آخر تحديث:00:16(بيروت)
السبت 09/11/2019
share

ثورة بعلبك.. لكسر العزلة عن لبنان

لوسي بارسخيان | السبت 09/11/2019
شارك المقال :

في سؤال يوجه لبعلبكي يعارض "الثورة الشعبية" المشتعلة في لبنان منذ 23 يوما، يسارع الأخير إلى نفي وجود حراكات شعبية في المدينة، ويصف ما خرج إلى العلن من تحركات يومية تجري في ساحة خليل مطران بـ "حفلة موسيقية" يومية، مقللاً من أهمية انضمام قسم كبير من تلاميذ بعلبك إلى زملائهم في لبنان، وتسلمهم زمام المبادرة فيها، فارضين إقفال مصارف، وتعطيل مرافق عامة في المدينة، من دون أن تعترضهم أي مشاكل، شبيهة لتلك التي رافقت إنطلاقة "الثورة" قبل أسابيع..

الكرّ والفرّ
تبدو حال بعلبك هذه الأيام كالجمر تحت الرماد. وعلى رغم تفاوت أعداد الشبان المشاركين في حراكاتها المتكررة، بين يوم وآخر، نجح المجتمع المدني، بـ"دوزنة" الشارع على وقع تحركاته المفاجئة، فارضاً نفسه قوة شعبية موازية للقوة الحزبية، التي صادرت قرار المدينة لسنوات، ولو بأعداد محدودة من "الثوار" الذين بدا أنهم يتجرعون الجرأة من "الصورة الأوسع" للثورة المشتعلة على مختلف الأراضي اللبنانية.

تنبه شبان "الحراك المدني" للعبة الكر والفر التي مورست عليهم في البداية، عندما حاولت سلطة الأمر الواقع إزالة أثرهم من الشارع، بتسليمه إلى "طفار" مطلوبين للعدالة، يتخفون تحت عباءة العشائر، افتعلوا المشاكل، وحاولوا تشويه صورة الثورة بأفعال مخلة بالأمن. فانتقلوا بصوتهم إلى ساحة خليل مطران، التي بعد تحولها إلى ساحة دائمة للثورة، يجري إعدادها حالياً لتصبح أيضاً "ساحة انطلاق لثقافة وطنية جامعة في المدينة، تكسر عزلة بعلبك عن القضايا الوطنية".

تبدو "المحاذير الاجتماعية" أقل بكثير الآن، حين تسلم الجيل الشاب هذه المهمة.. فلا أحد مثلاً أن يواجه تلاميذ المدارس أو حتى طلاب الجامعات. وإن كان الكل في بعلبك مدرك بأن حناجر هؤلاء الشباب، وخصوصاً التلاميذ منهم، تصرخ بأصوات ذويهم "كلن يعني كلن".

الحماية القصوى
وفقاً لمعنيين بتنظيم الحراكات اليومية في بعلبك، فإن أحداً لم يكن ليجرؤ على السماح لإبنه بالمشاركة في مثل هذه الحراكات لولا الحماية القصوى التي يؤمنها الجيش اللبناني والقوى الأمنية للمتظاهرين، والذين تتخطى جهودهم في المدينة ما يبذل في أي مدينة أخرى. ويشير هؤلاء إلى تنسيق دائم مع الأجهزة الأمنية، التي أبدت استعداداً للتعامل بحزم تام تجاه أي معتد على المتظاهرين في هذه المنطقة.

إلا أن شباب الحراك المدني لم يكونوا ليجرؤوا على تحمل مسؤولية الثوار الذين نزلوا إلى الشارع، كما يؤكدون، لو لم يلمسوا تغيراً في نمط تفكير المجتمع البعلبكي، الذي بات أكثر انفتاحاً على فكرة كسر قبضة "المنظومة" السياسية المحكمة منذ سنوات.

العصب الشعبي
يبدي ثوار بعلبك ارتياحاً تاماً للأجواء التي سادت في حراكاتهم منذ أكثر من أسبوع. ومرد ذلك كما يقولون، إلى أنهم باتوا مقتنعين بأن 80 بالمئة من البعلبكيين هم مع الحراك قلباً وقالباً، ولكن من بين هؤلاء ربما ما يوازي 10 بالمئة فقط، تغلّب لديهم الحس الوطني على المخاوف. وهؤلاء يشكلون نواة الثورة ونبضها، أما الباقون فلا يزالون يراعون اعتبارات حزبية أو عشائرية أو سياسية تحول دون الإفصاح عن ميولهم. ومن هنا يقولون "إن بعلبك لا تحتاج سوى إلى مزيد من الوقت حتى تدير محركات ثورتها على نحو أفعل، فيكون لذلك الوقع الذي تتمناه مساهمة في نجاح الثورة بالوصول إلى أهدافها على مستوى لبنان عموماً".

في المقابل يدرك المعنيون بتنظيم الحراكات اليومية، أن التحفظات الموجودة في المجتمع البعلبكي، تحملهم عبئاً أكبر من باقي المناطق، ومخاطر قد تصل إلى حد توجيه أصابع الاتهام واللوم إليهم، إذا ما فشلت الثورة في الوصول إلى أهدافها. ومن هنا يقول هؤلاء بأن تعبهم كبير، وخوفهم أكبر، ولكنهم واثقون من أن "العصب الشعبي" في بعلبك لا يقل أهمية عن غيره من المدن اللبنانية.

التلامذة والمصارف
وعلى هذا "العصب" كان الاعتماد في اليومين الأخيرين، اللذين يصفهما المعنيون بالحراك بأنهما كانا "الأنجح" بين الأيام الماضية. فقد سمح هذا العصب البعلبكي الشاب، صباح الجمعة، وبعدد قليل من تلاميذ مدرسة راهبات القلبين الأقدسين، وسلاحهم الوحيد حناجر تهتف "يسقط يسقط حكم المصرف" في منع موظفي مصرف BSL في بعلبك من الالتحاق بوظائفهم، ناقلين ضغطهم أيضاً إلى مصارف أخرى، ومنها مصرف لبنان، بمحاولة لإخراج الموظفين من مكاتبهم.. هذا الضغط يتوقع أن يستكمل في الأسبوع المقبل، وسط نفي تام من قبل المعنيين بالحراك أنه موجه بشكل مدروس في بعلبك إلى المصارف، كون النقمة عليها تشكل موضوع إجماع بين المؤيدين والمعارضين للثورة. فبرأي هؤلاء، المصارف هي جزء من منظومة الفساد التي أفقرت الناس، وذلك لا يعني بأن ضغط الثوار مقتصر عليها، وهو قد طال في اليوم السابق عدة مرافق عامة، ومن بينها مركز اتصالات أوجيرو، وبلدية بعلبك المحسوبة على حزب الله، وسيكرر المحاولات في الأسابيع المقبلة حتى يلزم هذه المؤسسات على الاعتراف بحق كل مواطن في بعلبك ولبنان عموماً.

ويؤكد المعنيون أن حراك بعلبك دخل حالياً في مرحلة تحضيرية للأيام المقبلة، وستتضمن بالإضافة إلى حلقات التوعية السياسية حول الحقوق والواجبات، وحول أهمية تشكيل حكومة تكنوقراطية من المتخصصين، تحديداً لنشاطات أخرى، تشرك الشباب بشكل أكبر في تحمل المسؤولية بمرحلة إنتقالية، يعتبرونها تؤسس لمستقبل جديد للبعلبكيين واللبنانيين عموماً حتى ينعموا بالحقوق المتساوية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها