آخر تحديث:00:55(بيروت)
الخميس 25/04/2019
share

صرخة "بيت بيروت": عار "نظام الكفالة" يلطخ جبين لبنان

مريم سيف الدين | الخميس 25/04/2019
شارك المقال :
صرخة "بيت بيروت": عار "نظام الكفالة" يلطخ جبين لبنان للأسف تحدث الوزير عن "ضرورات أمنية": "كي لا يفلتن في البلد من دون أن نعرف ماذا تفعلن" (Getty)

من قلب "بيت بيروت"، وعلى مقربة أمتار من ثكنة الجهاز الأمني، الحارس لـ"نظام الكفالة"، والحريص على عدم انتهاكه من طرف العاملات المنزليات فقط، أُطلقت صرخة العاملات المنزليات المهاجرات، الرافضات لاستمرار نظام الكفالة. وبدعوة من منظمة العفو الدولية وحركة مناهضة العنصرية، امتلأت القاعة بالحضور. فحضرت عاملات أجنبيات في الخدمة المنزلية، وحضر مواطنون جلسوا "على قدم المساواة"، في مشهد نادر الحدوث.

فظاعة النظام ومساوئه
جلست في صدر القاعة عاملات جئن هذه المرة، لإسماع المعنيين موقفهم الرافض لنظام الكفالة، ويدلين بشهاداتهن التي تثبت فظاعة هذا النظام ومساوئه، ولفضح المستور خلف جدران منازل يتباهى أصحابها بـ"امتلاك خادمة". بعضهن حظين بكفيل أكثر "تسامحاً"، من الذين خاضوا معهم تجربة "الكفالة" الأولى، فتمكّنّ من التحدث عن تجربتهن، من دون الخوف من خسارة رضى الكفيل الضامن لقانونية إقامتهن في لبنان. وأخريات تركن منازل كفلائهن، فبتن يصنفن في خانة "الهاربات"، وفقدن صفة الإقامة القانونية. واللافت أنهن كن الأجرأ على التعبير، والأكثر تأثيراً رغم خطر تعرضهن للاعتقال.

تحدثت العاملات عن تجربتهن مع نظام الكفالة وسوء المعاملة التي تعرضن لها، فتحمست أخريات وشعرن بالراحة، إلى حد أن قمن ورفعن الصوت عالياً، مطالبات بحقوقهن. تحدثن عن تجارب مريعة دفعتهن للتفكير في الإنتحار، والهرب من منزل الكفيل، ليعملن في الخدمة المنزلية بشكل مستقل، ويتقاضين الأجر بدل ساعات العمل، فتفاعل الحضور مع المداخلات مصفقاً بقوة.

روت العاملات تفاصيل استغلالهن. فرحلة العذاب لا تبدأ في لبنان وإنما في موطنهن. وقالت إحدى العاملات الأثيوبيات بأنها قدمت من اثيوبيا، بعد أن أوهمها أحد المكاتب بأنها قادمة إلى لبنان للعمل في مجال الحواسيب. لتفاجأ بأنها قدمت لتعمل في الخدمة المنزلية، وبأنها وقعت في فخ نظام الكفالة، بعد أن حجزت كفيلتها جواز سفرها. تتطابق شهادتها وشهادة عاملة من الكاميرون، "فأغلبنا ضحايا في بلدنا، من أصحاب العمل الذين لا يشرحون لنا ظروف العمل في لبنان". وتتضافر شهادات العاملات لتظهر الصورة كاملة. فتستمر المعاناة في يوميات العاملة، والتي قد لا تجد مكاناً ملائماً للنوم. فإما توضع في غرفة صغيرة جداً أو في المطبخ أو غيرها من أماكن، لا تؤمن لها أي خصوصية. وصاحب العمل هو من يحدد ساعات العمل وساعات النوم. فقد تُجبر العاملة على العمل مدة 18 ساعة، وقد تمنع من تناول الطعام. والأسوأ أن مكاتب الاستقدام تسرق رواتب العاملات لمدة ثلاثة أشهر. 

روايات وتوصيات
استكمالاً للشهادات تقول عاملة أنها تعرضت لاعتداءات جنسية، لكنها لم تتمكن من تقديم شكوى. وهو حال كثيرات غيرها، "فإن خرجنا من المنزل دون إذن الكفيل نعامل كأننا مجرمات". وتطرح العاملة مشكلة الأطفال الذين يولدون نتيجة تلك الاعتداءات، ولا يملكون أوراقاً ثبوتية ولا من يكفلهم. فيحرمون من الحق بالتعلم. والحال ليس أفضل إن قررن العودة إلى بلادهن، وهن حوامل أو مع أطفالهن: "فهن قد يقتلن". وهو ما حصل مع بعض اللواتي عدن. وتذكّر العاملات أكثر من مرة بصفتهن الإنسانية.

في كلامهن يظهرن شبهاً بحال اللبناني المهاجر: "فنحن خريجو جامعات، جئنا للعمل في الخدمة المنزلية من أجل إرسال الأموال إلى ذوينا ولتعليم أخوتنا".

بعد سرد تجاربهن، خرجت العاملات بتوصيات عدة، فأجمعن على مطلب إلغاء نظام الكفالة وطالبن بقانون يؤمن لهن الحماية. ومن توصيات العاملات أيضاً الطلب من وزارة العمل بوضع عقد عمل، يؤمن التوازن بين العاملة وصاحب العمل، ومنح العاملات عطلة من دون إذن من صاحب العمل. وطالبن بالحصول على تعويضات في حال امتنع صاحب العمل عن دفع الراتب. كما طالبت العاملات من وزارة العمل مراقبة مكاتب الاستقدام وإقفال تلك التي تقوم بالنصب والاحتيال، ووضع لائحة سوداء تحمل أسماء أصحاب العمل الذين يعذبون العاملات أو يقتلوهن، لمنعهم من استقدام عاملات أخريات. كما طالبت العاملات من وزارة الداخلية منع الأمن العام من حجز جوازات سفر العاملات، وتسليمها لصاحب العمل، والتحقيق في أسباب انتحار عاملات.

وفيما تعبّر منظمة العفو الدولية عن تفاؤلها بتصريحات وزير العمل، كميل بو سليمان، والذي أظهر تجاوباً مع مساعي المنظمة وفق ما تقول لـ"المدن" ديالا حيدر، مسؤولة حملات لبنان والأردن في المنظمة، لا يظهر من تصريحات بو سليمان لـ"المدن" بأن الوزارة ستعمل على إلغاء نظام الكفالة. ويقول الوزير بأنه طلب من منظمة العفو ومن خمس جمعيات تشكيل لجنة للتقدم باقتراحات عملية وواقعية، لتعديل نظام الكفالة. وفي حين يرفض الوزير الدخول في تفاصيل القانون يشير إلى ضرورة حفاظ الاقتراحات على الناحية الأمنية كي "لا يفلتن في البلد من دون أن نعرف ماذا تفعلن"!! ولسنا ندري إن كان رأي الوزير هذا قبل قراءة تقرير منظمة العفو، أم بعد القراءة؟ 

فقد تزامن هذا اللقاء مع إصدار منظمة العفو الدولية تقريراً بعنوان "بيتهم سجني: استغلال عاملات المنازل المهاجرات في لبنان"، سلطت فيه الضوء على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي يتعرض لها عمال المنازل المهاجرين على أيدي أصحاب العمل. وأجرتْ منظمة العفو الدولية مقابلات معمّقة مع 32 عاملة من عاملات المنازل المهاجرات، وباستثناء مقابلتين أُجريتا في محافظة جبل لبنان، فقد أُجريت جميع المقابلات الأخرى في محافظة بيروت بين العامين 2018 و2019، وقابلتْ المنظمة 12 امرأة من إثيوبيا و11 امرأة من سريلانكا، وأربع نساء من الفلبين وثلاث نساء من مدغشقر واثنتين من ساحل العاج.

الاستغلال 
لقد أُخضعت عاملات المنازل المهاجرات اللاتي قابلتْهن "المنظمة" إلى ظروف عمل تنطوي على الاستغلال من قبل أصحاب العمل. وشملت هذه الظروف إرغامهن على العمل لساعات طويلة، وحرمانهن من أيام الراحة، وعدم دفع أجورهن، وحرمانهن من الطعام وأماكن السكن اللائقة، وتعريضهن لإساءة المعاملة اللفظية والجسدية، وحرمانهن من الرعاية الصحية.

شهادات مروّعة
قالت "إيفا"، وهي عاملة منزل فلبينية، إنها كانت معزولة في منزل صاحب العمل لمدة ثلاث سنوات متواصلة قبل أن تتمكن من الفرار: "لم يُسمح لي بالتحدث إلى أي شخص. وعندما كنت أفتح النافذة وأُلوِّح إلى فلبينيات أخريات، كانت [صاحبة العمل] تشدُّ شَعري وتضربني. لقد احتجزتني في المنزل لمدة ثلاث سنوات، ولم أخرج منه أبداً". وقالت "ماري"، وهي عاملة منزل إثيوبية إنها عملت لمدة 19 ساعة يومياً على مدى سبعة أيام في الأسبوع من الساعة الخامسة صباحاً وحتى منتصف الليل من دون استراحة أو يوم عطلة. وقالت تسيغا، وهي عاملة منزل إثيوبية أيضاً، إنها ظلت طوال خمس سنوات تعمل ساعات طويلة خلال النهار، ثم الاعتناء بمريضة من أفراد أسرة صاحب العمل، في أكثر من مكان واحد: "عملتُ نهاراً وليلاً. كان في العائلة سيدة عجوز مريضة تنام أثناء النهار عندما كنت أعمل وتستيقظ في الليل عندما يكون وقت استراحتي. وكانت [صاحبة العمل] تأخذني إلى منزل شقيقتها مرة كل أسبوع كي أقوم بتنظيفه.. كل الساعات كانت ساعات عمل بالنسبة لي. لقد أضناني التعب، فقد كنت أعمل نهاراً وليلاً وفي أكثر من منزل. إنهم لم يشتروني كي يجعلوني أعمل في منزل شقيقتها أو في منزل والدتها."

وعلى الرغم من أن العقد الموحد يمنع صاحب العمل من إرغام العاملة على العمل خارج المنزل، فقد قالت تسع نساء لمنظمة العفو الدولية إنهن أُجبرن على العمل في أكثر من منزل واحد، وطُلب منهن القيام بعمل غير منزلي خارج المنزل. فقد قالت موليماريت، وهي عاملة منزل إثيوبية، لمنظمة العفو الدولية إنها عملت في منزل صاحب العمل خلال النهار، وفي مخبزه في الليل: "كنت أعمل في المنزل خلال النهار، وأقوم بإعداد حشوة المعجنات لمخبزه في الليل، لم أكن أنام. وبعد مرور سبعة أشهر من العمل لديهم، أُصبتُ بالمرض بسبب ثقل أعباء العمل."
وقالت ست نساء على الأقل لمنظمة العفو الدولية إن ظروف عملهن أدت إلى أن أفكاراً انتحارية راودتْهن أو حاولن الانتحار فعلاً.
وذكرت العديد من النساء اللواتي أجرت معهن منظمة العفو الدولية مقابلات أنهن تعرَّضن للمعاملة المهينة والحاطَّة بالكرامة مرة واحدة على الأقل من قبل أصحاب العمل باستخدام ألفاظ من قبيل "حمارة" و"كلبة" و"حيوانة" وغيرها من عبارات الشتيمة النابية الشائعة.

العمل القسري
يوثِّق التقرير ثماني حالات من حالات العمل القسري والاتجار بالبشر. وفي جميع هذه الحالات لم تستطع النساء اللائي قابلتْهن منظمة العفو الدولية ترك وظائفهن وكنَّ مضطرات للقيام بالعمل لأنهن كنّ يخشين عواقب تركه. إن بعض النساء اللائي كنّ عرضة لسوء المعاملة طلبنَ من أصحاب العمل إعادتهن إلى مكاتب الاستقدام أو إلى بلدانهن الأصلية، ولكن أصحاب العمل رفضوا الموافقة على طلباتهن. وقالت نساء أخريات لمنظمة العفو الدولية إنهن عندما طلبنَ ترك عملهن، طلب منهن أصحاب العمل تسديد الأموال التي كانوا قد دفعوها مقابل استقدامهن.

فقد قالت سبستيان، وهي عاملة منزل من ساحل العاج، لمنظمة العفو الدولية إنها كانت ترزح تحت وطأة أعباء عمل ثقيلة، وإنها تعرَّضت لمعاملة سيئة، واحتُجزت في المنزل، ولم تُدفع لها أجورها لمد ثلاثة أشهر: "عندما طلبتُ منها [صاحبة العمل] إعادتي إلى بلادي، قالت لي: "يجب أن تعملي عندي مقابل مبلغ 3,000 دولار أميركي الذي دفعناه".

الإتجار بالبشر
وفي أشد حالات استغلال العاملات الموثَّقة في هذا التقرير خطورةً، وجدتْ منظمة العفو الدولية أدلة على وقوع أربع عاملات ضحايا لعمليات الاتجار بالبشر.

ففي 2011، جاءت بانشي، وهي عاملة منزل من إثيوبيا، إلى لبنان بواسطة مكتب استقدام. وقالت لمنظمة العفو الدولية إن صاحب مكتب الاستقدام نقَلها من منزل إلى آخر، وحجزَ جواز سفرها وراتبها لعدة أشهر: "عملتُ مجاناً لمدة ستة أشهر، كان خلالها صاحب مكتب الاستقدام يَهَبُني إلى آخرين كهدية: مرةً إلى عائلة خطيبة ابنه، ومرةً إلى ابنته وعائلة زوجها.. إنها حياة أشبه بحياة السجن".

ممنوعات من تقديم الشكاوى
لم تَقُمْ أيٌّ من النساء اللائي قابلتْهن منظمة العفو الدولية بإبلاغ السلطات عن أصحاب العمل، ولم تحاول الذهاب بهم إلى المحاكم. وقد قابلت منظمة العفو الدولية ثماني نساء كنَّ قد فررنَ ممّا أسميْنه بيئة العمل التي تنطوي على إساءة المعاملة أو العمل الجبري أو الاتجار بالأشخاص. ومع ذلك فقد شعرنَ بأن أوضاعهن القانونية الخطيرة منعتْهن من تقديم دعاوى أمام المحاكم. وكانت هؤلاء النساء يخشين الاعتقال أو عدم التمكُّن من الحصول على عمل جديد أو الاتهام زوراً بالسرقة.

نظام الكفالة
تأتي عاملات المنازل المهاجرات من بلدان أفريقية وآسيوية، من بينها إثيوبيا وبنغلاديش وسريلانكا والفلبين وكينيا، للعيش والعمل في منازل خاصة في لبنان. ولكن جميع هؤلاء العاملات لا يشملهن قانون العمل اللبناني، وبدلاً من ذلك ينظِّم شؤونَهن نظامُ الكفالة الذي يربط الإقامة القانونية للعاملة بعلاقة تعاقدية مع صاحب العمل. ولا تستطيع العاملة تغيير عملها بدون موافقة صاحب العمل، مما يسمح لأصحاب العمل المتعسفين بإرغام العاملات على قبول شروط عمل تتسم بالاستغلال. إن نظام الكفالة لا يتوافق مع القوانين الوطنية التي تكفل الحريات والكرامة الإنسانية، وتوفر الحماية لحقوق العمال، وتجرِّم العمل الجبري والاتجار بالبشر. كما أنه يتناقض، بشكل مباشر، مع التزامات لبنان الدولية.

تأكيد المؤكد
جاء العديد من النتائج التي توصلت إليها بحوث منظمة العفو الدولية متسقة مع تقييمات البعثات الدبلوماسية للبلدان الأربعة المصدِّرة للعمالة، التي استشارتها المنظمة خلال البحث، وهي إثيوبيا وكينيا والفلبين وسريلانكا. وعلاوةً على ذلك، فإنها تتسق مع نتائج بحوث أخرى أجرتها منظمات دولية ومحلية لحقوق الإنسان وأظهرت أن العزلة التي تعاني منها عاملات المنازل المهاجرات اللاتي يعشن في منازل أصحاب العمل، ونظام الكفالة السائد يعرِّضان العاملات للاستغلال، وغيره من ضروب إساءة المعاملة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها