آخر تحديث:00:03(بيروت)
الأربعاء 06/02/2019
share

لعنة تصيب تلامذة لبنان: صف "الأول ثانوي"

صفاء عيّاد | الأربعاء 06/02/2019
شارك المقال :
  • 0

لعنة تصيب تلامذة لبنان: صف "الأول ثانوي" الانتقال من المرحلة المتوسطة إلى الأول ثانوي يشكل تحدياً صعباً للطلاب (ريشار سمور)
هو كابوس مفروضٌ ولا مفر منه، مدته نحو 14 عاماً، يُرافق الطلاب في لبنان، بسبب الواقع التعليمي والمناهج التربوية، المتجمدة من دون تطوير منذ 22 عاماً، حين تم تعديل المناهج التربوية آخر مرة.

التحول المفاجئ
عند انتقال الطالب من المرحلة المتوسطة إلى المرحلة الثانوية، يكتشف الجميع أن المناهج غير مترابطة. ويتساءل حينها الطلاب: "في الجامعة سندرس شيئاً آخر مختلفاً، فما الجدوى من إلزامنا بالمناهج الحالية؟". والمأزق هو حال طلاب صف الأول ثانوي تحديداً، لأنهم يواجهون تحولاً جذرياً وفجائياً في طبيعة المنهج الدراسي، مقارنة مع المنهج المقرر لصف التاسع (البروفيه). إذ، حتى الطلاب ذوي القدرة الدراسية الممتازة، يقرّون بصعوبة صف الأول ثانوي، ويبذلون مجهوداً كبيراً لاجتيازه، على عكس المراحل التعليمية السابقة. علماً ان المرحلة الثانوية تسبق المرحلة الجامعية، التي تحدد الخيارات العلمية للطلاب نهائياً. فلماذا لا تكون المرحلة الثانوية مرحلة إعداد، يختار الطلاب من بدايتها توجههم التعليمي، أكان نحو الخيار الأدبي، أو الخيار العلمي؟ ففي مرحلة الأول ثانوي، تتداخل توجهات المواد التعليمية بشدّة، لترتفع نسبة العلامات في المواد الأدبية والعلمية على حد سواء، بطريقة لا تتلاءم مع توجهات الطلاب وقدراتهم، ولا تتناسب مع ميولهم المتباينة أكانت نحو الآداب والعلوم الإنسانية أو علوم الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا. وهذا ما يتعارض مع حقيقة عِلمية، بعدما ثبت أن أدمغة البشر تتفاوت قدراتها، من حيث الاهتمام بالمعلومات الأدبية أو الإنسانية، او المعلومات العلمية المجردة.

أبسط محاولات التعديل على المناهج التربوية، جوبهت بالرفض. ففي العام 2016، حاول وزير التربية إلياس بو صعب إدخال تعديل على مادتي الفلسفة والتربية الوطنية. لكن محاولته نامت في أدراج مجلس الوزراء.

نفور عام
لارا (16 عاماً) رسبت في صف الأول ثانوي. وهي المرة الأولى التي تواجه فيها الفشل، مرجعة ذلك إلى "ارتفاع معدلات المواد العلمية في صف الأول ثانوي". لم تشفع لها براعتها في المواد الأدبية لاجتياز الصف". وتسأل: " لماذا علي تحمل عبء المواد العلمية في هذه السنة، إذا كنت سأختار الفرع الأدبي في الصف التالي؟". وعلى منوال لارا، تصل نسبة الرسوب في هذا الصف بين 30 و 40 في المئة، وهي النسبة التي يؤكدها مدراء المدارس الرسمية والخاصة.

والسبب الأول هو حالة نفور عامة يسببها صف الـsecond . فالطالبة فاطمة سلمان يشغلُ بالها كيفية تحصيل المعدل للنجاح، لدرجة بأنها قد تنسى التركيز على فهم الدروس: "الرياضيات هي الهم الأول بالنسبة ليّ، والحشو والضغط العلمي يرهقنا".

صف تحضيري!
يُرجع مدير ثانوية الأمير، نزيه برو، أزمة الصف الثانوي الأول، إلى الفراغ الواضح بين منهج "البروفيه" والأول الثانوي، ما يجعل الطلاب في حالة ضياع وعجز بتحصيلهم العلمي في هذا الصف: "لا هوية محددة لهذا الصف، ويصطدم التلامذة بمواد جديدة تجمع الأدبي والعلمي معاً، ويُجبر الطلاب بالإكراه على دراسة الإثنين معاً". ويرى برو، لتقليل نسب الرسوب في هذا الصف، ضرورة وجود صف تحضيري، يلائم مستوى الصف الأول ثانوي، خصوصاً في مادة الرياضيات التي لا تتشابه مع ما درسه الطلاب في البروفيه. كما لا ينكر برو أيضاً الإهمال الذي يقع فيه الطلاب: "مع اجتياز البروفيه، تتكوّن لدى الطلاب ثقة زائدة بالنفس، مع الظن أن ما هو أتٍ أسهل، طالما بأن لا امتحان رسمياً نهاية العام".

التخبط في المنهج التعليمي، والشكاوى من معاناة التلاميذ في هذا الصف، دفع (ر. ن)، مديرة إحدى الثانويات الرسمية، التي فضلت عدم ذكر اسمها، إلى اتخاذ إجراء داخلي. إذ طلبت من أساتذة الصف الأول الثانوي، ومع اقتراب امتحانات الفصل الأول، وضع مسابقات تلائم مستوى الطلاب، وتوائم توجهاتهم العلمية أو الأدبية، مثالاً "بأن لا يضع مُدرس الرياضيات أسئلة تعجيزية للطلاب ذوي الميول أدبية، والعكس ينطبق على أساتذة اللغات والاقتصاد والاجتماع". وتضيف (ر.ن)، لـ"المدن"، بأن معظم الطلاب الذي يرسبون في هذا الصف، بسبب عدم ملائمة الصف مع توجهاتهم العلمية.
الإجراء الداخلي، الذي وفرت به المديرة بعض التيسير على الطلاب، جاء ليسد عجز الدولة والتربويين المعنيين، الذين تقع على كاهلهم عملية إصلاح الخلل القائم.

الغربلة
ترى النقابية والخبيرة التربوية بهية البعلبكي، أن السبب الأول لنسب الرسوب المرتفعة في الصف الثانوي الأول، هو سهولة الامتحان الرسمي في صف البروفيه. فلا عملية "غربلة" للطلاب من مرحلة إلى أخرى. لذا، يجب تصحيح الخلل في الشهادة الرسمية، ومن ثم يجب البحث في تعديل المناهج التربوية، التي من المفترض أن يتم تعديلها كل ثلاث سنوات، ويجب أن يلائم المنهج التغيرات والتطور التكنولوجي. فوفقاً لبعلبكي، العالم في تغيّر وأسس الطرق التعليمية تتطور باستمرار، في جميع البلدان، لكنها متوقفة في لبنان منذ 22 عاماً. وهذا يعد ظلماً يلحق بالطلاب والأساتذة معاً.

وفقاً لأرقام صادرة عن المركز التربوي للبحوث والإنماء في لبنان: "في العام 2016، كان عدد تلاميذ المرحلة المتوسطة 200429 تلاميذاً، وصل منهم في العام 2017 إلى المرحلة الثانوية 132083 تلميذاً. ما يشير، إلى أن التدفق غير المتكافىء من مرحلة أدنى إلى مرحلة أعلى، يعكس قصوراً في قدرة النظام التعليمي على الاحتفاظ بالتلامذة، وإيصالهم إلى المرحلة الثانوية بنجاح".

هذه النسب المرتفعة في الرسوب والتسرب من مرحلة تعليمية إلى أخرى، من المفترض أن تؤدي إلى إعلان حال الطوارىء، للبحث بأسبابها والحد منها. لكنها في لبنان، تبقى مجرد أرقام تُنشر في دراسات تربوية، وقد تستخدم كمعلومة عابرة في تقارير صحافية. فكم جيل سيقع ضحية هذا الفخ، قبل أن تستيقظ وزارة التربية؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها