آخر تحديث:00:54(بيروت)
الجمعة 08/11/2019
share

بعيداً عن ساحة النور: جولة في بؤس طرابلس

جنى الدهيبي | الجمعة 08/11/2019
شارك المقال :
بعيداً عن ساحة النور: جولة في بؤس طرابلس صاح الطفل: "تعوا صورني، ليش جيتو؟ وأنا كمان مع الثورة، كلن يعني كلن" (جنى الدهيبي)

قد نرتكب خطيئةً، أو ربما تقصيرًا بحقّ طرابلس، إذا اختزلناها جغرافيًا، ما بعد تاريخ 17 تشرين الأول، في بقعةٍ محددةٍ ضمن ساحة عبد الحميد كرامي المعروفة بـ"ساحة النور".  فعاصمة الشمال التي تحيي ثورتها في هذه الساحة، مع طلابها وطالباتها وأبنائها، وتجدد كلّ ليلةٍ أيقونتها كـ"عروس" للثورة راسخةٍ في قلب لبنان، ليست ساحة النور وحسب، وإنّما هي أحياء وفروع ومناطق تحيا في وجدان هذه الثورة، وتشكل جزءًا لا يتجزأ من صنيعها.

الخروج من الساحة
قررنا الخروج من الساحة إلى رحابها الواسعة، فتوجهنا مجموعةً إلى منابع هذه الثورة وجذورها الأصلية، والمنسيّة أيضًا. فمن رحم هذه الرحاب، يولد يومًا تلو آخر غضب كبير بعيدًا من أعين دولةٍ نائمةٍ مع أهل الكهف. ثمّة مللٌ ضاقت به أذرع الساحة التي يتردد على مسامعها سؤال واحد: ما هو مطلبكم؟ ثم تأتي الإجابات متشابهةً إلى حدٍّ بعيد، في مدينة يلتفُّ أهلها على قلبٍ واحدٍ، موجوعٍ ومنكسرٍ، من الحرمان في الطبابة والضمان والعمل والتعليم وأدنى مقومات العيش بكرامة. وواقع الحال، هو أنّ طرابلس قد لا تحتاج إلى كبسة زرٍ صوتي على سيمفونية مطالبها، وإنمّا لمن يأتي إليها ويشيح الحجاب عن حقائق ووقائع مخفيّة (ربما قسرًا)، آلت إلى تصنيفها أفقر مدينة على حوض البحر المتوسط.

لكنّ طرابلس، ليست الأفقر فحسب، وإنّما الأكثر تعاسة.. وهي تعاسة بلغت حدود الانفجار الاجتماعي والاقتصادي، قبل السياسي.

صباحًا، انطلقنا في سيارتنا من ساحة النور نحو شاطئ الميناء لجهة "راس الصخر"، الذي كان يغصُّ بقلةٍ من المشاة. كأنّه بوحدته وعرائه أمام أمواج البحر الهائجة، يترقب خلاص الوطن بثورة أبنائه. مشينا قليلًا، ثمّ دخلنا مفترقًا بعد جامعة بيروت العربية، لنصل إلى حيّ البؤس الكبير: حيّ التنك.

حيّ التنك
عند بوابة الحيّ، التقينا بمجموعةٍ أطفالٍ من الفتيات والفتيان، يحملون البلونات الملونة. وجوههم شاحبة وملسوعة من أشعة الشمس تحت سقوف التنك، يتنقلون ركضًا أو مشيًا. أحدهم على "بيسكلات" عتيقة، تدحرج في بقعةٍ من مجارير تُغرق سطح الأرض. انتشل نفسه، نفض بيديه المصبوغتين ببقعٍ سوداء ثيابه العتيقة، ثم تسلّق على البيسكلات ليعاود اللعب والضحك كأنّ شيئًا لم يكن، أو كأنّه تعوّد على التعايش مع هذه المجارير. بعض الأطفال هربوا إلى بيوتهم التنكية لدى رؤيتنا، نحن الغرباء عنهم. وبعضهم الآخر، تقدّم نحونا، وتسابق في الأسئلة وإعطاء دفعةٍ من الشعارات من وحي الثورة: "تعوا صورني، ليش جيتو؟ وأنا كمان مع الثورة، كلن يعني كلن".

إحدى صبايا الحيّ البالغة 18 عامًا، قويّة، مقدامة، وتلعب دور "المختارة"، بعد أن تركت المدرسة نتيجة خلافها مع المديرة التي ضربتها فردّت لها الضربة! نسألها عن سيدةٍ نريد الحديث معها، فتتردد معظم من حواليها، ثمّ تتوجه إليهن مازحةً وصارخة بصوتها المبحوح: "إيه بس يتشّ فوقكهم السقف بالشتي لا تقولوا ما حدا سأل عنّا.. لك العمى من شو بتخافو؟!". تخبرنا الصبية أنّها تواظب على المشاركة في تظاهرات ساحة النور، ولو اضطرت إلى الذهاب سيرًا على الأقدام، وتخبرنا أنّ معظم أبناء الحيّ يتابعون التظاهرات على التلفزيون أو عبر الراديو، لأن أغلبهم لا يملكون كلفة المواصلات إلى الساحة، ويفضلوا أن يأمنوا بدلًا منها كلفة ربطة الخبز.

معظم سكان الحيّ، عاطلون عن العمل، أو يعملون في لمّ الحديد وبيعه بأبخس الأثمان. قبل عشرات السنوات، كان من المفترض أن تكون إقامة مئات العائلات الفقيرة في البيوت التنكية مؤقتة، لا سيما أنّ أبنية الحيّ لم تشيّد لأجل هذه الغاية، وإنّما شيدها مهندسون جاؤوا إلى الميناء ضمن مشروع للعمل على تحسينها، ثمّ احتلها عمال الورشة الذين جاؤوا بعائلاتهم المشّردة، قبل أن تتوسع أعدادهم، فيما ملكية جزء من الأرض يعود للدولة، والجزء الآخر ملكية خاصة لا يكفّ أصحابها عن المطالبة بإخلائها.

هذا الحيّ، تسكنه عائلات لبنانية معدمة، وبعض النازحين السوريين، منذ عشرات السنين، تتراصف فيه مئات الغرف التي تفتقد لأدنى مقومات الحاجات الأساسية، بعضها مسقوف بألواح الأترميت الرمادية (ألواح اسمنتية مموجة)، وبعضها الآخر مصنوع وبشكل كامل من التنك، وهو نوع من ألواح الحديد الهش. وما يجمع أبناء الحيّ البؤساء، أنهم لا يملكون مأوىً بديلًا يلجأون إليه، وكل ما يطالبون به الدولة، قبل الثورة وبعدها، هو الحصول على تعويضات لتشردهم، وتأمين مساكن لهم يدفعون ثمنها بالتقسيط، مقابل تأمين فرص عمل لهم.

انتشار البؤس
في طرابلس، تتوزع فئات الفقراءعلى أربع مجموعات أحياء كثيفة السكان رئيسية، تقع شمال نهر أبو علي، وتضاف إليها المدينة القديمة، وكذلك في مناطق الميناء والزاهرية والتل. عدنا وتوجهنا نحو جسر أبو علي، الذي تحول إلى نهرٍ مسقوفٍ للبالات العتيقة (مع سؤال الجوهري: كيف لعاقلٍ أن يسقف نهرًا؟!)، وتُباع فيه الألبسة للفقراء بدءًا من سعر ألف ليرة لبنانية، ومع ذلك، قلّة هم من يُقدمون على الشراء، بينما أصحاب البسطات يسرحون تحت أشعة الشمس بانتظار مجيء ولو زبون مع نسمة هواء. داخل سوق الخضار، الوضع ليس أفضل حالًا. تسير النسوة لشراء بعض حاجات الطعام، بالكيلو أو النصف كيلو، وتُحارجن الباعة على الـ 250 ليرة لبنانية. يصرخ لنا أحد بائعي الخضار: "والله صرت عم بيع كيلو اللوبية بألف بالسوق السودا". يشكي همه من أصحاب مولدات الكهرباء ويصفهم بـ "ربّ الفساد". يقول: "أخذوا مني 100 ألف ليرة وأنا لا أبيع شيئًا". يمتنع عن ذكر اسمه لأنه "مطلوب بعدة مذكرات"، ثمّ يمازحنا صديقه: "ليش في حدا مش مطلوب بطرابلس، وإذا ما كان مطلوب للدولة فهو مطلوب بفاتورة كهرباء أو ماء أو لديّنٍ لم يسدده للسمان".

انتقلنا إلى شارع سوريا، الذي يفصل منطقتي باب التبانة وجبل محسن. وهناك البؤس الكبير، الذي تحاكيه أبواب المحال المغلقة ومآثر الحرب. ندخل إلى حيّ "بعل الدراويش"، الذي دفع فاتورةً باهظةً في الحرب، بأرواح أبنائه. وقد تحولت أبنيته إلى شاهدةٍ على الحرب، بعد أن كانت متاريس للقتال والمعارك، وهي مخروقة بالشظايا والرصاص. أما شباب هذا الحيّ، فهم بمعظمهم من فئة العاطلين عن العمل، أو من مكتومي القيد، وللحديث عنهم حكاية أخرى وتتمة لاحقة...

لكن، ما الذي يجمع هذه الأحياء؟ ما يجمعها، هو صور زعماء عملاقة معلقة على أبنية مهترئة، لا يجرؤ أحد على إزالتها، لأنّها بحماية أتباع أو "زعران" هؤلاء الزعماء.

عند الثالثة عصرًا، عدنا إلى ساحة النور، للانضمام إلى مسيرة إزالة صور هؤلاء الزعماء. لم يقوَ الشباب والشابات الثائرون والثائرات على إزالة إلا بعض الصور المعلقة على الأعمدة - وهم يصدحون بمكبرات الصوت - منعًا للاصطدام بـ "حُماة" هذه الصور، فكانت مسيرة رمزية، لتسجيل موقفٍ، ولتكون خطوةً في مخاض نشر الوعي في طرابلس، إلى حين فرضه أمرًا واقعًا ناتجًا من ثورة مدينة مقهورة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها