آخر تحديث:00:02(بيروت)
الجمعة 27/12/2019
share

المخيمات الفلسطينية: الحديث عن مجاعة مقبلة ليس تهويلاً

أحمد الحاج علي | الجمعة 27/12/2019
شارك المقال :
المخيمات الفلسطينية: الحديث عن مجاعة مقبلة ليس تهويلاً الأزمة في المخيمات أشبه بزلزال اجتماعي (Getty)

في الجز الأول من هذا التقرير الصحافي "الفقر يضرب لبنان.. الجوع يعضّ سكان المخيمات الفلسطينية" تبيّنت فداحة الحال التي يعانيها أهل تلك المخيمات اقتصادياً واجتماعيا. هنا الجزء الثاني والأخير منه.

النداءات المتواصلة التي أطلقتها الجمعيات العاملة في المخيمات الفلسطينية في لبنان، لاقت صدى لدى المؤسسات الفلسطينية في بلاد الاغتراب، فأطلقت مجموعة العمل الفلسطيني في جنوب السويد حملة لإغاثة فلسطينيي لبنان تحت عنوان "بدعمكم لن تجوع مخيمات لبنان". وهذه المجموعة تأسست قبل ثلاث سنوات، وتضم 17 جمعية فلسطينية، من كل التيارات الفلسطينية البارزة "فيها الأخضر، والأصفر، والأحمر"، كما يقول أحد المسؤولين في المجموعة، ومنسّق أعمالها، فيما يخص حق العمل للفلسطينيين في لبنان، خليل عاصي، في حوار مع "المدن".

يُضيف إن المجموعة كانت قد عزّزت من حملتها من أجل الفلسطينيين في لبنان منذ فرضت وزارة العمل اللبنانية إجازة العمل (تموز/يوليو 2019) "ولذلك كنا مستعدين لدعم أهلنا الفلسطينيين في لبنان، ومطّلعين على الأوضاع البائسة. وقد عقدنا ورشة عمل في 19/10/2019، حضره ممثلون من كل الجاليات الفلسطينية في أوروبا، وبرلمانيون أوروبيون. ونلمس تجاوباً واسعاً من الناس، سواء كانوا فلسطينيين أم عرباً".

يتابع "من موقعي، وموقع مجموعة العمل الفلسطيني في جنوب السويد، والجمعيات التي تمثّلها، نقول إننا لن نرضى أن يُصيب الفلسطينيين في لبنان أي عَوز، ونحن ندرك حاجاتهم، فهم أهلنا، ولن نتخلى عن واجبنا تجاههم". وكانت 24 جمعية ومؤسسة فلسطينية وسويدية وحقوقية وجّهت مذكرة إلى وزارة الخارجية السويدية تطالبها بالتدخل العاجل لدعم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

تحول سريع
يعبّر رئيس حملة الوفاء الأوروبية أمين أبو راشد عن دهشته من انحدار الوضع المعيشي في المخيمات الفلسطينية بهذه الحدّة خلال أشهر قليلة، فهو كان قد زارها، وجال فيها، خلال شهر أيلول الماضي "لقد تفاجأت بالحالة الصعبة، التحوّل السريع أشبه بزلزال اجتماعي أصاب المنطقة. شحّ في الدواء والغذاء والضرورات الحياتية". يشير أبو راشد في حديثه لـ"المدن" إلى التكية في مخيم برج البراجنة التي أنشأتها حملة الوفاء، وتُقدّم الطعام الساخن والمعجنات للمحتاجين "وكذلك هناك عدة مطابخ خيرية في عدد من المخيمات. يُضاف إلى توزيع آلاف الطرود الغذائية، والأدوية المجانية لذوي الأمراض المزمنة".

ويصف التجاوب في أوروبا مع الحملة بالجيد جداً "خاصة وأن الكثيرين يعرفون معاناة الفلسطينيين في لبنان قبل الأزمة الحالية. فحملت إجراءات وزارة العمل الأخيرة، ومن حيث لم تقصد، جانباً تعريفياً بمأساة اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان". ويدعو أبو راشد إلى تعاون جميع المؤسسات العاملة في التجمعات والمخيمات الفلسطينية من أجل إحصاء شامل، لتحديد الأولويات، وتنظيم الإغاثة. مشدداً على ضرورة تعزيز دور الأونروا في هذا المجال.

الأونروا والفصائل
الأونروا، وحتى الآن، لم تفعّل عملها الإغاثي، ولم تُقدّم مساعدات عاجلة للفلسطينيين، رغم نداءاتهم، واحتجاجاتهم، واعتصاماتهم أمام مقرّاتها في مناطق كثيرة. وطالبها المعتصمون في البقاع، بالإضافة إلى المطالب الرئيسية بالغذاء والدواء والاستشفاء، بتوزيع مادّة المازوت على كافة اللاجئين الفلسطينيين في البقاع. أما مخيم نهر البارد فقد شهد تظاهرات ليلية قرع فيها المتظاهرون على الطناجر، احتجاجاً "على عدم قيام الفصائل الفلسطينية والأونروا بالدور المطلوب". واكتفى المدير العام لوكالة الأونروا في لبنان كلاوديو كوردوني بتوجيه كلمة إلى اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، خلَت من أي وعود، ووصفتهم بأنهم "الفئات الأكثر حاجة"، وأن الأونروا تتلقى باستمرار مناشدات لتوفير مساعدات طارئة. ورفضت الأونروا الردّ على أسئلة "المدن" حول رؤية الأونروا في التخفيف من حدّة الأزمة الحالية.

حركتا "حماس" و"فتح" من جهتهما يقومان، مباشرة أو من خلال مؤسسات اجتماعية محسوبة على الفصيلين الأكبرين، بتوزيع المواد الغذائية، رغم عجزها حتى الآن عن شمول كل المحتاجين. "المدن" التقت مسؤولاً فصائلياً بارزاً، وسألته عن سبب هذا الاستنفار الاجتماعي داخل فصيله، فقال "إن مردّ ذلك إلى عدد من المؤشرات كلّها تُجمع على أن الأزمة المالية في بدايتها، ويجب التحسّب من الآن لما هو آت. أولاً، إن المعلومات التي حصلنا عليها من جهات داخلية وخارجية صديقة أجمعت على أن الحديث عن مجاعة مقبلة ليس تهويلاً أبداً، بل هو واقع ربما. ومثلاً، ما كنا نظنه تهويلاً حول المصارف قبل أشهر أصبح واقعاً. وأن يطلب عدد من المسؤولين والمراجع اللبنانية من أنصارهم الزراعة والتموين، فهو أمر يجب أن نأخذه بالاعتبار".

المسألة الثانية، والكلام للمصدر الفصائلي: "في التحليل السياسي، إن لبنان في السنوات القليلة الماضية انحاز سياسياً إلى محور، وتكرّس ذلك رسمياً مع وصول الرئيس ميشال عون لمنصب الرئاسة. ولا بدّ أن يستثمر المحور المناوئ الأزمة المالية اللبنانية الحالية لتعميقها، وتحقيق غايات سياسية، أو لإغراق خصومه. هذا على الأقل ما يقوله التحليل السياسي الأوّلي. المسألة الثالثة، هو التحليل المالي، والمؤشرات المالية كافة تؤكّد أن الوضع الحالي ذاهب إلى كارثة مالية واقتصادية، خصوصاً أن الدول القادرة على الإنقاذ تقع في المحور المناوئ بكل أسف".

إعلان حالة الطوارئ
ويخلص المصدر الفصائلي من تحليله للأزمة الاقتصادية إلى القول إن من أجل ذلك كانت خطة فصيله قائمة على إغاثة عاجلة من جهة، والتحضير للتعايش مع الأزمة الطويلة من خلال تخزين موادّ تموينية للظروف الأسوأ المتوقّعة. كما يشير إلى أن هيئة العمل المشترك بدأت في البحث بآليات لتشكيل لجنة اجتماعية اقتصادية تُشرف على أوضاع الفلسطينيين في لبنان إلى حين عبور المرحلة الصعبة "لكن لم نصل بعد إلى نتائج نهائية، وإن كانت القناعة عند الجميع بأن تشتت الجهود يضر بالعملية الإغاثية برمّتها".

ويعترف المصدر بأن الفصائل وحدها قد لا تكون قادرة على إغاثة كل الفلسطينيين، وتأمين الموادّ الغذائية لكافة المحتاجين الفلسطينيين "لكنّنا استطعنا تغطية جزء كبير من الاحتياجات، بمعاونة المجتمع المدني، الذي بادر بصورة لافتة، ومقدّرة من كل الفصائل الفلسطينية. ومع ذلك نحن نتوجّه للأونروا بصفتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وموكلة من المجتمع الدولي بتسيير حياة الفلسطينيين، أن تعلن حالة الطوارئ، وتُطلق نداءً عاجلاً لجمع التبرّعات من المجتمع الدولي لدعم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. نحن كفصائل فلسطينية التقينا خلال الأسبوع الماضي المدير العام لوكالة "الأونروا" في لبنان كلاوديو كوردوني، وطالبناه بذلك، ووعد خيراً، لكنه لم يكن جازماً بتلبية تلك المطالب، بل طالبَنا كفصائل بتسخير علاقاتنا الدولية من أجل جلب الدعم الإغاثي للفلسطينيين في لبنان".

في ندوة حول أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، دعا إليها مركز الزيتونة للدراسات، كان التخوف ظاهراً في عدد من الكلمات من أن يؤدي تفاقم الأزمة الحالية إلى فلتان أمني داخل المخيمات، أو استثمار أفراد فلسطينيين في قضايا تضرّ بالسلم الأهلي بلبنان، بالرغم من أن الفلسطينيين استطاعوا أن ينأوا بأنفسهم عن الصراعات اللبنانية التي تصاعدت بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وخلال الأزمة السورية. كما كان النقد واضحاً لغياب استراتيجية فلسطينية موحّدة تطمئن الفلسطينيين. ويثبت تاريخ الأزمات الحديثة في لبنان، أن الفلسطينيين، ولأسباب عديدة، هم أوّل المتأثّرين بالأزمات، وآخر الخارجين منها، إن خرجوا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها