آخر تحديث:00:02(بيروت)
الثلاثاء 05/03/2019
share

فالق زلزالي يهدد سد بسري و"الإنماء والإعمار" يرد: هرطقة!

وليد حسين | الثلاثاء 05/03/2019
شارك المقال :
فالق زلزالي يهدد سد بسري و"الإنماء والإعمار" يرد: هرطقة! الأهالي: سنقف بشكل واضح وصريح في وجه بناء السّد (Getty)
لننسى جميع المشاكل البيئية التي سيُحدثها سد بسري، على مستوى تغيّر المناخ، بفعل قطع مئات آلاف الأشجار، التي تمتصّ سنوياً حوالى 20 مليون كيلوغراماً من الكربون. ولنضع جانباً قضاء السّد على الإرث الثقافي والتاريخي، ويهدّد عشرات المواقع الأثريّة الفينيقيّة، والرومانيّة، والبيزنطيّة، والمملوكيّة، والعثمانيّة. ولننظر إلى جدوى هذا السدّ، الذي سيكلّف الدولة مئات ملايين الدولارات، من دون الحصول على المياه المطلوبة لتغذية العاصمة بيروت، كما هو مخطّط له.

اعتراض الأهالي
هي صرخة نابعة من لجنة أهالي وسكان البلدات المجاورة لمرج بسري، المحيطة بهذا السّد المزمع إنشاؤه هناك. ولكون لغة المنطق والعلم لم تَعدْ تُجدي نفعاً لا مع "مجلس الإنماء والإعمار" ولا مع "البنك الدولي" المموّل للمشروع، "توقفنا عن الأخذ والرد معهم، وأعلنّا مقاطعتنا للاجتماعات، لنقف بشكل واضح وصريح في وجه بناء السّد، وفي مواجهة مباشرة مع القيّمين عليه، ومطلبنا واضح: إجراء دراسات جديدة، تنطلق من جدوى المشروع، وليس لتبريره، كما قال الناطق باسم "اللجنة" رجا نجيم في حديث إلى "المدن".

رفض الأهالي المشروع منذ العام 2011، أي منذ أن أجرى "المجلس" استبياناً لأهالي المنطقة، حول الأثر البيئي للسدّ. وطعنوا بمرسوم الاستملاك منذ العام 2015. وعندما لم يجدوا آذاناً صاغية، لجأوا إلى "البنك الدولي" (ممول المشروع) وعقدوا اجتماعات متابعة معه، ومع لجنة الخبراء لنحو سنتين، لكن الجميع يعملون وفق "أمر مهمة محدد مسبقاً، أي بناء السد"، كما قال نجيم.

ومشكلة الأهالي مع لجنة الخبراء، أنّ أعضاءها هم خبراء سدود وليسوا خبراء جيولوجيا وزلازل، أي أنها لجنة لتبرير بناء السد، وليست لدراسة جدوى المشروع. ومقاربة "البنك الدولي" لا تختلف عن مقاربة مجلس الإنماء والإعمار، كونه بتّ مكان السّد، طالما أنّ الدولة اللبنانية تريده. ورغم الدراسات الكثيرة التي زوّدوا بها "البنك الدولي" حول مخاطره، لم يلتفت الأخير، وأدار الأذن الطرشاء. من هذا المنطلق أتى الاعتصام أمام مقر البنك الدولي، يوم الاثنين في 4 آذار، كما قال نجيم.

مخاطر جيولوجية
فعلى المستوى الجيولوجي، وفق نجيم، هناك دراسات كثيرة وضعت للموقع، سواء لناحية جوانب السد أو أرضيّته. وأظهرت أنّ الجزء الأكبر من جوانب السّد ستكون قائمة على طبقات رمليّة صلصاليّة، التي ستصبح معرّضة للانجراف بمجرد قطع الأشجار منها. وعلى مستوى أرضيّة السدّ، سيحافظ القيّمون على الجرفيّات النهريّة الحالية في المرج ليتمّ رصّها بعد معالجتها. علماً أنّ تحت تلك الجرفيّات يوجد مجاري مياه جوفيّة، ضمن طبقة صخرية هشّة ومتشققة، وشبيهة بطبيعة الجرفيّات النهرية، في عدم متانتها ومقاومتها. إذ تبيّن وفق دراسة حفر ثلاثة آبار قام بها الأهالي، أنّ مقاومة الصخور الجوفية شبيهة بمقاومة الجرفيات، ما يعني أنّه لا يمكن تحميلها أوزان المشروع: وزن المياه التي ستتراكم، ووزن الجدار الاسمنتي المانع لتسرب المياه بطول 122 متر، ووزن السّد الركامي بطول 73 متر ووزن الجرفيات النهرية. إذ يقوم المشروع على بناء جدار إسمنتي لمنع تسرّب المياه خارج إطار البحيرة، سيشيّد على تلك الصخور الجوفية "الكارستية" الهشّة. وهناك شبه استحالة في عزلها، ما يعني أن دور هذا الجدار هو لدعم السّد الهرم الركامي أيضاً. بالتالي سنكون أمام سدّ طوله نحو 195 مترا وليس 73 متراً، لا تكمن مخاطره في تسرّب المياه وحسب، بل في تعرّضه للتشقّق والهبوط.

الزلازل
أما على مستوى حركة الزلازل، فقد انطلق القيّمون على المشروع من دراسة، تقرّ بأنّ الفالق الزلزالي الذي يمرّ تحت السد والبحيرة غير نشط، وبأنه غير متّصل بفالق روم الزلزالي. ولم ينصتوا للأهالي، رغم تقديم تقارير ودراسات عدّة، تثبت أن الفالق نشط زلزالياً بسبب تكسّرات الأرض من جهة جزين، والالتواءات في منطقة الشوف. هذا فضلاً عن دراسة تقرّ بأن الفالق لا يمتدّ إلى فالق روم وحسب، بل يكمل طريقه بموازاة منطقة "جوبة بسري"، التي تعتبر نقطة الارتكاز للزلزال الذي حدث في العام 1956. والدراسة "التكتونية" استشاريّي "المجلس" لم تلتزم "دستور" الأصول والمعايير الأوروبية (Eurocode) والأمريكية، ما يجعلها باطلة إسوة بالدراسات والاستنتاجات التي قامت عليها، وفق نجيم.

لا مياه لبيروت
يقوم المشروع على فكرة تجميع المياه لجرّ نحو 120 مليون متر مكعّب إلى العاصمة بيروت الكبرى. لكن جميع الدراسات التي أجريت تعود للعام 2009 وللعام 2012 حول كميات المياه، أي قبل بدء ظهور نتائج التغيّر المناخي بشكل واضح، كما اكّد نجيم، رغم كون كميات المتساقطات انخفضت في السنوات الخمس الفائتة كثيراً عن معدّلات السنوات التي سبقتها. وهناك مؤشّرات بأن تستمر بالانخفاض توازياً مع ارتفاع حرارة الأرض. فمنذ العام 2014 ووصولا إلى العام 2018 كانت كميات المياه السنوية في نهر بسري لا تذكر، إذ سجّل أدناها 25 مليون متر مكعّب وأقصاها 60 مليوناً. كما أن نهر بسري يتغذى من نهر جزين بشكل طفيف، ومن نهر الباروك بشكل أساسي، وربما بسبب التحويلات الكثيرة التي طرأت على هذا النهر في الشوف الأعلى، باتت كميات المياه التي تصل إلى بسري قليلة جداً. زد على ذلك، أنّ العودة ستون عاماً إلى الوراء، في دراسة الدورة المائية المتأتية من المتساقطات، أمطار وذوبان الثلوج، تشير إلى وجود دورة خفيفة كل عام، وأخرى متوسطة مرة كل 5 إلى 8 أعوام. وإذا كانت الدورة الخفيفة تتراوح بين 50 و80 مليون متر مكعب في السابق، فحاليا لا تتجاوز معدلاتها السنوية الـ25 والـ60 مليون فقط. ما يعني أنّ المخطط الأساسي الذي قام عليه المشروع لمدّ منطقة الإقليم بـ5 مليون متر مكعّب، وبيروت بـ120 مليوناً، بات بحاجة لإعادة دراسة من جديد. ففي حال بقيت معدلات النهر تتراوح بين 25 و60 مليون متر مكعب، لا يمكن جر حتى متر واحد من المياه إلى بيروت.

اعتراف البنك الدولي
أقرّ التقرير الصادر عن البنك الدولي في نهاية العام 2018، أن كميات المياه لصالح بيروت كبرى هي من نهر الأولي 20 مليون متر مكعّب، ومن نهر بسري 40 مليوناً، كتوزيع مُرتقب لمجموع الـ60 مليون المُعلن عنها. وأضاف نجيم، أنه حتى وفق أرقام "البنك الدولي" من المستحيل مدّ العاصمة بالمياه. فعلى المساحة السطحية لأرض بحيرة السد التي تمتد لنحو مليون متر مربع، فإنّ نسب المياه المتبخرة وتلك التي ستتسرّب إلى باطن الأرض، كبيرة جداً. يضاف إليها كميات من المياه التي يجب أن تبقى مجمعة خلف السد، لحمايته من عوامل الطقس، وحوالى 15 مليون متر مكعّب يجب أن ترسل إلى نهر الأولي لتأمين ديمومة جريانه. وهذه الكميات تقدّر بنحو 50 مليون متر مكعّب، ما يعني أنه من المستحيل جر حتى متر مكعب واحد لبيروت. بالتالي لا فائدة من مشروع سدّ وضع القيمون عليه مخططاً لتجميع كمّيات مياه سطحية سنوية، بينما هو في الواقع يحتاج إلى أكثر من 8 للوصول إليها.   


مياه ملوثة غير متوفرة
يخطط القيّمون على المشروع لاستجرار 60 مليون متر مكعب من المياه من بحيرة القرعون، رغم أن مصلحة الليطاني رفضت حتى استجرار متر مكعب من البحيرة. أولاً لكونها ملوثة، وثانياً لكون كميات مياهها السنوية لا تتجاوز الـ225 مليون متر مكعّب، أي سعة البحيرة السنوية في أفضل حالتها. وفي حال وصلت كميات المياه فيها إلى أقصى حدودها، لن تسمح المصلحة باستجرار المياه من البحيرة، كون مشاريع الليطاني تحتاج إلى حوالى 190 مليون مكعب سنوياً، فيما تحتاج البحيرة إلى استبقاء نحو 35 مليون متر مكعّب، لحماية الحوض من عوامل الطقس.

رفض الأدلة 
إلى ذلك جاء في الملحق E لتقرير تقييم الأثر البيئي والإجتماعي، الذي أعدته شركة دار الهندسة – شاعر لصالح مجلس الإنماء والإعمار، توصية من الخبراء المكلفين، بضرورة إرجاع موقع السد إلى الوراء في منطقة أقرب إلى مُلتقى النهرين ضمن قضاء الشوف، بسبب طبيعة الأرض "الكارستية"، وإمكانية تسرّب المياه منها إلى جوف الأرض كبيرة جداً. لكن القيّمين على المشروع يرفضون جميع الحجج التي يسوقها الأهالي، ولم يعيروا مضمون هذا الملحق أي اهتمام. وعليه يعتبر نجيم إنّ القبول بهذا السدّ لا يمكن أن يأتي من إنسان عاقل يملك منطق علمي سليم، فكيف سيقبل به أهالي المنطقة، الذين سيتضرّرون منه بشكل مباشر وغير مباشر؟ لذا كان على "المجلس" الأخذ برأي طرف ثالث محايد، طالما أن هناك رأيين متناقضين حول جدوى بناء السدّ. وهناك رأي مستقل لأخصائي جيولوجيا وزلازل ذهب بإتجاه ضرورة إلغاء المشروع، لكن "المجلس" والبنك الدولي لم يأخذا به كونه ليس لمصلحتهما. 


رد الإنماء والإعمار
أمام هذه التبريرات التي يسوقها الأهالي، لرفض هذا المشروع، ردّت مصادر "مجلس الإنماء والإعمار" معتبرة أن المعترضين لديهم أجندات خاصة، و"يستهدفون جميع المشاريع التي تقوم بها الدولة لأسباب شعبوية". وفي ما يتعلق بسدّ بسري نفت المصادر "مزاعم الناشطين البيئيين الذين ينصّبون أنفسهم خبراء جيولوجيا وزلازل ومياه". فالمجلس استقدم خبراء من العالم لا تقل خبرة الأقل جدارة فيهم عن بناء 50 سداً في العالم، ويتعاون مع نحو ثمانية مكاتب هندسية مشهود لها. بينما "الخبير بين الناشطين هو ابن ضيعة يعلم في مدرسة إبتدائية، وينصّب نفسه خبيراً في كل شيء". وقال المصدر: "ليأخذنا الشباب بحلمهم ويقرأوا التقارير التي ارسلها لهم المجلس عندما قدموا شكوى لدى مجلس شورى الدولة ضد المشروع".

وأضاف المصدر أن الدراسات التي أجريت لهذا المشروع كافية ووافية على جميع الأصعدة. فـ"مجلس الإنماء والإعمار" تكلّف ملايين الدولارات على الدراسات. وهي حديثة وتعود لسنتين، حول الجيولوجيا والزلازل وكميات المتساقطات، قبل دخول الدولة بهذا المشروع الذي سيكلف نحو 600 مليون دولار للمنشآت. بالتالي، المسألة ليست مزحة ويرتّب مسؤولية كبيرة على الدولة.

وأضاف المصدر، إذا كان الناشطون يملكون دراسات مكتوبة، ويريدون الإجابة عليها بشكل خطي، فأهلا وسهلا بهم، وسيكون "الردّ عليهم علمياً ومسنداً بدراسات حديثة، حتى لو كان يصعب عليهم حتى قراءتها". ويضيف: "غير ذلك، ما يكتبونه لا يستند إلى علم أو منطق أو أرقام أو معطيات. وجل ما يكتبونه أنّ السّد سيحدث زلازل ولن يجمّع المياه المطلوبة. وعندما أثبتنا لهم انّ السد يصمد أمام الزلازل للأسباب العلمية التالية.. غيروا لغة الكلام. وهكذا دواليك. لذا يرفض المجلس الدخول بمهاترات إعلامية معهم، كما قالت المصادر.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها