آخر تحديث:00:08(بيروت)
الثلاثاء 26/03/2019
share

الإشارات الضوئية تصل إلى طرابلس متأخرة 40 عاماً

جنى الدهيبي | الثلاثاء 26/03/2019
شارك المقال :
  • 0

الإشارات الضوئية تصل إلى طرابلس متأخرة 40 عاماً التحدي الصعب هو كيفية تأقلم أبناء المدينة مع الإشارات الضوئية الحديثة (Getty)

لسير "المركبات" في عاصمة الشمال، عالمه الخاص، المنفصل عن عوالم سيرها في مختلف أراضي لبنان، لا سيما في عاصمته المركزيّة بيروت. تتشارك طرابلس مع أقرانها من الأراضي اللبنانية، بزحمةٍ خانقة، تستنزف أوقات و"أعصاب" أبنائها على الطرقات، بانتظار فرج نفاذ سياراتهم من "العجقة"، في لحظات ذروة الإزدحام، ليلًا ونهارًا.

جنون ولا قانون
تتصدر طرابلس قائمة "الأكثر طرقات سوءًا" في لبنان، لما تعانيه من اهتراءٍ في بنيتها التحتيّة، والانتشار الهائل للمطبات والحفر، التي تلقى بسببها كثيرًا من السيارات حتفًا مريرًا. وحدهم "العارفون" والحافظون لحُفر المدينة وجورها الغدّارة، يُحسنون التحايل عليها في قيادتهم يمينًا وشمالًا، أو النزول فيها على مهلٍ بأسوأ الأحوال، حين تنعدم خيارات التحايل في مختلف الاتجاهات. لكن، هل تتخيلون أنّ كلّ هذا السوء المُتحكم بسيارات أبناء المدينة والعابرين فيها من دون "إشارات ضوئية" للمرور أيضًا؟

نعم، طرابلس مدينة (مئة شحطة تحت كلمة مدينة)، تعيش منذ عقودٍ طويلة من دون إشارات ضوئية لتنظيم حركة السير. لا تعرف سيارات أبنائها التعاطي مع ألوان الأحمر والأخضر والأصفر. لا عتب عليهم، وإن كانت القيادة في طرابلس ضربًا من الجنون والهستيريا. القانون هو من يغيب عنهم، وليسوا هم من امتنعوا عن الإلتزام به، ولو بالحدّ الأدنى، في بلد يتقن فنون خرق القوانين. أمزجة الناس وطباعهم الموتورة والمستعجلة دومًا، وحدها المتحكمة في قيادة سيارات المدينة. أمّا "العترة"، فتبقى على "الأوادم" الذي يحرصون على القيادة بانتباهٍ وعلى مهل، حفاظًا على سلامتهم والسلامة العامة، لدرجة يجري التعاطي معهم بعصبية، يعبّر عنها "المستعجلين" بزماميرهم حينًا، وبعبارات اللوم والشتائم حينًا آخر. 

"الزمن الجميل"
حال عناصر الشرطة المنتشرة على عددٍ قليلٍ من النقاط الأساسية لأوتوسترادات طرابلس، يصلح أن يكون مشهدًا من فيلمٍ كوميدي. في يدٍ يحملون جهازًا، وفي يدٍ أخرى صفارة. في ثوانٍ معدودة، يلتفتون عشرات المرات في كلّ الاتجاهات كروبوت آلي، لتوجيه التعليمات والأوامر لكلّ تقاطع بالوقوف أو السير. وفي الثواني نفسها، يواجهون تذمر المواطنين خلف زجاج سياراتهم وزماميرهم وصراخ بعضهم، ثم يضبطون محاضر للمخالفين، أو من يصفوهم بـ"المتذاكين" الذين "يدعسون" على البنزين، غير آبهين بأوامر الشرطي للوقوف. 

المفارقة المضحكة والمبكية، أنّ طرابلس مدينة تشهد انحدارًا نحو الأسوأ، مقارنةً مع "زمنها الجميل"، بدل التطور نحو الأحسن. مظاهر الحداثة والثقافة والرقي والنظافة والعمارة والنظام، مرتبطة في ذاكرة المدينة بحقبة الستينات والسبعينات، حين كانت تعيش أوجّ عزّها. وعند سؤال أحد العارفين بتاريخ المدينة الحديث، يؤكد أنّ طرابلس في تلك الحقبة كانت أولى المدن اللبنانية التي رُكّبت فيها إشارات المرور الضوئية. ففي طرابلس، ثمّة "آثار" لإشارات ضوئية معلّقة ومعطلة، التي أصابها الاهتراء والصدأ. بعضها يعود إلى الماضي "الجميل"، وبعضها الآخر عُلّق قبل سنواتٍ بهبةٍ خليجية، لم يستمرّ العمل فيها لأنها تقليدية وغير فاعلة. 

إشارات ضوئية مقبلة
أخيرًا، أطلق رئيس بلدية طرابلس المهندس أحمد قمرالدين، الأسبوع الماضي، مشروع تركيب الإشارات الضوئية وكاميرات المراقبة والأنظمة الذكية للتحكم المروري، وتأهيل 11 تقاطعًا في مدينة طرابلس. وذلك، بدءًا من تقاطع البحصاص، فساحة عبدالحميد كرامي (ساحة النور)، تقاطع الروكسي، ثم شارع عزمي، وصولًا إلى تقاطع المئتين، وأيضا تقاطع النيني وتقاطع شارع المطران، إلى جانب إشارتين في أبي سمراء ليصبح العدد 11 تقاطعًا.

استغرق تحضير المشروع وقتًا طويلًا تجاوز عامين من العمل. ومدة تنفيذه تحتاج ستة أشهر، بمتابعة شركة Sets، ومديره المهندس رواد سلامة، فيما كلفته تبلغ 3 مليار و300 مليون ليرة لبنانية، لـ 11 تقاطعًا يضم نحو 60 إشارة ضوئية.

يصف قمر الدين هذا المشروع بـ "الإنجاز الكبير"، وأنّه على أعلى مستوى في الإشارات الضوئية في لبنان. وبالاتفاق مع هيئة إدارة السير، تستطيع الاشارة أن تجمع تحاليل عن نسبة الازدحام عند التقاطع، فتعدّل تلقائيًا عملها لتسهل حركة المرور. هذا، بالإضافة إلى تركيب كاميرات تلتقط لوحات السيارات، وتستخدم في حال مخالفة الإشارة الضوئية، وإرسال المخالفة لصاحبها إلكترونيًا، بعد أن تأخذ رقم السيارة وأوصافها، إلى جانب تصوير المخالفات وتصوير القضايا الأمنية.

المشروع الذي من المتوقع انتهائه في شهر حزيران المقبل، قد يكون التحدّي الأصعب فيه، هو كيفية تأقلم أبناء المدينة مع الإشارات الضوئية الحديثة، لا سيما أنهم يواجهون صعوبة الإلتزام بها، لمجرد خروجهم من طرابلس نحو مناطق ومدن أخرى. فالتعوّد على ثقافة الإشارات الضوئية، يحتاج وقتًا للإلتزام والتأقلم. وهو ما قد ينبئ من خشية المواطنين ارتكاب كثيرٍ من المخالفات، غالبها عن غير قصد. وهنا، لا ننسى توقع مصير أصحاب سيارات الأجرة والتاكسي، المعروف معظمهم في طرابلس بالمبارزة والمنافسة على السرعة "الجنونية" والمخالفة، بغية إلتقاط الزبائن.

ملاحظات على المشروع
يشير عضو بلدية طرابلس الدكتور باسم بخاش لـ"المدن"، أنّ مشروع الإشارات الضوئية، الذي يهدف إلى حلّ أزمة السير بأنظمة حديثة، لن يجدي نفعًا ولن يأتي بنتيجة، إن لم يكن مُدرجًا ضمن إطار خطّة سير شاملة، تترافق مع إشارات السير. فـ"الإشارات الضوئية لا تحل وحدها أزمة السير، وإن كانت  مظهرًا حضاريًا مهمًا للبلدية وصورة المدينة".

حلّ أزمة السير في طرابلس، وفق بخاش، يكون ضمن خطّة شاملة، أحد أبرز عناصرها إزالة المخالفات على الطرقات، ومنع ركن السيارات صفًا ثانيًا، ويجب أن يترافق المشروع أيضًا مع تحديث الطرقات وتزفيتها والقضاء على ظاهرة الحفر، بالتنسيق مع قوى الأمن الداخلي ومفرزة السير.

أبرز الثغرات في هذا المشروع، هو أنّه لم يترافق مع تخصيص غرفة تحكم مروري في البلدية، يرتبط بها "السيستم"، وتوضع فيها الأجهزة الإلكترونية المتطورة. يقول بخاش: "لا يوجد لدينا غرفة واحدة فارغة في البلدية، وحاليًا يجري العمل على بناء طابق جديد فوق سطح البلدية، وأن يخصص فيه غرفة للتحكم المروري". أمّا الخوف بعد ستة أشهر من إنجاز المشروع، فـ"هو أن ينطلق عمل الإشارات الضوئية من دون خطّة سير واضحة، ومن دون تنسيق مع قوى الأمن الداخلي، ومن دون الانتهاء من تشييد غرفة تحكم مروري لضبط عملها". 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها