آخر تحديث:00:58(بيروت)
الجمعة 08/03/2019
share

نساءُ باب التبانة لا يحتفلن بـ"يوم المرأة العالمي"

جنى الدهيبي | الجمعة 08/03/2019
شارك المقال :
  • 0

نساءُ باب التبانة لا يحتفلن بـ"يوم المرأة العالمي" وحدها "الطيبة" لا تزال الثابت الأجمل على وجوه أبناء المنطقة (علي علّوش)

نساءٌ كثيراتٌ لا يعرفن شيئًا عن "يوم المرأة العالمي"، الواقع في الثامن من شهر آذار. هو يومٌ مثل كلّ الأيام بالنسبة إليهن. يمضي كأنّ شيئًا لم يكن. ربما سمعن عنه صدفةً على الراديو، أو لمحن منشورًا على الفايسبوك يحمل "هاشتاغ" هذا اليوم، من دون أن يكملن قراءته. قد يعتقدن أنّهن لسن النساء المعنيات بهذا التاريخ، وأنّه يحمل خطابًا لا يندرج على لائحة أولوياتهن. أو ربما أيضًا، يرفضن أن يكنّ جزءًا من المعنيات بـ"يوم المرأة العالمي"، لأسبابٍ يطول شرحها، تبدأ وتنتهي بإيمانهن أنّ الرجال هم ملوك الأيام كلّها، وأنّهن جزءًا تفصيليًا من هذه المُلكيّة.

"نساء ذكوريات"!
البعض يُطلق عليهن لقب "النساء الذكوريات"، وأنّهن أخطر على النساء من "الرجال الذكوريين". لكننّي لم أرَ يومًا في اللقب انعكاسًا حقيقيًا لواقع حالهن، وإن كنّ كذلك. أجد نفسي أمامهن من دون موقف. لا معهن ولا ضدّهن. وأحيانًا، أشعرُ بخليطٍ من المواقف المتناقضة تجاه هؤلاء النساء. هو شعورٌ بالغضب منهن والتضامن معهن. وهو شعورٌ بالإنتماء إليهن والغربة عنهن. هنّ نساءٌ كثيرات. جدّاتٌ، أمّهاتٌ، حمواتٌ، خالاتٌ وبنات خالاتٍ، عمّاتٌ وبنات عمّاتٍ، جاراتٌ، عاملاتٌ و"معلماتٌ"، وغيرهن كثيرات.

"النساء الذكوريات"، لقبٌ فضفاضٌ يُحيي شريط ذاكرتي، ويأخذني إلى الوراء، نحو مسقط رأسي في منطقة باب التبانة في طرابلس، التي وُلدّتُ وعشتُ فيها سنوات طفولتي الأولى، حتّى بلغتُ الـ 11 عامًا، قبل أن نترك بيتنا، ويأخذنا والدي للعيش في منطقةٍ أخرى بعيدةٍ منها. في باب التبانة، عايشتُ النموذج النسائي الأول في حياتي، اللواتي كنّ تلقائيًا من غير المعنيات بمناسباتٍ على هيئة "يوم المرأة العالمي". لم أفتّح عينيّ هناك، على خطابٍ نسائيٍ واحد، أو حتّى حركة اعتراضيّة بسيطة، تطالب فيها النساء بواحدٍ من حقوقهن الفرديّة المسلوبة. لم يرد أصلًا في ذاكرة قاموسي الطفولي مصطلح "فرد" و"فرديّة"، في ظلّ سطوة ثقافة "الجماعة"، التي يكرسّها النظام العائلي والأبوي. في تلك السنوات، لم يتردد على مسمعي مثلًا عبارات من سلالة "حقّ الأمّ بإعطاء الجنسية لأبنائها، تزويج القاصرات، الحقّ في العمل، الاستقلال الاقتصادي للمرأة إلخ.. ". كنت أرى النساء في باب التبانة، راضياتٌ وقنوعات، قبل أن أعرف لاحقًا أنّ الرضى والقناعة يشمل اضطهادهن وظلمهن.

ربات البيوت "الجبّارات"
مشاهدٌ سريعة أستعيد ذكراها، كأنّها لفيلمٍ قديم يحكي عن نساءٍ جبّاراتٍ بقوتهن ومظلومات بخضوعهن في آنٍ معًا. أتذكر كيف كانت الجارات تتنافس بنشر الغسيل على شرفات منازلهن، لأخذ لقب "صاحبة الغسيل الأكثر نصاعًا وبياضًا". كانت الجارات هناك (وما زالت معظمهن) يتباهين بامتلاك غسالات تقليدية (جرنين) التي تحتاج جهدًا جسديًا كبيرًا في العمل، ويعتبرن أنّ الجارة التي تطلب من زوجها شراء غسالة "أوتوماتيك"، هي امرأة كسولة وغير نظيفة ولا تحبّ العمل. كنت أسمع وأشاهد النساء في باب التبانة ينظمن أوقاتهن على المواسم: موسم العزيل، موسم تدبيس الرمان، موسم عصر الزيتون، موسم العيشة خانم والبازيلا..

في تلك البقعة الجغرافية، المنزل هو محور حياة هؤلاء النساء، منذ ولادتهن طفلات حتّى موتهن عجوزات. شكليًا، يُمسك الرجال بزمام السلطة في هذه المنازل. أمّا في المضمون، فالنساء تقبض أيديهن على إدارة السلطة داخل منازلهن، شرط أن تصب بنهاية المطاف في خدمة المبادئ العليا لسلطة الرجل. أتثبّتُ من هذه النظرية، حين أتذكر شبكة الأحاديث / النميمة، التي كانت تدور بين نساءٍ أعرفهن في باب التبانة.

العريس "اللقطة"
التمييز في التربية بين أولادهن وبناتهن، كان لدى معظم الأمهات تلقائيًا لا يخضع لأيّ جدل أو اعتراض. الأولاد يعززن "رجولتهم" بتشجيعهم على النزول إلى الشارع، والعمل في العطلة الصيفية، أو تعلم "مصلحة" إذا لم "يفلحوا" في العلم، وأحيانًا بتوكيلهم مهمة شراء الأغراض أو دفع فواتير المنزل. أمّا البنات، فيحرصن الأمهات على تعقب كلّ تحركاتهن على "الشرفات" وفي محيط المنزل، حمايةً من نظرات جارٍ أو عاملٍ، قد تؤدي إلى عواقب وخيمة (معظم قصص حبّ المراهقين هناك تكون عواقبها وخيمة). في الحالة العامة للمنطقة، كانت المدرسة هي المكان الوحيد الذي تذهب إليه الفتاة منفردة. أمّا في مشاوير أخرى، فلا بدّ أن تكون برفقة والدتها أو أحد أشقائها الأكبر منها سنًّا. كنت أشاهد فتياتٍ مراهقاتٍ أعرفهن في الحيّ، يلبسن فجأةً ثيابًا فضفاضة ويتحجبن. كانت الأمهات تنتظر سنّ بلوغ بناتها، لتحجيبهن وإخفاء ملامح أجسادهن الأنثوية. كان لا بأس بتزويج فتاةٍ فور بلوغها، "إذا كان العريس لقطة". أتذكر شكل جارتي الصغيرة، التي كانت تعيش قُبالة منزلنا في الحيّ الضيّق نفسه، حين تنتظر ذهاب أمّها إلى سوق الخضار كلّ صباح، حتّى تفتح الشباك وتشغّل الراديو على إذاعة أغاني على أعلى صوت، ثمّ يبدأ جسدها الجميل بالتمايل والرقص إلى حين اقتراب ساعة عودة والدتها.

مآثر الفقر والطيبة
بعد 15 عامًا من مغادرة باب التبانة، أعود إلى المنطقة بين وقتٍ وآخر لتفقّد أحد الأقرباء أو لإنجاز مهمات صحافيّة. في إحدى المرات، كنت أنجز تحقيقًا عن النساء الناجيات من الحرب بين جبل محسن وباب التبانة، لصالح منظمة حقوقية. سألتُ سيدةً بعد أن روت لي قصّتها إن كانت تتعرض لتعنيف معنوي، فطلبت منّي توضيح معنى سؤالي الذي لم تفهمه. في هذه العودة، لم أرَ أنّ ثمّة  شيئًا تغيّر. كأنّ مآثر الحرب الفقر والبطالة، لم تترك فرصةً للتغيّر. وحدها "الطيبة" لا تزال الثابت الأجمل على وجوه أبناء المنطقة. الكلّ يتقاسم البؤس والحاجة، وابتسامةً صغيرةً يقهرون بها حُزن وجهوههم الطيّبة.

أمّا تلك النساء، اللواتي لا يعنيهن "يوم المرأة العالمي"، واللواتي يتحملن التعب والظلم بحقوقهن ومكتسباتهن، في البيت والشارع والمحاكم وفي زواجهن وأمومتهن، ما زلن "يكدحن" كما كان حالهن أبداً، ولا يجدن وقتًا للسؤال عن معنى تخصيص يوم لتكريمهن في 8 آذار.. فيما أجسادهن المنهكة تعبًا وترهلًا وانجابًا، فتهرول على الطريق تحت عباءاتهن، للذهاب إلى سوق الخضار واللحوم، من أجل التسوّق وحمل الأكياس الثقيلة على عجل، كي لا يداهمن الوقت بعودة أزواجهن إلى المنزل، قبل انجاز "الطبخة".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها