آخر تحديث:00:58(بيروت)
الجمعة 08/03/2019
share

رحلةٌ شاقة بين طلاقين وسلطة دينية ومجتمع نمطي

منى حمدان | الجمعة 08/03/2019
شارك المقال :
  • 0

رحلةٌ شاقة بين طلاقين وسلطة دينية ومجتمع نمطي من قال إنني أريد أن أتزوج مرة أخرى؟ (Getty)

"إنها المواجهة الثانية"، قلت لنفسي بامتعاض. و"الأخيرة"، ردّدتها في سرّي بنبرةٍ حاسمة. فموعدي الأول مع المحكمة الشرعية، لم يسر على ما يرام. كان طلاقي حينها، المناسبة التي أدخلتني إلى هذا المكان للمرّة الأولى، ووضعتني في مواجهة مباشرة مع السلطة الدينية. سلطةٌ يمثّلها رجلٌ، يسمح لنفسه أن يتدخّل في حياة الناس وشؤونهم الخاصة، متسلّحاً بامتيازين، حصل عليهما من دون جهد كبير: كونه ذكراً ورجل دين، تشهد على ذلك عباءته وعمامته.

المهانة الأولى
رافقني والدي يومها إلى المحكمة. لم أشعر بأي رهبةٍ على الإطلاق لدى دخولنا. شعوري الأول كان الغضب، الذي اضطررت إلى كبته، لنتمكن من تخطي الباب الرئيسي. وضع حجابٍ على الرأس شرطٌ أساسي لدخول المرأة إلى هذا المكان، مخافة أن تدنّسه طبعاً. منذ لحظة دخولي إلى هذه المحكمة، شعرت بالقمع وبأن أحداً يحاول إخضاعي، وقد أغضبني ذلك.

فور وصولنا إلى الطابق الثاني اعتقدت أننا في دائرة حكومية. كل ما في المكان يوحي بذلك، الناس الذين ينتظرون دورهم، الفوضى المنتشرة في المكان، المحسوبيات التي تقرّر من يدخل إلى مكتب القاضي الشرعي أولاً، والإجراءات الروتينية. أمضينا أكثر من ساعتين ونصف داخل زواريب المحكمة، نخرج من مكتب قاضٍ مع إمضائه أو ختمه على الورقة، لندخل إلى مكتب آخر للحصول على إمضاء آخر، حتى انتهى بنا الأمر أخيراً في مكتب القاضي الذي سيتمّم إجراءات الطلاق. وشرع في تلقين زوجي السابق بعض جملٍ، لم أحفظ منها شيئاً، ما عدا الجملة الأخيرة. بالطبع كنت أتوقّع أنني سأسمع خطاباً لا يشبهني ولن يعجبني، لكن ما لم أتوقّعه هو مدى شعوري بالإهانة. طلب الشيخ من طليقي أن يقول لي جملةً تعني أنه "حرّرني من ممارسة الجنس معه". وقعت تلك الجملة كصفعةٍ قويةٍ تركت أثراً على وجهي: هو وحده قادرٌ على "تحريري" من مهمتي الزوجية "الجنسية".

لوائح الممنوعات
مرّت سنواتٌ قليلة، بداياتٌ ونهايات، وخيباتٌ ورحلات، وتجارب كثيرة. وعدت إلى المحكمة نفسها لإجراء معاملات انفصالي عن زوجي الثاني. ذهبت وحدي هذه المرّة، أردت أن أعتمد على نفسي. لم يكن معي رجلٌ "يحميني" هذه المرة، من محاولات القاضي الشرعي التدخل في حياتي. طلب إلينا أن نجلس، على الرغم من أننا أخبرناه أنه لا مجال لإصلاح الأمور. أعطى لنفسه الحق أن يسألني أسئلةً خاصة وشخصية، عن علاقتي مع زوجي السابق، عن أسباب عدم إنجابنا أطفال. بعد أخذ ورد، وغضبٍ منه، لأنني لم أرد الاستماع إلى نصائحه، أنهى الإجراءات بعصبيةٍ واضحة.

ما بين التجربتين معارك وحروب كثيرة خضتها مع نفسي، ومع المحيطين والقوالب والحواجز. بعد كل هذه السنوات والتجارب، صدّقت يوماً أنني سدّدت مسبقاً ثمن حريتي ومساحتي، لكن الحياة لا تتوقف عن إدهاشي. بالطبع كانت النصائح أول ما بادر إليه، في المرّتين، غالبية من يعرفونني، حتى غير المقرّبين منهم. الجميع سمح لنفسه أن يتدخّل ويسأل عن أسباب الانفصال، وكثيرين منهم اعتبروا أن لهم حقاً مكتسباً في لومي لعدم رؤية فشل هذه العلاقة مسبقاً! وآخرون وجّهوا لومهم في اتجاه تعاطفي مع زوجي السابق، على اعتبار أنني "الشريرة" التي أنهت العلاقة. وكأن الجميع تسلّح باللوم لإعادتي إلى مساري "الطبيعي" والمقبول اجتماعياً. رافقني شعور بالذنب لم أكن أعرف مصدره أو كيف أتخلص منه لفترةٍ طويلة. امتلأت أذناي بأصوات غريبة توشوش فيهما لوائح الممنوعات. "أنت الآن مطلّقة وسمعتك مهمة، انتبهي إلى تصرفاتك لا يمكنك أن تفعلي ما يحلو لك"، قالتها لي صديقة، كنت أظن أنها تشبهني يوماً. أما أكثر النصائح "رجاحةً" فكانت أنه عليّ أن أتروّى كثيراً قبل أن أتزوّج مرةً أخرى، كان ذلك بعد انفصالي الأول، وأنا ما زلت في الثلاثين من عمري. لكن بعد انفصالي الثاني بنحو شهر، لم يعد التمهّل في هذا القرار ضرورياً، وسمعت كثيراً سؤال: "متى تعتقدين أنك ستتزوجين مرة ثالثة؟".

الخروج عن الدور
لم أفهم بدايةً، ما الذي تغيّر؟ أين ذهب التمعّن في اتخاذ قرار مصيري كالزواج؟ لماذا عليّ أصلاً أن أتزوّج مرةً أخرى؟ أتاني الجواب سريعاً: أنا الآن أكبر سناً، واقتربت، بالنسبة إلى المجتمع، من سن انتهاء صلاحيتي، ويجب أن أسرع في إنجاب طفلٍ قبل أن تنقطع دورتي الشهرية وأصبح بلا فائدة.

"من قال إنني أريد أن أتزوج مرة أخرى؟ السبب الجوهري لانفصالي الثاني كان عدم قدرتي على التعامل مع مؤسسة الزواج نفسها، أشعر أنها لا تناسبني. وقد اتخذت قراراً حاسماً بعدم الزواج مرة أخرى، ناهيك عن موضوع إنجاب الأطفال". ضحكوا كثيراً، كل من سمع مني هذا الجواب ضحك. لم يصدّقني أحد، بل سخروا من كلامي وأكدوا أنني سأغيّر رأيي قريباً. كانت تلك الفترة، المرة الأولى التي أشعر فيها حقاً أنني لست موجودة. شأني كشأن كثيرات لا يعترف المجتمع بوجودنا إلا إذا ارتضينا الدور الاجتماعي الإنجابي المحدّد لنا، كشرط أساسي لكياننا، أما من تخرج عن هذا الدور فهي غير مرئية. وبالتالي تضاف إلى معاركنا اليومية الكثيرة مع القوانين والنظم والأفكار المتفق عليها، صراعٌ جديد للبحث عن مساحة ومكان لأمثالنا، في مجتمع تسيطر عليه النمطية، ولانتزاع اعتراف بكياننا، وليأخذنا الآخرون على محمل الجد، خصوصاً حين نعبّر عن رغباتنا ونقول إننا حرّات.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها