آخر تحديث:00:06(بيروت)
الأحد 24/03/2019
share

عوني الصعيدي: من صنّاع عزّ بيروت وأناقة باريس

دانا أرناؤط | الأحد 24/03/2019
شارك المقال :
  • 0

  • عوني الصعيدي: من صنّاع عزّ بيروت وأناقة باريس
    فساتينه كانت تلف جسد المرأة، حتى قيل عنها "كالماء الذي ينهمر على الجسد" (علي علّوش)
  • ثراء في الألوان وتنوع بالخطوط
    ثراء في الألوان وتنوع بالخطوط
  • تصاميم تجمع الكلاسيكي بالحديث
    تصاميم تجمع الكلاسيكي بالحديث
الحدث في بيروت. والامتياز هو عرضه الافتتاحي يوم 26 آذار الحالي، مع مجموعة أزياء المصمم عوني الصعيدي، أحد ألمع رواد فن تصميم الأزياء في لبنان منذ الستينات، والذي سرعان ما سيغزو العالم، بعد هجرته القسرية إلى باريس في منتصف السبعينات.

كثيرة هي الألقاب التي رافقت نجاحه من بيروت إلى باريس، عاصمة الموضة والأناقة والجمال: من "صاحب الأصابع الذهبية"، إلى "فارس مملكة الاناقة" و"ملك الدرابيه (drapé)"، مروراً بـ"مُنقِذ دار كارفين" (Carven). ستعيد هذه الالقاب المصمم اللبناني العالمي عوني الصعيدي الى الواجهة بافتتاحه عرض Designers & Brands لعام 2019 في 26 آذار الحالي، والمنظم من قبل شركة LIPS management، بتصاميم تتنوع بين فساتين الليل (robe de soir)، والتايور (Tailleur)، والمعاطف التي تَميّز بتصميمها في السّتينات.

الشغف المبكر
لم يكتشف المصمم عوني موهبته مع مرور الوقت، بل هي ولدت معه ورافقته منذ الصغر. في سن الرابعة، اتخذ عوني من الدفاتر مكاناً، يلجأ إليه لرسم ما ترتديه والدته والأقرباء بالتفصيل. أما في سن السابعة، فقد تطوّرت هذه الموهبة، حين قام بالاستعانة بشرشف سريره، لكي يخيط دمية من قماش، لطفلتين تقطنَان في بيت متواضع، يجاور منزله في مدينة صور.

لا يزال عوني يذكر الحماسة التي اعترته، عندما عاد إلى منزله لتصميم ألبسة للدمية التي صنعها. هكذا لاحظ شغفه بتصميم الازياء.

هذا الشغف الذي بدأ يكبر معه، قابله رفض قاطع من والده، الذي أراده أن يدرس ويمتهن الطب، عوضاً عن مهنة تصميم الازياء، "حفاظاً على سمعته ومكانته الاجتماعية"، خصوصاً وأن الوالد كان من أبرز المحامين في جنوب لبنان، ومدينة صور تحديداً.

"شخص آخر كان يسكنني، على الأرجح غول، لقدرته على مقاومة والدي وجبروته"، يشرح عوني ويضيف: "لست أنا من وقف في وجه والدي، بل هو الفن الذي كمن في داخلي من قاومه، وساعدني على مزاولة المهنة التي خلقت لأجلها".


إلى باريس
عند بلوغه سن الثامنة عشر، عرض عوني أول تشكيلة له، كمبتكر لبناني مبتدئ، في فندق الكارلتون، الذي كان من أعرق الفنادق في بيروت، وملتقى لأهم السياسيين والصحافيين والمثقفين في حقبة الستينات. تبعها بعد ذلك عرض آخر في فندق السان جورج الشهير، حيث كانت من بين الحضور المصممة الفرنسية Marie-Louise Carven، مؤسسة دار كارفن للأزياء الراقية في باريس، والتي تعد من أقدم بيوت الموضة المنافِسة لديور وسان لوران وشانيل وغيرها. وجودها بين الحضور كان هدفه التقاط الأفكار الجديدة. إذ أنها كانت تجوب العالم بحثاً عن مزيج جديد لخطوطها التصميمية، ومن هنا أُعجِبَتْ بأعمال عوني، ونشأت بينهما صداقة منذ ذلك الحين.

في هذه الأثناء، كان يستقبل عوني سيدات المجتمع اللبناني، وأميرات العالم العربي، في مشغله الذي يجاور بيت السفير الفرنسي حالياً في بيروت: "الأيام التي شهدناها في أواخر الستينات كانت أيام عز، حين كان العمل مزدهراً، وكانت النساء تقفن في مشغلي، بانتظار دورهن، كي أصمم لهن المعاطف والفساتين التي تبرز جمالهن وتليق بهن".

إنقاذ دار كارفن
إبّان اندلاع الحرب اللبنانية في منتصف السبعينات، شجعت الصداقة التي بناها المصمم عوني مع السيدة كارفن على اللجوء إلى فرنسا، خصوصاً بعدما خسر منزله، وكل ما يملكه من أثاث وفساتين وتصاميم. إذ ولسوء الحظ، توسط منزله منطقة المعارك الضارية التي حولت بيروت ولبنان بأكمله إلى ساحة حرب.

عند وصوله إلى باريس، كانت دار كارفن تعاني من أزمة خطيرة، وكانت مهددة بالإقفال، فتدخّل عوني بطلب من السيدة كارفن للعمل معها، وقام بابتكار تصاميم جديدة بألوان مميزة، أنقذ بها العرض الذي تم في قصر غالييرا، وأعاد دار كارفن إلى الواجهة. من هنا، ارتفع سعر كارفن في البورصة مجدداً، الأمر الذي وضع عوني نفسه في المقدمة، وجعله حديث المجتمع الباريسي. أما في لبنان، فقد اقتبست جريدة اللواء في إحدى إصداراتها لعام 1992 حديث الصعيدي، ووضعته عنواناً عريضاً في أولى صفحاتها كالتالي: "عانقتني عليا الصلح في باريس وهي تبكي وقالت: بينما يدمَّر لبنان هناك من يرفع رايته عالياً في باريس".

مسيرته مع كارفن انتهت بعد عشر سنوات، رغبةً منه بالرجوع إلى لبنان. في هذا الصدد، يشرح عوني: "أعطيت كارفن عقداً من عمري، وعندما طلب مني استلام الخط من السيدة كارفن شخصياً، أدركت أن الوقت قد حان للعودة إلى الوطن، حيث كانت البداية وستكون النهاية فيه".

الموضة والمرأة
الهدف الأوّل والأخير، لدى عوني، كان ولا يزال إبراز أنوثة المرأة على نحو يرضيها، وبجرأة تستبق الزمن. بالنسبة له "المرأة تبحث عما يلفت النظر، وأنا أضع كل طاقتي لإرضاء ذوقها".

عرفت تصاميمه بالمزج بين الأسلوب الكلاسيكي، والأسلوب الحديث الشاب، الذي يتميّز بالجرأة. وعن أول فستان "جريء" قام عوني بتقديمه على المسرح، يروي: "ألبستُ النجمة السينمائية الفرنسية فلورنس غيران Florence Guérin عند مشاركتها في لجنة التحكيم، في مسابقة ملكة جمال فرنسا لعام 1988، فستاناً لم ير العالم مثيلاً له ولجرأته من قبل".

أما أكثر التصاميم التي تميَّز عوني بتصميمها فهي فساتين الدرابيه (coupe drapé) فلُقِّب بملك الدرابيه في الثمانينات. هذه الفساتين التي كانت تلف جسد النساء، قيل عنها أنها "كالماء الذي ينهمر على الجسد".

عقود توالت على المصمم عوني في مجال الأزياء، وحتى الآن يتمسك بفكرة عدم وجود أي قاعدة للموضة من الممكن أن تنطبق على كل السيدات؛ إذ لكلٍّ شخصيتها ومفاتنها وجسدها وملامح وجهها ولون بشرتها التي تميزها عن غيرها. لذلك، على كل امرأة أن ترتدي ما يتواءم مع هيئتها وشخصيتها، وعدم جعل الموضة والصيحات الموسمية مرجعاً أخيراً لها.

"لبنان نقطة ضعفي"
قرار العودة إلى بيروت، والذي أتى بعد إمضاء عوني لأكثر من ثلاثين عاماً  في فرنسا، كان وراء رفضه استلام خط كارفن، أو توقيع عقود عمل مع بيوت أزياء عالمية منافسة: "هذا البلد هو نقطة ضعفي؛ ليس لأنه جنة كما يروَّج له، إذ أنهم لا ينفكون عن تحويله لكل ما هو أبعد من الجنة، إلا أن ذكرياتي فيه هي الجنة، والأماكن التي نفرح بها وننتمي لها تبقى جنّة".

يختم عوني قائلاً أن عودته الآن إلى أسبوع الموضة في بيروت، أتت بدعم من نضال بشرّاوي، صاحب وكالة Nidal’s agency للأزياء، و بطلب من ابنه راني، الذي يريده أن يكمل مسيرته أمام الأجيال الصاعدة، لتشجيعهم على رفع اسم لبنان عالياً، كما فعل والده سابقا،ً وكما يفعل بعض المصممين المبدعين حالياً.

أما الرسالة التي يوجهها للجيل الجديد، فهي تكمن بالتمسّك بالفن الحقيقي، وعدم الركض وراء الأموال: "لأن التمويل والمال يقتلان الفنان، فيرغمانه على الاتجاه نحو كل ما هو تجاري، وبذلك يخسر الفنان نفسه وفنّه".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها