آخر تحديث:12:46(بيروت)
الأربعاء 06/11/2019
share

انتفاضة طلابية تجدد الثورة ضد الرؤساء.. و"الريسة"

وليد حسين | الأربعاء 06/11/2019
شارك المقال :
انتفاضة طلابية تجدد الثورة ضد الرؤساء.. و"الريسة" طلاب صيدا في الشارع (عزيز طاهر)
ليس هناك من مشهد مهين للبشر وللكرامة الإنسانية، أمام الهبة الطلابية لطلاب المدارس في لبنان، إلا تلك الرسالة التي كُتبت، إما إرغاماً أو تزلفاً، من قبل بعض أهالي طلاب راهبات عبرا، تحت مسمى بيان توضيحي، أرسلوه للاعتذار من "الريسة". وجاء فيه حرفيا: "باسم طلاب صفوف الشهادات النهائية في مدرسة السيدة للراهبات المخلصيات عبرا، نتقدم بالاعتذار من إدارة المدرسة، وكل من لحقه الأذى جراء ما حدث. ونخص بالاعتذار حضرة الأم الرئيسة منى وازن. ونؤكد أن مدرستنا كانت دوماً الحافظة لحقوقنا ولحريتنا في التعبير عن آرائنا. نشدد على أن الأم الرئيسة لم تتعمد التهديد والأذى، بل بالعكس كانت حريصة كالعادة على سلامتنا وسلامة جميع الطلاب. إذ أن مجموعة قليلة من صفوفنا قرروا الذهاب إلى التظاهرة من دون إبلاغ المدرسة. وهذه المسؤولية لا يمكن لإدارة المدرسة تحملها. نطالب منكم عدم تسييس هذه الحادثة، وعدم المس بشخص الأم الرئيسة أو أي من الأساتذة الكرام. نشكر تفهمكم".

رسالة تذكّر في لغتها المبجّلة بـ"الأم الرئيسة" بالرسائل الاعتذارية من القائد البعثي في سوريا، المبجّلة بقيادته وبنباهة رأيه وثقابة رؤيته. وتذكّر أيضاً بمقاطع الفيديو المذلّة للأشخاص الذين اعتذروا من رئيس مجلس النواب نبيه بري وأمين عام حزب الله حسن نصرالله، بعدما توالوا على شتمهم، في فورة غضبهم في التظاهرات التي خرج فيها اللبنانيون ضد جميع أركان السلطة، واتهموهم بنهب المال العام وافلاس البلد ونعتوهم بـ"الحرامية".

لعل آلاف الطلاب في معظم المدارس اللبنانية الذين خرجوا اليوم للاعتصام في النبطية، وصيدا وأمام وزارة التربية في بيروت، وفي جونية، وفي معظم المناطق التي لم يتسن لها التغطية الإعلامية، يعيدون لطلاب راهبات عبرا كرامتهم، بعد هذه الرسالة-الفضيحة التي أرسلها بعض الممالقين صباح اليوم التالي للرسالة المهينة التي أرسلتها "الرئيسة" وازن، مهددة الطلاب من العواقب الوخيمة التي تنتظرهم في حال شاركوا في الاحتجاجات والاعتصامات التي تعم كل لبنان.

وليس أسوأ من رسالة "الرئيسة" إلا التوضيح الذي صدر عن المدرسة، بعد البلبلة التي أحدثها قرارها بطردهم وعدم السماح لهم بتقديم امتحانات الشهادة الرسمية، وقالت فيه أن الرسالة موجّهة "إلى فئة من طلاب المدرسة ينوون المشاركة بالتظاهر انطلاقاً من المدرسة ومن دون علم ذويهم". فئة ضالة أو مشاغبة أو بلا تربية، كما كنا نسمع في المدارس سابقاً. فئة تستأهل عصا الناظر الذي كان يوسعنا ضرباً عندما نرسب في امتحان آخر الشهر.

ما زلت أذكر تلك المشاهد المهينة في هذه المدرسة التي مررت عليها بضع سنوات، عندما كانت الراهبة تضعنا في صف على الحائط وتأتي بالناظر وتنزل عصاه الكبيرة على أيادينا الممددة أمامه، ويزيد من قوة الضربة وعددها وفقاً للعلامات المتبقية للنجاح. رصانة رهبانية تضعنا في صفوف متراصة أشبه بالمدرسة العسكرية في المعلب، للكشف اليومي. حزم في تعلم اللغة جعلتنا نحن المتعثرين في تعلم اللغة الفرنسية، نحقد عليها وعلى الناظر وعلى "الريسة"، التي لم أعد أذكر اسمها، وعلى الطلاب المتفوقين. إذ كانت "الريسة" تستخدم أسلوب "الإشارة" لمعاقبة من يتحدث بغير اللغة الفرنسية في الملعب.

وها هي "الريسة" الجديدة تستخدم الأسلوب ذاته مع الطلاب، بعد مرور نحو ثلاثين عاماً على خروجي منها. لغة "الإشارة" ذاتها رغم تبدّل الزمن. لكن عوضاً عن ضرب الطلاب ومعاقبتهم في خصم بعض العلامات، ها هي المدرسة تريد طرد الطلاب "المشاغبين"، الذين لم يطيعوا أوامر "الريسة" الصارمة. ولن يستطيع الله (السلام على اسمه، كما قالت) إعادتهم إلى "الثكنة" لنيل الشهادة.

على أن الهبة الطلابية لطلاب صفوف الثانوي في الشوارع، ووعيهم للمخاطر التي تحيق بمستقبلهم في لبنان، أفضل رد على المدرسة و"رصانتها". فها هو صوت الطلاب في كل الساحات يصدح: "ما بدي شهادة تا أقعد بالبيت"، و"لا نريد أن نتعلم وينتهي بنا الأمر إما في عدم إيجاد عمل أو السفر إلى الخارج". ما أسمى طلاب لبنان ووعيهم أمام قباحة المدرسة ورتابة صفوفها.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها