آخر تحديث:00:28(بيروت)
الثلاثاء 03/12/2019
share

لماذا ينفر الناشطون "المثقفون" من وجه الثورة النسائي والعائلي؟

نعمه نعمه وأليسّا رعد | الثلاثاء 03/12/2019
شارك المقال :
لماذا ينفر الناشطون "المثقفون" من وجه الثورة النسائي والعائلي؟ الثورة اليوم تعتمد على ديناميّة مجتمعيّة خلّاقة (ريشار سمور)

نقول ناشطين عمدًا لنستثني الناشطات. وتسخيف "مسيرات المحبة" - كما يسمونها - جاء كله من ذكور، ومثقفين بين هلالين. وهذا يثير تساؤلات عميقة حول ماهية الثقافة التي يدّعون، وماهية الثورة التي يريدون.

بين الأهلي والجمعيات
هناك ملاحظات وانتقادات متفرّقة ساقها ذكور ناشطون لمسيرتين أساسيتين قامت بهما أمّهات لاعنفيّات، ونساء وناشطات، فعبرن خطّيْ التماس بين عين الرمانة - الشياح، والخندق الغميق - التباريس. وهناك أنشطة أخرى، مثل البوسطة والسلسلة البشرية وزيارة أهل الشهيد حسين العطّار إلى صيدا وغيرها، أصابها بعض الانتقاد. ملاحظاتهم تتركز على الطابع الفولكلوري للمسيرات وشبهها بنشاطات جمعيّات العمل المدني وأساليبها، وبعضهم شبّهها بحفلات تنظيم الأعراس.

وللتوضيح، المسيرات هذه والبوسطة وزيارات المحبة نظمها المجتمع الأهلي وأهاليه، وليس الجمعيّات المدنيّة. وهناك فرق كبير بين المجتمع الأهلي وجمعيات المجتمع المدني، يرفض المعلّقون البطريركيّون الاعتراف به، ويرفضون دور المجتمع الأهلي المؤثّر في الانتفاضة. وهم يرفضون أيضاً الاعتراف بفاعليّة أي تحرّك أو نشاط أهلي خارج إطار مفهومهم للثورة التي يرون أن حدود أنشطتها "ذكوريّة"، ووضعوا قوانينها الجاهزة وحدّدوا أطرها وأساليب عملها: الصراخ، والعنف الثوري، وقطع الطرق، والعصيان.. وهذه مجديّة في حالات معينة وضروريّة حسب الظروف. ولكنّها لا تُلغي أساليب أخرى أكثر سلاسة، ولها طابع أنثويّ أو أموميّ وأهليّ، حاضن وحامي وخصب واجتماعي، هدفه التقليل من النزاعات والصدامات بين الذكور المتصارعين.

العنف والذكورة
فمواقف البطريركيّين الذكور تُلغي فئات أساسية من المجتمع: الشباب ما دون 18، كبار السن، المعوّقين، الحوامل، العائلات، والمرضى وغيرهم.

والبطريركيّون يريدون من الأهالي، ومن الأمّهات تحديدًا، تبنّي سلوكيّات ثوريّة ذكوريّة الطابع مصدرها ومثالها أيقونات الثورات السالفة. وهم يستغربون كيف وقفت الصبايا والنساء حاجزًا بين بعض المتظاهرين العنفيّين والقوى الأمنية. وذلك للحدّ من الاحتكاكات التي لو استمرت لأوْدت إلى قمع الانتفاضة بأساليب عنفيّة، دمويّة مفرطة. 

لم يفهم بعدُ هؤلاء المثقفين أن العوامل النفس اجتماعية، وعوامل التكوين الاجتماعي، ودور الأمّ والنسوة والأهالي والأبناء والبنات في أي مجتمع، أساسية عندما تلعب دورها. وغالبًا ما يجري تحييد هذه العوامل - الأدوار واستبعادها، لكنّها تصير فاعلة ومتميزة عندما تأخذ مساحتها، فتخترق السلطة الذكوريّة وتتخطّى حدودها. وخروج العائلات والتلامذة وكبار السنّ إلى الساحات، شكّل عائقًا أمام أيّ ممارسة عنفيّة من الأحزاب، وأربك السلطة، وكان رادعًا لمحاولات شيطنة الثورة وإرهابها، وأدى إلى الاعتراف بأحقيّتها والخضوع لشرعيتها.

أحوال متنوعة وبلا قيادة
في الثورات السالفة لم تكُن المرأة والعائلات عمومًا في صفوفها الأماميّة، وكذلك مكوّنات المجتمع الأخرى، بل كانت النساء والعائلات يتبعون البطاركة (مثقفون، أو قادة، أو أرباب عائلات). أما الثورة اليوم فلا تقبل وجود قائد لها، أو حتى منظّر. بل هي تعتمد بشكل كبير على ديناميّة مجتمعيّة خلّاقة، تلعب فيها المكوّنات الاجتماعية كلها أدوراً متساوية ومتوازية. وكل منها انتزع حيّزه، لاغيًا دور البطريرك الذي يحاول بعض المثقّفين والناشطين لعب دوره، عبر تحديد أطر العمل الثوري، أو بإضفاء شرعيّتهم الثوريّة على حراك ما، أو عدمها.

يستند بطاركة الثقافة على مقولة "تحديد الخصم". وفي حالتنا المتحرّرة من القيادة يتنوّع الخصوم، حسب أولويّات الجماعات المنضويّة في الثورة وتنوّعها. فحادثة عين الرمّانة - الشياح جعلتها الأمّهات أولويّة آنيّة، وكذلك حال الخندق الغميق - التباريس، بعد احتدام التوْتير الطائفي هناك. وهذا ينطبق على حال أهل الشهيد حسين العطّار، بإختيار صيدا منبراً لإعلان وطنيّة ابنهم، بعيداً عن تطييفه. وهو ينطبق أيضاً على انتزاع وطنية الشهيد علاء أبو فخر من حضن الحزب، إلى حضن الوطن.

أما ما يمارسه البطريركيّون فهو توجيه وإرشاد فوقيّ، يسخّف أيّ نقاش خارج أولويّاتهم حتى التخوين. والسلوك التهكّميّ هو دليل على خروج الجماعات عن إرادتهم. ولكن ما لم يفهموه هو أن الجماعات لم تكن تستثمر في آرائهم أصلًا. فالبطريركيّون يتماهون في سلوكهم مع أحزاب السلطة نفسها التي يعتبرونها خصمهم الأول.

فاعلية الأهالي
أولويّات المعوّقين حركيًّا هي تطبيق القانون 220. وأولويّات التلامذة هي تجديد المناهج. والأمهات أولوياتهن هي مواجهة الحروب. والعائلات هدفها تأمين المسكن والتعليم والطبابة. وكبار السنّ يطالبون بضمان الشيخوخة.

قد تبدو هذه حقوقاً متباينة، لكنها أساسيّة لكل فئة منهم. فالأهالي باتوا يعلمون الآن أن تحقيق أولوياتهم مرهون بتغيير السلطة، وإلغاء سلطة قيادة الثورة. وهم اختبروا السلطة البطريركيّة وتوجيه الأحزاب وتحريضها مع قادتها. فالأهالي لهم خطابهم عبر الشاشات وعبر وسائل التواصل وفي الساحات. أما القائد أو المثقف أو المناضل أو النقابي المتمرس، فعليه الاستماع إليهم. فخطابهم يسبق كل إرشاد. حركتهم تفاعليّة، ديناميّة وعفوية في الاتجاه المناسب. وهي مرهونة بنضوج الحالة وليس بافتعالها وتوجيهها. فحيث يشعر الأهالي أن نشاطًا ما أو حراكًا يخاطب أولويّاتهم أو يتمتع بضرورة آنية، هم حتمًا قادته ويفعلون.

ولأن الثورة بلا قائد، ولأنّ الثوّار لا يتفاوضون مع السلطة، فمن الطبيعي أن يتوّجه الأهالي إلى جمهور أحزاب السلطة وليس لقادتهم، في محاولة منهم لفضّ الاشتباك مع هذا الجمهور مباشرة بدعوته بوضوح إلى التظاهر، لإرباك الأحزاب من خلال خرق حدود كانتوناتها التي تحتمي وتتحصن فيها.

اختراق الحدود
جاء منع بوسطة الثورة من الوصول إلى صور والنبطيّة في هذا الإطار. فالأحزاب تريد ضبط جمهورها المرتبك بسبب حراك غير متوقع وغير نمطي. وهذا ما فعله التيّار الوطني الحرّ على طريق قصر بعبدا، بهدف حماية رمزيّته. والحدود التي رسمتها الحرب الأهليّة، وتقوْقعت الأحزاب خلفها، خُرِقَت بحراك مدنيّ أهليّ عابر للطوائف. الحدود يرسمها بطاركة السلطة: مداخل مدنهم ومناطقهم الطائفية، أو تلك التي تحظى برمزية مرتبطة بالحرب، كجسر الرينغ، وعين الرمانة - الشياح، ونفق نهر الكلب. وصيدا هي أيضًا مدخل لمناطق كانت أهدافًا للسيطرة العسكرية أبان الحرب. أما إغلاق الطرق الرئيسية في المدينة فلا علاقة له بذاكرة الحرب، لا من قريب ولا من بعيد، عند الحراكيين، لكنّه كذلك عند الأحزاب.

فالمصالحة بعد الحرب لم تتحقق، ولكنها اليوم بدأت بالأرُزّ وبعناق الأمهات اللواتي مُنِعنَ من اللقاء بسبب الانقسامات العامودية والتطييف.

الارتباك الذي شعرت به أحزاب السلطة جراء حضور الحراك الأهلي واختراقه الحدود، يشعر به البطريركيّون المثقفون. فهو يكسر التقليد الطائفي والعرف الثوريّ معًا. ويكسر جدار المناطق المُطيّفة، ببادرة التحام أهليّ بين جمهور مُطيّف وحراك أهليّ عابر للطوائف.

من المؤكد أن هذه الخطوة غير مكتملة في المعايير الثوريّة، وبمعايير المجتمع المدنيّ وجمعيّاته. وهنا تلتقي آراء الأطراف الثلاثة، وهي تلغي العامل الأساسي المغيّب: المجتمع الأهلي والأهالي. أما الأطراف الثلاثة المذكورة فـ "كلن" يتنافسون على قيادة الناس بإسقاطات ونظريّات وبرامج ثوريّة أو مدنيّة، للتسويق لأولياتهم حسب برنامج عملهم وتصنيفاتهم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

نعمه نعمه وأليسّا رعد

نعمه نعمه وأليسّا رعد

كاتب وكاتبة لبنانيان