آخر تحديث:00:16(بيروت)
السبت 09/11/2019
share

الشباب يخطّ غضبه على جدران المدينة.. ثورة شاملة وشخصية

يارا نحلة | السبت 09/11/2019
شارك المقال :
الشباب يخطّ غضبه على جدران المدينة.. ثورة شاملة وشخصية آليات القمع ما عادت قادرة على كتم الكلمة والبوح (يارا نحلة)

بعد أن تعرضوا للضرب المبرح صباحاً، واحتفلوا بإسقاطهم الحكومة مساءً، جلس عدد من الشبان والشابات على ناصية طريق جسر الرينغ، التي تحوّلت بيتاً لهم في الأيام الأخيرة، وشاهداً على مآسيهم وأفراحهم، خصوصاً في ذلك اليوم الذي امتزج فيه الشؤم بالأمل. كانوا منهكين ومربكين، تجتاحهم مشاعر متضاربة تتراوح بين النصر والإنكسار. فهم قد انتصروا، باتحادهم، على سلطةٍ لطالما فرقتهم. وانكسروا في الوقت نفسه تحت عصي الشبيحة/أبناء شعبهم. وسط هذا الإرباك والتلعثم العاطفيين، حيث تعجز الخطابات الرنانة وبيانات الاستنكار المطوّلة عن وصف هول المشهد، ارتأى أحد الشبان محاربة العصي بعبوة "سبراي"، و"البلطجة" بالكلمة المقتضبة، ومفادها "طريق القدس لا تمر بالرينغ".

بعد راديكالي
على جسر "الرينغ" خاض الثنائي الشيعي معركته بالعنف، وعلى جدران الجسر يخوض المنتفضون السلميون معاركهم وصراعاتهم، الكثيرة بكثرة الأزمات المتراكمة على ظهورهم، منذ انتهاء الحرب وما قبل. إن احتلال الشباب، أي جيل ما بعد الحرب الأهلية، لطرقات بيروت وساحاتها يأتي، على الرغم من رمزيته، شخصياً للغاية. إنها ثورة كل فرد منهم ضدّ كل مخلّفات الحرب الأهلية، بما فيها أهلهم وأسرهم. ثورة تلفظهم خارج منازلهم وإلى الشارع، الشارع نفسه الذي كان يمثّل، في حرب آبائهم ومخيلتهم، خطّ الانقسام والاقتتال. إن هذه المنطقة التي تفصل بين غربي بيروت وشرقيها هي اليوم تحت سيطرة الأبناء، أولئك الثائرون على مخيلة الآباء، وعلى السلطة، بكل أوجهها.

تنعكس هذه الثورة "الشاملة" عبر رسم غرافيتي آخر يزيّن أحد أرصفة الوسط؛ "لا إله. لا سيد. لا ربّ. لا زوج". إن هذه العبارة التي استمدّت جزأها الأول من الشعار الأناركي الفرنسي "Ni dieu, Ni maître" اكتسبت، في أحد شوارع بيروت، بعداً نسوياً أكثر راديكالية من مضمون الشعار الأساسي، لا سيّما في مجتمعٍ تتنافس فيه الحساسيات الدينية والأبوية على فرض أدوات القمع. وبالرغم من أن أدوات وآليات القمع لا تزال قائمة، وعلى أهبّة الاستعداد للتوظيف، إلا أنها، على الأقلّ، ما عادت  قادرة على كتم الكلمة والبوح، المنطوق منه والمكتوب. انفلتت الكلمة من كافة القيود الأخلاقية والقانونية بل حتى الاقتصادية.

الشتيمة كواجب وطني
فالشتيمة أضحت مباحة، لا بلّ محبّذة، ذلك أن الفساد الأخلاقي المستشري في السلطة الحاكمة قد تفوّق على أي فسادٍ آخر، ما يستحضر الشتيمة كواجبٍ وطني ودليل صادق على الغضب. أما خطر الملاحقات القانونية التي قادها باسيل في الفترة السابقة فقد زال هو الآخر، ببساطة لأن باسيل لن يقدر حتى على إحصاء الشاتمين. سقطت كذلك قدسية الملكية الخاصة كما العامة وأصبح كلاهما بمثابة "كانفاس" يخطّ عليه المحتجون غضبهم ورفضهم.

يتجسّد هذا الرفض بـ"لاءات" كثيرة تستعرضها جدران الوسط التجاري. "لا لسوليدير"، هي أوّلها، تليها "لا لحكم المصرف"، و"لا لسلطة رأس المال". هذا الرفض الاقتصادي المنشأ، أخذ يتطور ويتفشى في ميادين الحياة الأخرى، كإعلان عن وعيٍ شعبي مدرك لسيطرة الاقتصاد على كافة مفاصل الحياة. النتيجة هي عبارات طريفة من طراز "لا للـ anxiety" و"لا للفنّ المعاصر"، "يسقط رئيسي في العمل" و"يسقط الـproposal ". شعارات كتبت على عجل وبعشوائية ودون الكثير من الإتقان أو "الإحترام" لملايين الدولارات المصروفة في سبيل هذه المباني "الفاخرة".

جمالية "التخريب"
لطالما مررت بحيّ الصيفي "النموذجي"، ذلك الذي يبدو وكأنه مستعار من مدينة أخرى أو بلد آخر لا يشبه لبنان بضوضائه وفوضاه العمرانية، ولطالما حاولت تصوّر حياة الناس الذي يسكنون فيه، الـ"1%" الذين يقتاتون من تعب الـ 90%. أتخيل رجال "مافيا سوليدير" جالسين على مائدة عشاء باذخة، يتقاسمون خلالها غناهم من المال والأملاك العامة. وبين كل قضمة والأخرى من اللحم الفرنسي المستورد، الذي لا شكّ في مطابقته للمعايير الصحية، ترتسم على وجوهم إبتسامة ساخرة ومغرورة، وكأنها تقول "يا للشعب المسكين.. لقد نهبناه مجدداً!" حين يمرّ المرء بحيّ الصيفي اليوم ويراه "مشوّهاً" بشتائم الفقراء و"لعناتهم"، يدرك أن ما يسميه البعض "تخريباً" ليس سوى انتقام اجتماعي وطبقي من غرور السلطة الحاكمة بقوة الدولار والعصا. حيّ الصيفي كان قبيحاً بغروره الطبقي، وقد أضحى جميلاً بأعمال الشغب والتكسير والحرق التي محت تلك الإبتسامة الساخرة عن وجه طغاتنا الاقتصاديين واستبدلتها بنظرة قلق.

إن اللبنانيين الذين قلّما اعتادوا استخدام المجال العام لغرضٍ غير التنقل في السيارات، خرجوا دفعةً واحدة إلى الشارع، وبقي جزء كبير منهم فيه. إن الذين اعتادوا القمع داخل منازلهم ومن قبل أسرهم، خرجوا إلى الشارع ليرفعوا صوتهم. إحتوى الشارع اللبناني أجساد اللبنانيين وخطاباتهم على اختلافاتها. ففي مكان تظهر عبارة "ثورة عابرات" (في إشارة إلى العابرات جنسياً)، وفي مكانٍ آخر "كويرز للثورة". ومع اختلاط العام بالخاص، تحوّل السياسي إلى شخصي. فالشتيمة شخصية، ومعركتنا مع النظام شخصية، وكذلك معاركنا مع المصرف ومع جبران باسيل وفادي جريصاتي. غرورهما المهين للشعب اللبناني شخصي للغاية. لذلك كانت الشتيمة. وبوجه هذا الغرور، رُفعت الأصابع الوسطى على جدران المدينة ولوّنت شوارعها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها