آخر تحديث:00:04(بيروت)
الثلاثاء 23/04/2019
share

مشروع إحياء زغرتا القديمة: الحالمون ينعشون قلب المدينة

أورنيلا عنتر | الثلاثاء 23/04/2019
شارك المقال :
  • مشروع إحياء زغرتا القديمة: الحالمون ينعشون قلب المدينة
    إحياء المدينة القديمة للحفاظ على الهوية والتراث وتحسين نوعية الحياة أيضاً (تصوير: سميح زعتر)
  • الدكاكين المتلاصقة وأبوابها (سميح زعتر)
    الدكاكين المتلاصقة وأبوابها (سميح زعتر)
  • إلفة السطوح والبيوت (سميح زعتر)
    إلفة السطوح والبيوت (سميح زعتر)
  • دروب زغرتا القديمة (سميح زعتر)
    دروب زغرتا القديمة (سميح زعتر)

تغيّر حيّ السيدة. لم يعد كما كان في الماضي، كما تتحدّث عنه جدّتي لأمّي، أو كما رسمته في خيالنا ذكريات أمي وأخواتها: أولاد يلعبون على "السهلة"، يمرّون من تحت "الدهليز" عشرات المرّات في اليوم الواحد، ويرتادون المدارس الموجودة في الحيّ، والتي لا تبعد عن بيوتهم سوى أمتار قليلة يقطعونها سيرًا على الأقدام. أمّا اليوم، فقلّة هم أطفال المنطقة الذين يعرفون "زغرتا القديمة"، إلا إذا كان أهلهم أو أجدادهم قد سكنوها في الماضي وحدّثوهم عنها. حتى أنّه لم يعد للعذراء، سيدة زغرتا، جارات زغرتاويّات كثيرات كما في السابق، يتباهينّ بجيرتهن لها. ولم يعد الدهليز سوى ممرّ للسيارات هربًا من زحمة السير على الطريق الرئيسية.

يعتبر الكاتب والدكتور في الأنثروبولوجيا، أنطوان الدويهي، أن "روح زغرتا، مثلها مثل أي مدينة في العالم، تكمن في نواتها القديمة. فالمدن الخالية من أحيائها  القديمة تبدو بلا كبير أهمية. والذين يزورون المدن في أوروبا والعالم يزورون الحيّز القديم منها، حيث تكون الروح". ثمّ يضيف: "تستمدّ هوية زغرتا القديمة معناها من هوية إهدن، فزغرتا القديمة هي الحصن الأمامي لإهدن في عالم السهول. إهدن في  عالمها الجبلي، بتقاليدها الحربية، المستمدة من موقعها الحدودي في جبل لبنان القديم. ثم، في وقت ما، أواخر القرون الوسطى، أصبح لإهدن مشتاها زغرتا، على تلة محاطة بالأنهر، يرتفع فوقها برج".

المدينة المنسيّة والمشروع الحاضر
على الرغم من كونها منسيّة، إلا أنّ أهمية إعادة إحياء زغرتا القديمة حاضرة في ذهن عدد من أبنائها، الذين التقوا للعمل على خطّة جديّة وعمليّة لمشروع يهدف للنهوض بها. يهدف المشروع بشكل أساسي إلى الحفاظ على الهوية والتراث، الإنماء الاقتصادي وتحسين نوعيّة ومستوى العيش في زغرتا القديمة. تنقسم الخطة الأوّلية التي وضعتها المجموعة إلى ثلاث أجزاء: إحصاء حديث عن المنطقة، التحديات أمام إحياء زغرتا القديمة، والمخطط الاستراتيجي وآلية العمل.

حسب الإحصاء الذي أجراه طوني الحلبي المكاري، وهو الأوّل من نوعه في منطقة زغرتا القديمة، تبيّن أن الأحياء مكتظة وأن أبنيتها قديمة جدا، حتى أنّ بعض هذه الأبنية غير صالح للسكن. تبيّن أيضًا أن المنطقة تعاني من تلوّث حادّ وبنى تحتيّة تفتقد إلى أدنى المعايير الصحية جرّاء قدمها وغياب أعمال الصيانة.  

تظهر الدراسة أن 93 في المئة من العقارات سكنية، فيما 7 في المئة منها فقط يستعمل لأغراض تجارية. تنقسم هذه العقارات إلى فئات ثلاث: 64 في المئة منها يشغلها أصحاب الملك، 31 في المئة منها يشغلها مستأجرون، و5 في المئة شاغرة. أمّا على صعيد المشهد الديمغرافي، الذي عرف التغيّر الأكبر إثر النزوح السوري إلى لبنان، فينقسم سكان المدينة القديمة كالتالي: 48 في المئة من غير الزغرتاويّين و52 من الزغرتاويّين. في المجمل، يعتبر معظم السكّان (82 في المئة) أنهم غير مرتاحون في السكن في الحيّ القديم، ويفضّل 62 في المئة منهم أن يغيّروا مكان سكنهم. إذا كان للمشروع من هدف، فهو أن يخفّض من نسبة الحالمين بالهرب من زغرتا القديمة، مقابل رفع أعداد الحالمين بالعودة إليها، خصوصاً من سكّانها الأصليّين.

إعادة الإحياء
للوهلة الأولى، يبدو المشروع أقرب إلى حلم مما هو إلى حقيقة، لكن المهندس بولس الدويهي، أحد القيّمين على المشروع، يؤكد في حديث لـ"المدن" أن الواقع غير ذلك تماما. يقول: "لا شكّ أن المشروع كبير، بمعنى أنه يطال كافة المستويات، لكننا نستطيع بدء العمل على أمور بسيطة". ويضيف: "لذلك، وضعنا استراتيجية وليس مخططاً، لأن الشروع في العمل ممكن أن يطال مستوى بعد آخر، أو المستويات كافة في حين واحد. الأهمّ هو تحديد الأولويات والإمكانات، فمشروع إعادة إحياء زغرتا القديمة هو مسار يحتاج إلى الوقت، لكنه ليس حلماً، إذا تواجدت الإرادة السياسية في المنطقة لدعمه".

بالنسبة لبولس الدويهي، يكمن سحر المنطقة، على سبيل المثال، في طرقاتها التي تظهر كيف كانت المدينة القديمة كالحصن أو كالقلعة. يعترف الدويهي أنّ زغرتا القديمة ليست جميلة أو ساحرة لناحية هندستها، أو لناحية بيوتها، التي أغلبها عادية ملتصق بعضها ببعض، إنما لناحية النسيج المُدنيّ الخاص فيها والمورفولوجيا (علم التشكّل) اللذين يميّزانها ويعطيانها طابعا خاصّا.  

أمّا الأبنية التي تعدّ ذات قيمة هندسيّة، فهي كنيسة سيدة زغرتا ذات الهندسة المارونية التقليدية، بيت قبلان بك ذات الطابع العثماني، بيت طربيه ذات الطابع المسمّى بـ"هاي ستايل"، بيت الشيخ فؤاد، والطواحين القديمة التي لا تتمتع بطابع معيّن إنما يميّزها حجمها الكبير وقدمها، وغيرها. السوق القديم يشكّل، حاله حال معظم الأسواق القديمة في لبنان، جزءاً من سحر المدينة القديمة وأهميّتها. يتحدّث الدويهي عن أبواب السوق الخشبية الكبيرة و"القمريّة" التي تعلو كل منها، المخازن الملتصقة ببعضها البعض، والتي تضفي على الشارع نوعاً من الانتظام والأحادية في الطابع.

يشير الدويهي إلى أنّ المنطقة بحاجة لنهضة تشمل كافة المستويات. يتحدّث أولاً عن شبكة الطرقات ومواقف السيارات، معتبرًا أن إيجاد مساحات للمواقف يعدّ أساسًا للمشروع. إذ أن جزءاً كبيراً من عدم إقبال الزغرتاويين وأبناء المنطقة على الدخول إلى الحيّ يكمن في غياب مواقف السيارات، عدا عن كون هذا الغياب يسبب ضيقًا يعاني منه أهالي زغرتا القديمة. في هذا السياق، لا يمكن فصل أزمة زحمة السير عن مسألة وجود أربع مدارس في زغرتا القديمة. يقول الدويهي: "موضوع المدارس يتطلّب دراسة أعمق، لكننا نؤيد بقاءها في الحيّ القديم ونعمل على إعادة هيكليّتها، والتحسين من أوضعها بهدف اجتذاب الزغرتاويين إليها".

إلى جانب العمل على البنى التحتية وحلّ أزمة السير والمواصلات، يهدف المشروع إلى إعطاء زغرتا القديمة طابعا سياحيّا من خلال تسليط الضوء على معالم مثل كنيسة سيدة زغرتا، متحف بطل لبنان يوسف بك كرم، السوق القديم، نهر المرداشية والمطاعم المحيطة به، ودرب الطواحين. في هذا السياق، يذكر الدويهي بأنّ مشروع درب الطواحين قيد التنفيذ وأن حوالى 500 متر منه ينتهي إنجازه قبل الصيف. ويضيف: "درب الطواحين هو عبارة عن الدرب التي تصل طواحين زغرتا ببعضها البعض، ومشروعنا يقضي بتأهيل هذه الدرب، باعتبار أن النهر كان على مرّ السنين المنفذ الوحيد للمدينة القديمة". يسعى المشروع أيضا إلى جعل المدينة القديمة مركزًا لبيع المنتوجات المحليّة ومشاغل للصناعات الحرفية، بالإضافة إلى جعلها مركزاً للمؤسسات الأهلية والخيرية المحليّة.

غوطة البرتقال
يتوقّف ميخائيل الدويهي عند آلية العمل على تنفيذ المشروع، فيعود إلى المرحلة الأولى التي تم اختتامها، والتي أفضت إلى وضع تصوّر وأسس الخوض في التخطيط الاستراتيجي. تضمنت آلية العمل تشخيصاً أوليا للمدينة القديمة وتحديدها جغرافيّا، دراسة ديموغرافية وبلورة للرؤيا والأهداف. تلا ذلك وضع آلية العمل وخارطة طريق تقنية، بالإضافة إلى طرح المشروع أمام الزغرتاويين والمعنيّين. ينتقل ميخائيل الدويهي، وهو مهندس ورئيس جمعية الخير والإنماء، إلى تطوير التخطيط الاستراتيجي من خلال تأسيس جمعية، وضع تخطيط واضح وكامل يشمل الاتفاق على المشاريع والموازنات، وضع خريطة طريق لتنفيذ الأولويات وفق الأهداف، ثم وضع أسس التنفيذ والمراقبة والتقييم.

أمّا المرحلة الثانية فهي مرحلة كتابة الخطة، توضيح المشاريع المقرّرة مع شرح لكل مشروع وفوائده. تليها المرحلة الثالثة والأخيرة وهي الإطلاق والتنفيذ مع ما يتضمن من متابعة للمقررات والوعود والاحتمالات، تثبيت الخطط التنفيذية، التقييم، التسويق وتثبيت آليات العمل. يتحدّث ميخائيل الدويهي في الختام عن أهمية التضامن والتكاتف بين أهالي المنطقة، وبين سياسيّيها بشكل أدقّ، من أجل تسهيل مسار تنفيذ المشروع.

في الختام، يشير الكاتب والدكتور في الأنثروبولوجيا أنطوان الدويهي إلى أنّه "لا يمكن تصور زغرتا القديمة، وزغرتا كلها، بمعزل عن محيطها الطبيعي"، معتبرًا أنّ "المحيط الطبيعي بات غائبا عن الوعي الجماعي في كل أنحاء لبنان". بالنسبة للدويهي، يشكل هذا الغياب علامة اختلال عميقة في الذات الجماعية. ثم يتابع متحدثاً: "زغرتا محاطة بالأنهر وببساتين شاسعة من البرتقال هي ثروتها الحقيقية. لكن لا أحد يشعر بوجود هذه الثروة، فأي مقهى أو سوبرماركت هو حاضر في وعي الناس أكثر من غوطة البرتقال".

يحزن الدويهي لكون طرابلس قد أبادت بساتين البرتقال، التي كانت تزنرها حتى البحر. ويعتقد أنه لم يعد من مدينة لبنانية تحيط بها غوطة برتقال شاسعة مثل زغرتا. والجدير في الذكر، في هذا السياق، أن الدويهي كان قد سبق أن طالب بإعلان "غوطة زغرتا" محمية طبيعية. ويختم: "هذه الثروة الفريدة يجب الحفاظ عليها لأنها باتت جد مهددة، إذ لا معنى لإحياء زغرتا القديمة بمعزل عن ذلك".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها