آخر تحديث:17:22(بيروت)
الجمعة 08/02/2019
share

جورج زريق يحرق نفسه يأساً وانكساراً حتى الموت

جنى الدهيبي | الجمعة 08/02/2019
شارك المقال :
  • 0

جورج زريق يحرق نفسه يأساً وانكساراً حتى الموت أحرق نفسه أمام الملأ، تاركاً زوجته وطفليه وعائلته (الإنترنت)
حالةُ من الهلع شغلت منطقة الكورة، شمال لبنان، الجمعة في 8 شباط 2019، إثر إقدام المواطن جورج زريق على حرق نفسه، في باحة ثانوية سيدة بكفتين الأرثوذكسية، الذي ما لبث أن فارق الحياة، قبل وصوله إلى مستشفى السلام في طرابلس، وبعد أن فشلت محاولات مساعدته بإخماد النار الملتهبة في جسده.

القسط المدرسي
جورج زريق، وهو أبٌ لطفلين. تتضارب الروايات حول السبب الحقيقي الذي ساقه إلى هذه النهاية المأساوية. أن يُقدم رجلٌ على إحراق نفسه أمام الملأ، ويترك زوجته وطفليه وعائلته، غير آبهٍ بشي، سوى أن يرحل إلى مثواه الأخير، محترقًا بيأسه وانكساره وألمه، فهذا يعني أنّه وجد نفسه أمام أفقٍ مسدودٍ، من دون خيارات لخلاصه.

لا مجال للحديث مع أحدٍ من عائلة جورج، التي لم تستوعب بعد صدمتها من هول المشهد. في الرواية الأكثر تداولًا داخل الكورة وبين الناس، وكذلك تلك المنقولة عن ألسنة ذوي جورج المنشغلين، في إتمام مراسم دفنه المهيب، فإنّ الأخير أحرق نفسه لعدم تمكنه من دفع أقساط ابنته في الثانوية المذكورة. وفي تفاصيل هذه الرواية، كان جورج قد توجه إلى إدارة ثانوية بكفتين، يطلب منها الحصول على إفادة ابنته (ابنه سبق أن ترك الثانوية)، من أجل نقلها إلى مدرسة رسمية، إلّا أنّ الثانوية رفضت تزويده بالإفادة من  دون تسديد الأقساط المتراكمة عليه.

وحسب ما يُنقل عن أحد أفراد عائلة جورج المقربين، فإنّ بلوغ جورج هذه الدرجة من الغضب، جاء نتيجة استفزازات وضغوطات كبيرة مارستها إدارة الثانوية عليه، لتحصيل الأقساط التي لم يدفعها، بعد أن ضاقت أحواله الاقتصادية. ورغم أنّ جورج، تعهد أن يوقع ورقة يؤكد من خلالها أنه سيقوم بتسديد المبلغ كاملاً على دفعات، إلا أن الإدارة رفضت ذلك، لعدم حصولها على ضمانات لكلامه. ووفق الرواية نفسها، فإنّ جورج سبق أن اتصل بالإدارة، وهددها بأنه سيحرق نفسه، إن لم يحصل على إفادة ابنته، من دون أن تتجاوب معه.

رواية أخرى
الرواية الأولى تتنافى نفيًا قاطعًا مع رواية الثانوية، التي تضع "الحملة المجنونة" ضدّها في سياق التحريض وتضليل الرأي العام، من دون تقصي الحقائق. ترفع إدارة ثانوية بكفتين المسؤولية عن نفسها، وتأسف للنهاية المأسوية التي وصل إليها جورج، رافضةً تحميلها أيّ ذنب. 

بالطبع، وكما جرت العادة، ثمّة من يحكي في أوساط المقربين من المدرسة، أنّ الرجل مصابٌ بالاكتئاب وبأمراضٍ نفسية أخرى، مستغربين ربط مصير جورج بتدهور علاقته مع إدارة الثانوية، بينما الأخيرة كانت تتعامل معه بـ"إنسانية"، وتعفيه من الأقساط المدرسية، نظرًا لحاله الاقتصادية الحرجة.

وفيما ترفض إدراة الثانوية الحديث مباشرة مع الإعلام، أصدرت بيانًا رسميًا من جانبها لتوضيح وجهة نظرها. وحسب البيان، تشرح الإدارة الظروف التي رافقت الحادثة، معتبرةً أنه من حقّها أن تبيّن للرأي العام ولوسائل التواصل الاجتماعي حقيقة ما جرى، "لأن ما يتم التواصل به والإعلان عنه لا يمّت للحقيقة بصلة، لا سيما لجهة تهديد الإدارة بطرد ابنته إذا امتنع عن دفع الأقساط، الأمر الذي دفعه لإحراق نفس".

بيان
وتشير إدارة الثانوية، أنه تبعًا لأربعة نداءات خطية متتالية، منذ مطلع العام الدراسي الحالي، طلبت من أولياء الطلبة الحضور إلى المدرسة لتسوية أوضاعهم المالية والادارية الخاصة بأولادهم ولم يصدر عنها اطلاقاً اي تهديد بطرد أي تلميذ. وتكشف الإدارة توضيحًا لما حصل، أن "المرحوم وبسبب أوضاعه الاقتصادية، تعاطفت معه منذ تسجيل ولديه سنة 2014 - 2015 على إعفائه من دفع الاقساط المدرسية باستثناء رسوم النقليات والقرطاسية والنشاطات اللاصفّية، وعليه فكل ما يتمّ التداول به هو غير صحيح ولا يمت الى الحقيقة بصلة". هذا، وتمنت ادارة الثانوية على جميع وسائل الاعلام "توخّي الدقة والصدق وعدم زجّ اسمها قبل مراجعة إدارتها، تحت طائلة تحميلهم كافة المسؤوليات".

وزير التربية
ومساء، وبعد أن ضج لبنان بالحادثة، أوعز وزير التربية والتعليم العالي، بفتح تحقيق لجلاء الملابسات المحيطة بالحادثة. وشدّد على أن وزارة التربية، التي استوعبت خلال العام الحالي في المدارس الرسمية آلاف التلاميذ، الذين انتقلوا إليها من التعليم الخاص، بسبب صعوبة الظروف الاقتصادية، لم تتوان يوماً عن منح الطلاب الإفادات اللازمة للتسجيل في المدارس الرسمية، انطلاقاً من حق الوصول إلى التعليم للجميع.

الوزير، الذي توجه إلى آل زريق بأحر التعازي، تمنى على وسائل الاعلام التواصل مع مكتبه للحصول على الوقائع قبل نشرها، 
كما أعلن أنه سيتولى متابعة تعليم ولديّ المرحوم جورج زريق، وتأمين المنح اللازمة من أجل استكمال تعليمهما.

حقيقة أخيرة
على كل حال، حادثة إقدام جورج على إحراق نفسه، أثارت غضبًا عارمًا في الرأي العام اللبناني، وفتحت باب السجال واسعًا على اليأس الذي يضرب أرباب العائلات، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية إلى أدنى مستوياته من جهة، وغلاء المعيشة والأقساط المدرسية من جهة أخرى، إلى أن وصل الحدّ ببعضهم لدرجة الانتحار بأشنع الطرق وأقساها.

عمليًا، لا يوجد مؤشرات تشي أن حادثة الكورة ستكون شرارة انتفاضة شعبية على القوى التي أوصلت البلد إلى هذا الدرك. لأن اليأس من الأوضاع، يبدو كأنه مقرونٌ بيأسٍ من القدرة على التغيير في ظلّ حكم الأقوياء على الضعفاء.

لكن، مهما اختلفت الروايات ومحاولات تمييع الحقائق، في بلدٍ يتقن فنون الاختفاء خلف الإصبع، فإنّ النتيجة تبقى واحدة، قد ينساها الجميع، وتبقى محفرة في ذاكرة عائلته الصغيرة: جورج زريق مات محروقًا!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها