق القوانين بحذافيره، من دون أن يفتح على حسابه، كما يفعل البعض، وفي الوقت نفسه، كان قاضيًا يسعى للاجتهادت القانونية، التي تصبّ في مصلحة القاصرين دومًا".

ما يميّز القاضي جناح عبيد، إلى جانب احترامه وأخلاقه في التعاطي مع فريقه والموقوفين والضحايا والشهود، وفق أبي شاهين، أنّه قاضٍ لا يرتفع صوته على صوت المحكمة، خلافًا لغيره ممن يصل "صراخهم" إلى الخارج. لكنه في المقابل، "يضبط جلسته إلى أبعد حدّ، بصرامته وهيبته وتنظيمه وسرعته في إنجاز ملفاته". المندبون الاجتماعيون، "يفتخرون بالعمل معه، لأنه يعطي قيمة كبيرة لدورهم، ويأخذ تقاريرهم بعين الاعتبار، لأنه قاضٍ مثقف اجتماعيًا ونفسيًا، وهو ما نفقده في العمل مع كثير من قضاة العدلية".

سرعة الإنجاز
على المستوى القانوني، طوّر القاضي جناح عبيد كثيرًا في محكمة الأحداث، نتيجة ضلوعه العميق في القانون، وأصدر العديد من الأبحاث والاجتهادات "الجريئة"، وكان لديه أسبوعيًا عدد من المحاضرات في هذا الشأن. تضيف أبي شاهين: "أتذكر مثلًا حين كان يصدر حكمًا أن يكون الأطفال مع الأم بدلًا من الأب، إذا شكلت حضانته خطرًا عليهم. ورغم القرارات المتخذة في المحكمة الشرعية، كان لديه جرأة كسرها، خلافًا لغيره، إذا اقتضت مصلحة الطفل ذلك، من دون أن يهاب أحدًا، لأنّ قرارات محكمة الأحداث مبرمة". و"نحن كاتحاد أحداث، كانت تجربتنا معه من أنجح التجارب، التي راعى فيها مبادئنا على المستوى الاجتاعي والنفسي الذي يؤمن بهما".  

أحد الكتاب العاملين مع الرئيس جناح، الذي يلازمه في تدوين ملفاته وأحكامه، في مهمته كقاضي تحقيق، يشير لـ"المدن"، أنّه اختبر معه أهم معيار يفقتده معظم القضاة، وهو "معيار السرعة" في إنجاز الملفات وإصدار الأحكام. فـ"هو قاضٍ يرفض أن ينتظر الموقوفون وقتًا طويلًا أمام مكتبه، ويتعامل معهم بدرجة عالية ونادرة من الإنسانية، وهو ما يفتقده الموقوفون لدى كثير من القضاة، كما يحسن العمل والتنسيق مع المحامين".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها