آخر تحديث:00:35(بيروت)
الجمعة 01/03/2019
share

بمليون ليرة شُطبت مأساة مستشفى الفنار للأمراض العقلية

وليد حسين | الجمعة 01/03/2019
شارك المقال :
بمليون ليرة شُطبت مأساة مستشفى الفنار للأمراض العقلية ساء التعامل مع المرضى، طبابةً وطعاماً ونظافةً منذ العام 2012 (مصطفى جمال الدين)
دفعت سمر اللبّان، مالكة مستشفى الفنار للأمراض العقلية والعصبية في المصيلح، كفالة مالية قدرها مليون ليرة لبنانية،  فأخلى  سبيلها قاضي التحقيق الأول في الجنوب مرسال الحداد. وكان النائب العام الاستئنافي في الجنوب القاضي رهيف رمضان قد أحال الملف مدّعياً على سمر اللبّان وعلى والدتها عادلة ومدير العناية الطبّية في وزارة الصحّة جوزيف الحلو، بجرم هدر الأموال العامة والإهمال في القيام بالواجبات الوظيفية.

بعيداً من الضغوط
قد يقال الكثير في ما وصلت إليه أوضاع مستشفى الفنار، من أنّ سببه ضغوط سياسية مارسها نافذون في المنطقة على مالكي العقار، لإجبارهم على بيعه بسعر زهيد. لا سيّما أنّ اللبّان وشركاءها في العقار قد باعوا معظم العقارات، لأشخاص يدّعون أنهم مقرّبون من رئيس مجلس النواب نبيه بري، وبقيت بعض الأراضي المحيطة بالمستشفى تنتظر مصيراً مثيلاً، لتصيّدها من بعض المقاولين. لكن تلك الضغوط لشراء جميع العقارات شيء، وتراجع وضع المستشفى العام على مستوى التعامل غير الإنساني مع المرضى، وقضم حقوق الموظفين شيء آخر. فشهادة إحدى الطبيبات التي عملت في المستشفى قرابة 29 عاماً، وعرفت عائلة اللبّان عن كثب، خير دليل على كيفية تردّي أوضاع المستشفى، مع انتقال الإدارة من الوالدة إلى الإبنة.

الإعتناء بأسنان المرضى
استغربت طبيبة الأسنان آمنة ضاهر، التي لا يمتّ اختصاصها إلى علم النفس أو الطبّ النفسي بشيء، طلب مالكة المستشفى السابقة، عادلة اللبّان، التعاقد معها للعمل في مستشفى للأمراض العقلية. لكن "اهتمام عادلة الشديد بالمرضى، جعلها تلتفت حتى إلى سلامة أسنانهم، وهذا ما دفعها إلى التعاقد معي في العام 1985". بهذه العبارات تتذكر ضاهر تجربتها الطويلة مع المستشفى ومالكيها، في حديث خاص مع "المدن".

حتى المأكولات الرمضانية
حين بدأت ضاهر العمل في المستشفى، كان مخصّصاً لاستقبال الرجال وحسب، ويداوم فيه أربعة أطباء. ولم توفّر مالكته عادلة استدعاء أطباء من كافة الاختصاصات، في حال استدعت الحاجة إلى ذلك. وبعد افتتاح القسم المخصّص للنساء في منتصف التسعينيّات، تمّ توظيف طبيبة نسائية. أما الممرّضون فكان عدد المجازين بشهادة التمريض أربعة رجال بداية، أضيف إليهم ثلاث ممرضات لاحقاً. هذا فضلاً عن ستة ممرّضين من ذوي الخبرة، وليسوا من حملة الشهادات. كما كان هناك طاقم مخصّص للنظافة، وطبّاخ مصري ماهر. إذ كانت اللبّان الأم تشرف بشكل مباشر على نوعية الطعام، وتحرص على أن يكون طازجاً. ولم تبخل على المرضى أبداً، بما في ذلك إدخال الحلويات ضمن وجبات الطعام. وتتابع ضاهر "أذكر أنها كانت تقدّم للمرضى المأكولات الرمضانية، في شهر الصيام. وكانت تصرف على المرضى من جيبها الخاص أحياناً، ما أدّى إلى تراكم ديونها لمحطة المحروقات والأفران والملحمة وبائعي الخضروات، لكنها كانت تسدّدها على أكمل وجه، كلما سنحت لها الفرصة. وحدث هذا الأمر مراراً مع الموظفين وقُوبل بالتفهّم دائماً".

وإسوة بالطعام والدواء، كانت شراشف الأسرّة تتبدل يومياً، وتجدّدها من سوريا، عندما تصبح غير صالحة للاستعمال، في زمن الشح المالي. أما الغرف فكانت مجهّزة بمدافئ تعمل على المازوت والمياه الساخنة مؤمّنة بشكل دائم.

بدء مرحلة العبث
لا تتذكّر ضاهر التاريخ الفعلي لتسلّم سمر ابنة عادلة المستشفى، لأنّ الأمر تمّ على مراحل. لكن ما هي أكيدة منه، أنّ عادلة  كانت لا تزال تمارس سلطتها على المستشفى، رغم تدخّلات ابنتها الكثيرة، مع بداية الأزمة السورية في العام 2011. بعد ذلك العام، بدأ الشح المالي وأصبح تحصيل مستحقات وزارة الصحة يتأخّر عن السابق. لكنّ هذا لم يؤثر كثيراً على طبيعة تعامل عادلة مع المرضى والاهتمام بهم.

منذ العام 1985، كانت ضاهر تعالج المرضى في المستشفى. وفي حال اقتضى الأمر، يتمّ نقلهم إلى عيادتها الخاصة في النبطية، ومعالجتهم على حساب المستشفى، وذلك حتى العام 2010، حين بات العلاج في العيادة الخاصة على حساب أهالي المرضى، وذلك بسبب الشحّ المالي الذي عانت منه المستشفى، لا سيّما مع بدء تدخّل ابنة عادلة في شؤونها. فقد حاولت سمر مراراً تنحية والدتها، بحجة أنها باتت كبيرة في السن، وبأنه يجب عليها أن ترتاح في منزلها. وبالفعل أقنعتها بهذا الأمر، وجعلتها توقّع على أوراق بهذا الخصوص.

ومنذ تسلّم سمر الإدارة، كانت تشتكي دوماً من تأخّر وزارة الصحة بدفع المستحقات، أو بأنها لم تتلقّ المبلغ المتوجّب على الوزارة كاملاً. وتعلّق ضاهر: "لكنني لم أكن أثق بكلامها". فـ"لطالما حاولَتْ سمر إقناع والدتها بصرف حوالات الوزارة عوضاً عنها، كي يتمّ توزيعها بطريقة لا توقع المستشفى بعجز مالي". كانت تنجح في مسعاها، وتتلاعب بالحسابات وتقتطع كيفما يحلو لها، على حياتها الباذخة، وما تبقّى من أموال تصرفه على المستشفى والموظّفين. فبدل سبعة أشهر من المتأخّرات تدفع شهرين وهكذا دواليك". أي عكس ما كانت تقوم به والدتها عادلة، التي كانت تصرف جميع الحوالات لتسديد جميع الديون قبل أي شيء آخر. ما جعلها محلّ ثقة من الجميع".

سيطرة الابنة
بعد تسلّم الإبنة باتت الأمور لا تطاق، سواء لناحية تعاملها مع الموظفين أو مع المرضى. تقول ضاهر: "كان صوتها المرتفع، وهي تشتم المرضى والموظفين بأقذع العبارات، يجعلني أشمئز من تواجدي في هذا المكان.. حتى أنها لم توفّر والدتها من تلقي الشتائم والصراخ". وصحيح "أنها لم تتصادم معي بشكل مباشر، كوني متعاقدة ولا سلطة لها عليّ. إلا أنني بدأت أرى أن منحى الأمور يتجه نحو الأسوأ". وتضيف ضاهر متحسّرة: "لا أذيع سراً إنّني عندما ودّعت عادلة في صيف العام 2014، تاركة العمل نهائياً، كنت أتوقّع أن تلقى المستشفى هذا المصير".

تجديد شكلي
تفاخر اللبّان الإبنة بأنها أجرت تحسينات وجددّت المستشفى، بعد أن تسلمتها خراباً، كما قالت سابقاً في حديث إلى "المدن"، مثبتة الأمر بإرسال صور لمرحلة ما قبل وما بعد تسلمها الإدارة. وهنا تعتبر ضاهر أنّه "صحيح أنّ التحسينات التي قامت بها إحدى المؤسسات الإيطالية للمستشفى في العام 2012، تمّت بعد تسلم سمر زمام الأمور عملياً، لكن تلك التحسينات طالت الشكل وليس المضمون". فقد تمّ تجديد طلاء الجدران الداخلية والخارجية، وتزويدها بمقاعد وحدائق وتحسينات أخرى، إلا أن طبيعة التعامل مع المرضى، لناحية الطبابة أو الطعام والنظافة، بدأت بالتراجع بعد العام 2012 بقليل، أي بعد المرحلة التي باتت عادلة تفقد سيطرتها على الإشراف على المستشفى. وتخلص ضاهر إلى اعتبار تردي أوضاع المستشفى ليس بسبب تأخّر وزارة الصحّة عن دفع المستحقات. فهذا الأمر عادي ويطال جميع المستشفيات، أما الإهمال وصرف أموال المستشفى على الحياة الباذخة، فيجب أن تسأل عنه سمر اللبّان فقط. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها