آخر تحديث:00:08(بيروت)
الأحد 10/02/2019
share

الخرائب: بلدة تعوم على برك المجارير وتفيض على الجوار

وليد حسين | الأحد 10/02/2019
شارك المقال :
  • 0

  • الخرائب: بلدة تعوم على برك المجارير وتفيض على الجوار
    أربعة كيلومترات من المجارير، تخترق البساتين، تروي المزورعات وتنتهي في البحر (المدن)
  • شلّال من المجارير في نهاية بلدة الخرايب بالقرب من المطرية (مصطفى جمال الدين)
    شلّال من المجارير في نهاية بلدة الخرايب بالقرب من المطرية (مصطفى جمال الدين)
  • إحدى برك المجارير في بلدة الخرايب  (مصطفى جمال الدين)
    إحدى برك المجارير في بلدة الخرايب (مصطفى جمال الدين)
  • بركة ثانية في الخرايب أشبه بمستنقع من المجارير (مصطفى جمال الدين)
    بركة ثانية في الخرايب أشبه بمستنقع من المجارير (مصطفى جمال الدين)
  • قناة المجارير بالقرب من نبع المطرية (مصطفى جمال الدين)
    قناة المجارير بالقرب من نبع المطرية (مصطفى جمال الدين)
  • مياه الصرف الصحي تتدفق في بلدة الخرايب في الجنوب (مصطفى جمال الدين)
    مياه الصرف الصحي تتدفق في بلدة الخرايب في الجنوب (مصطفى جمال الدين)
استكمالاً لاستكشافنا حقيقة التلوث البيئي في الجنوب، وخصوصاً هيمنة المجارير على مسالك ومجاري الأنهر والينابيع وتغلغلها في الآبار واختلاطها بمياه الشرب كما بمياه الري، بما يشير إلى كارثة محققة بيئياً وصحياً في معظم الجنوب اللبناني، كانت زيارتنا إلى بلدة الخرائب.

على عكس اسمها ودلالته اللغوية، تعتبر بلدة الخرائب الجنوبية، في قضاء الزهراني، بلدة عامرة بمؤسساتها التجارية وقصورها ومبانيها السكنية. فمظاهر الثراء الفاحش، والمتوسط الحال، يبدو جليّاً في عمارتها، ولو بشكل أقل، في بساتين الحمضيّات والخيم الزراعية البلاستيكية، المنتشرة بكثرة في وسط البلدة وخراجها. وأموال أبنائها المهاجرين إلى أفريقيا ودول الاغتراب الأخرى، واضحة المعالم والبهرجة. وكان نصيب البلدة في مأساة طائرة كوتونو الشهيرة، تسعة قتلى. وإذا كان من دلالة لاسمها تذكر، فـ"خرائب" البلدة تكمن في مشاكلها المزمنة مع الصرف الصحّي، وبرك المجارير وشلّالاتها الدافقة. فباستثناء بعض المنازل القديمة المجهّزة بجور صحّية خاصةّ، في خراج البلدة، تقبع الخرائب على شبكة حديثة للصرف الصحيّ توصل جميع بيوتها ومؤسساتها، وتؤّدي جميعها إلى الأودية، فتستحيل بركاً "طبيعية" من المجارير في أكثر من مكان. ونظراً لصعوبة الوصول إلى كل برك المجارير، بسبب الطبيعة الجغرافية، تمكّنت كاميرا "المدن" من معاينة نحو ثلاث منها، وشلّال كبير من المجارير، بكل ما للكلمة من معنى.

خراب محطّة التكرير
حسب أحد سكّان البلدة، الذي جال معنا في رحلتنا "الخرائبيّة"، بدأ العمل على بناء محطة لتكرير الصرف الصحيّ، خاصّة بالبلدة عند مفترق الأودية، حيث تصبّ جميع مجارير البلدة. وصُمّمت تلك المحطة بمواصفات تُراعي البيئة، سواءً لناحية التكرير الطبيعي للمجارير بواسطة غرف الحصى، وزراعة أنواع خاصّة من القصب، لمعالجة المياه بطرق بيولوجية، أو لناحية عدم الاعتماد على معدات ميكانيكية وكهربائية، وما يلزمها من طاقة لتشغيلها.

لكن وبقدرة قادر تمّ إيقاف المشروع، رغم ان إنجاز الجزء المتبقي منه، لا يحتاج إلّا إلى حفنة قليلة من الدولارات، قياساً بغنى البلدة وأبنائها. فوضع حدٍ للخراب الحالي يحتاج إلى أقل من مئة ألف دولار، لتشييد سقف لمحطة التكرير، ومدّ شبكة بطول أقل من 350 متراً للصرف الصحيّ لربطها بالمحطّة. وهذا أمر يسير وسهل المنال، ولا يحتاج لأكثر من حملة تبرّعات بسيطة لتأمين المبلغ، ووضع حدٍ لهذه الكارثة التي تنكب الأهالي، خصوصاً أولئك الذين يقطنون على بعد بضعة أمتار من برك المجارير، لكن "المعنيّين" يديرون الظهر لصالح تشييد جدران دعم ومدّ الإسفلت أمام بعض المنازل. أي الانصراف لتجميل كل ما هو ظاهر لأبناء البلدة، والقول إنهم يعملون من أجل تحسين شوارع البلدة.. لغايات انتخابية. 

تلوّث الآبار
من على تلّة قليلة الارتفاع تشرف على إحدى البرك، يستوقفنا أحد سكّان البلدة المنشغل في تشذيب أشجار بستانه. بعد تدخّل مرافقنا والتعريف عن أنفسنا، يرحّب بنا قائلاً: "لقد أتيتم في فصل الشتاء، وفي اليوم الثالث على تساقط الأمطار.. كان بودّنا أن نرحّب بكم في فصل الصيف. فالروائح الكريهة التي تنبعث من هذا المكان تعمّ الأرجاء وتصل إلى أعالي البلدة. لكن لحسن حظكم خففت الأمطار من حدّتها حالياً.." ودعانا إلى ضرورة التقاط صور للمكان، تظهر مدى قرب تلك البركة من بستانه ومنزله: "في فصل الصيف يصعب العيش هنا، سواءً لناحية الروائح الكريهة، أو لناحية تكاثر البرغش والحشرات"، يقول محدّثنا. وإذ أشار بإصبعه في نيّة اطلاعنا على آبار ارتوازية كثيرة في الأرجاء، واحدة منها في أملاكه الخاصّة، أردف قائلاُ: "لقد باتت جميع هذه الآبار غير صالحة للشرب، وتستخدم حالياً لري البساتين وحسب". وإذ حاول تبيان هوية الانتماء إلى حزب الله منتقداً البلدية الخاضعة لحركة أمل، استوقفناه ليُقصّر الحديث عند مشاكل أهل القرية مع نكبة المجارير التي يعانون منها.


..وتفيض على المطرية
في المقلب الآخر من البلدة استسمحنا مرافقنا لالتقاط صور لقناة مجارير، دافقة، تؤدّي إلى بركة متوسطة الحجم، فأشار إلى ضرورة الاسراع بغية الانتقال إلى ما هو أعظم وأهمّ. وبالفعل وصلنا إلى أول بلدة المطرية، الملاصقة للخرائب، حيث تتلاقى جميع مسارات مجارير البلدة في قناة واحدة تفضي إلى شلّال معتبر، لم تتّسع له القناة ففاض أيضاً على الطريق العام. وللتخفيف من وطأة المسألة لفت مرافقنا إلى أنّ مياه الأمطار فعلت فعلها أيضاً.

نهاية مطاف تلك المجارير في نهر الليطاني، أي نحو أربعة كيلومترات من أقنية المجارير المكشوفة تخترق البساتين وتروي المزورعات في تلك المنطقة. وتخترق في طريقها نبع مياه المطرية في أسفل تلك القرية، الذي لا يبعد عن القناة بأكثر من خمسة أمتار. نبع شُيّد عليه سبيل للعابرين. ونصب أهالي قرية المطرية مضخات صغيرة لجرّ المياه إلى منازلهم. فهل اعتصامهم منذ بضعة أشهر، رافعين شعارات "منرفض نحن نموت"، كافٍ لوقف تدفّق "مصائب" الخرائب عليهم؟ وهل تُنجز محطّة التكرير لوقف "خرائب" بلدة مرافقنا؟ لا ندري. المؤكّد أن مؤدّى تلك المجارير، واحتجاجات أهالي الخرائب، واعتراضات أهالي المطرية، هو البحر، هناك عند مفترق منطقة أبو ذيب.. "صراخ في الوادي" لمسؤولين لا يريدون تحمّل المسؤولية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها