آخر تحديث:00:10(بيروت)
الثلاثاء 16/04/2019
share

أصحاب الكسّارات يتظلّمون وهم يقضمون الجبال

لوسي بارسخيان | الثلاثاء 16/04/2019
شارك المقال :
  • أصحاب الكسّارات يتظلّمون وهم يقضمون الجبال
    فوضى التراخيص والمهل.. والخراب البيئي والاقتصادي (لوسي بارسخيان)
  • كان جبلاً وهوى
    كان جبلاً وهوى
لعلّه من حسن حظ جبال لبنان المتبقّية، منذ حدّدت الحكومة مهلة 90 يوماً لوضع مخطّطها التوجيهي الجديد للمقالع والكسارات، أن تترافق هذه المهلة مع أزمة حادّة في سوق العقارات، ومع عصر النفقات على المشاريع الإنمائية الكبرى، على المستوى الرسمي. فلولا الأزمة لشكّلت هذه المهلة فرصة جديدة لقضم ما تبقّى من جبال، ليس بسبب غياب الروادع القانونية الموجودة أساسا في تنظيم هذا القطاع، وإنّما بسبب غياب الدولة وهيبتها، واستسلامها للضغوط السياسيّة ونفوذ أصحاب المقالع والكسّارات، وإخفاقها في تنفيذ المخطّطات، إلى اتخاذها القرارات ونقيضها. كلّها أمور جعلت اللبنانيّين يقتنعون، بأنّ دولتهم أضعف من مجابهة "وحوش الكسارات" بأي قانون أو مخطّط جديد قد يوضع، وإلا لكانت قد بدأت أولا بمحاسبة المسؤولين عما لحق بجبالنا من تشويه، بدلا من أن تكافئهم، بتمديد المهل لثلاثة أشهر إضافية ومن دون ترخيص مجددا.

استباحة وتفجيرات
بين عين داره وجبال السلسلة الغربية المطلّة على بلدة قبّ الياس، وقرى رعيت ودير الغزال في السلسلة الشرقية، والتويته المطلّة بمرتفعاتها على مدينة زحلة وبعض قرى قضائها، يمكن مشاهدة التشوّهات التي خلّفتها المقالع والكسارات من أي بقعة في البقاع، ما يصعّب التعاطف مع حجج أصحابها، حتى لو كانت ذريعتهم الحفاظ على لقمة العيش.

تمددت هذه المقالع والكسارات في فترات الفوضى، التي سادت بغياب تطبيق القوانين الرادعة، وأيضاً بمهل إداريّة آخرها أعطيت أثناء انتخابات العام الماضي، إلى حدّ استباحة مساحات واسعة من الجبال، وملامسة التفجيرات حدود الأحياء السكنيّة، وحتى منابع المياه.
لكن عند مجابهة أصحاب الكسّارات بهذه الحقائق، يتذرّعون بحال الفوضى التي وضعتهم في موقع الأضعف، بين "الحيتان" القابضين على الجبال بقوة الأمر الواقع في النبي شيت، وحلوى، وعرسال، والهرمل وحتى في ضهر البيدر وغيرها، والتي شكّلت محميّات عصيّة على الدولة وقواها الأمنية.

رخص استثنائية!
العابر في محيط الكسارات المذكورة، سيلاحظ صمت تجهيزاتها حاليّا. بات أسهل على الصحافيّين التقاط الصور لها، بعد أن كان محرّما عليهم حتى التواجد بمحيطها. فيما يبدو بعض عمّالها في حال تأهّب، لمسابقة الوقت متى أعطيت الإشارة بانطلاق عملها مجدّدا. هي حالة السباق المرافقة لكل مهلة إدارية جديدة تعطى لهذه الكسّارات غير المرخصة، والتي تسبّبت بالفوضى العارمة في تلبية حاجة السوق من إنتاج هذه الكسارات، كما يشرح لـ"المدن" رئيس بلدية بوارج محمد البسط، الذي يملك كسارة غير مرخصة في ضهر البيدر.

ليس البسط وحده صاحب الكسارة التي تعمل من دون رخصة في ضهر البيدر، وإنما يشير إلى أكثر من عشر كسارات أخرى، لم تكن بحظ كسارتي آل فتوش وجهاد العرب في استحصالهما على رخص استثنائية طويلة الأمد بهذه المنطقة.  فيما يرى البسط أن أصحاب الكسارات هم المستفيد الأول من تنظيم هذا القطاع، بدلا من تركه في فوضى، وإخضاعه لظروف المهل الإدارية غير المستقرة، فحينها سيتساوى الكل في دفع الضرائب والرسوم، وتسديد الكفالات، وغيرها من المسؤوليات التي تلغي المنافسة غير المتكافئة في القطاع.

تداعيات المخطط التوجيهي
يشرح البسط في المقابل، أنّ كسارته كانت من بين الكسارات التي تقدمت بطلب للترخيص من وزارة البيئة منذ سنوات، وعلى رغم وضع الكفالات المطلوبة، وتقديم المستندات التي تثبت وقوعها ضمن المنطقة المصنّفة للكسارات، إلا أنه لم يبت أبداً في ملفها.

والبسط ليس وحده الذي يشكو من تقصير الدولة في منح التراخيص. فعندما خرج وزير البيئة فادي جريصاتي قبل أيام، ليعلن بمؤتمر صحافي عن قرار الحكومة الجديد، بشأن تنظيم هذا القطاع، لفت إلى أنّ طلب ترخيص واحد فقط قدّم في المخطط التوجيهي الصادر منذ سنة 2002. قد يعيد البعض سبب ذلك إلى أنّ أصحاب الكسارات لا يأخذون الدولة وقراراتها على محمل الجد، وذلك صحيح إلى حد بعيد، ولكن لدى ضاهر قازان، صاحب الترخيص الذي تحدث عنه جريصاتي، رواية أخرى.

بداية يشرح قازان لـ"المدن" أنّ المخطّط التوجيهي السابق حدّد الأراضي في منطقة شرق زحلة في أملاكٍ، بعضها خاص وبعضها تابع للبلديات أو هو مشاع للدولة. وبالتالي، ما إن أعلن عن المنطقة المصنّفة للكسّارات حتى ارتفعت أثمان الأراضي فيها إلى أرقام خيالية.

مع ذلك قرر قازان، الذي تعمل عائلته في مقالع وكسارات رعيت منذ سنة 1976، كما هو حال جزء كبير من أهالي شرق زحلة، الذين يعتاشون بشكل مباشر أو غير مباشر من هذه الكسارات، أن يشتري قطعة أرض، حددت على العقار 314 في منطقة دير الغزال. وبدأ بتقديم المستندات المطلوبة للإستحصال على الترخيص. في سنة 2006 حصل فعلا على رخصة لخمس سنوات، مشروطة بالتقدم بطلب التجديد سنوياً، بعد أن سدد الكفالات المطلوبة والتي وصلت لاحقاً إلى 60 مليون ليرة.
في بداية العام الأول، فوجئ قازان بأنه لن يتمكن من المباشرة بالعمل، إلا بموافقة من وزارة الداخلية، علما أن مرسوم الكسارات - كما يؤكد - لا ينص على مثل هذه الموافقة، ويشير إلى أن الترخيص يصدر من محافظة البقاع، بعد أن توافق عليه وزارة البيئة، وتحيله إلى المجلس الوطني للكسارات. إلا أن وزير الداخلية، نهاد المشنوق حينها، أصر على أن تلاحق القوى الأمينة كل الكسارات العاملة من دون موافقته. وهكذا حصل قازان على رخصة المحافظة، والقوى الأمنية منعته من العمل.. إلى أن تدخلت "الوساطات"، وسمح له بالعمل بعد انقضاء ثمانية أشهر من السنة الأولى. حينها أيضا قرّر المحافظ أن يعوّض عليه الأشهر الثمانية الضائعة بتمديد الرخصة، لكن القوى الأمنية منعته من العمل مجددا.  

الصيد بلا ذخيرة!
في آذار 2018 تقدم ضاهر قازان بطلب لتجديد الترخيص، ولم يبت به حتى 21 كانون الأول، مفوتا عليه فرصة الاستفادة من زيادة الطلب على الإنتاج في فترة الصيف. لكن المفاجأة كانت أنه حصل على الرخصة من دون تفجير، وهذا، كما يقول قازان، كمن يذهب إلى الصيد من دون ذخيرة. هنا وقع قازان مجددا بخلاف مع وزارة البيئة، خصوصا أنه اعتقد أن تحوله إلى منطقة المخطط التوجيهي سيلقى تشجيعاً، يسهم في تطبيق القوانين على المدى البعيد. إلا أن وزارة البيئة تذرّعت في منعه من المباشرة بالعمل، بأنّ بلدية دير الغزال التي يقع العقار ضمن أراضيها تمانع التفجير بحجّة أنها قامت بحفر بئر على العقار 313 الملاصق لعقاره، الأمر الذي رأى فيه قازان مخالفة كبرى، متسائلا عن قانونية حفر بئر في أراض صنفتها الدولة للكسارات، حتى لو كان حفرها لمنفعة عامة، وكيف تم ذلك برخصة من وزير الطاقة حينها سيزار أبي خليل، علما ان حفر الآبار التي لا يتجاوز عمقها 150 متراً لا يحتاج إلى رخصة، بل مجرد علم وخبر.

برأي قازان، فإن الدولة ليست فقط مقصرة بتطبيق القوانين، وإنما هي عرقلت تطبيق المخطّطات التي وضعتها، وبالتالي فإن المشكلة ليست في المخطّط القديم، ولا في أي مخطط جديد سيوضع لتنظيم هذا القطاع، وإنما في التزام الدولة بقراراتها، وقدرتها في تطبيقها على نحو متساوِ على كلّ الأراضي اللبنانية.

اللامساواة
يرفض أصحاب الكسارات عموما التذرع بالتشوهات التي خلّفتها المقالع لإعاقة هذا القطاع الحيوي، ويعتبرون الدولة شريكة في هذا التشويه عندما تقاعست في ملاحقة المخالفين، وغضّت النظر عن الكثير من التعديات، وساوت بين ما يعمل منها بمهل إدارية وغيرها ممّن لم يلتزم يوما بقرار وقف العمل بالمقالع والكسارات.

ويشرح قازان من جهته، أنّ أصحاب الكسارات، حتى تلك التي تعمل بمهل إدارية، ملزمون بتأمين كفالات مالية، توضع في الأساس لضمان تغريم أصحاب الكسارات إذا لم يلتزموا بالمعايير البيئية، المشروطة في المهل الإدارية وفي مضمون التراخيص المعطاة. وكان على الدولة أن تستخدم هذه الكفالات في مشاريع استصلاح الأراضي وإعادة التشجير ولكنها لم تفعل.

برأي أصحاب بعض الكسارات، لو أظهرت الحكومات السابقة جدّية في نقلها إلى مناطقها المصنّفة، لأمّنت لهم حوافز مساعدة، بدلا من وضع المعوقات. ومن هنا تجدهم متوجسين من مهلة التقدم بطلب تراخيص المعطاة لأصحاب الكسارات، والتي يعتبرون أنها ستشكل جرعة أوكسيجين مجانية لمن لا يقيمون وزنا لسلطة الدولة وأجهزتها، ولن تطبّق سوى على الحلقة الأضعف منهم، كما حدث سابقا، عندما أطفئت محرّكات كسارات دون سواها إلتزاما بقرارات وقف عملها في سنة 2015. لتصبح مخالفات هؤلاء ذريعة قوية سمحت بإعادة تشغيل كل الكسارات استثنائياً في الربيع الماضي، تحت ضغط صناديق الاقتراع.
وإذا كان أصحاب هذه الكسارات يسجلون اعتراضهم على إعطاء المهل الجديدة، من دون السماح بتفجيرات تساعد في إقتلاع الصخور، فإنهم يتساءلون في المقابل هل ستكون القوى الأمنية قادرة على منع هذه التفجيرات بكسّارات الهرمل وعرسال والنبي شيت وغيرها، كما ستحرص بالنسبة لكسارات السلسلة الغربية على سبيل المثال؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها