آخر تحديث:00:51(بيروت)
الثلاثاء 05/11/2019
share

زمن الثورة.. زمن العدالة لطرابلس "التقوى والسلام"

جنى الدهيبي | الثلاثاء 05/11/2019
شارك المقال :
زمن الثورة.. زمن العدالة لطرابلس "التقوى والسلام" أهالي جبل محسن: نحن اليوم مع كلّ أهالي طرابلس على قلب واحدٍ (Getty)

بعد خمس سنوات من التباطؤ بإحقاق العدالة، وبينما كانت عاصمة الشمال منشغلة بإحياء ثورتها، أصدرت هيئة المجلس العدلي، حكمًا نهائيًا بحقّ المتهمين في جريمة تفجير مسجدي التقوى والسلام في طرابلس، والتي وقعت في 23 آب 2013، وأودت بحياة 47 مواطنًا وسقوط نحو 500 جريح، إضافة إلى إلحاق أضرار جسيمة في المباني والمحال المجاورة لمحيط التفجيرين (راجع "المدن" في حكم القرار)

الأحكام وجاهياً وغيابياً
هذه الجريمة المروعة في سجل طرابلس الدامي لإجرام آل الأسد، أثبت فيها القرار القضائي من أعلى مرجعياته صحة الاتهامات، بتورط المجموعة المنفذة المرتطبة بالنظام الأسدي عبر الرأس المدبر لها في سوريا، الضابط محمد علي علي وفريقه الأمني، وبتنفيذ اللبناني يوسف عبد الرحمن دياب، الذي تولّى مهمة الضغط على الزناد.

صدر حكم الإعدام وجاهيًا بحقّ دياب، وغيابيًا بحقّ عناصر الفريق السوري المخطط والمسهّل، وهم النقيب في الجيش السوري محمد علي علي مع معاونيه خضر لطفي العيروني وناصر أحمد جوبان، إلى جانب حيان عبد الكريم رمضان، ناصر أحمد جوبان، أحمد يوسف مرعي، خضر شحادة شدود، وسلمان عيسى أحمد. وقد جُرّم بأحكام تخفيفية تراوحت بين السجن لمدة 10 أو 15 عامًا مع الأشغال الشاقة، كلّ من أحمد حسن الغريب (المسؤول الإعلامي في حركة التوحيد) ومصطفى محمد حوري، وسنة واحدة واستبدالها بغرامة قيمتها مليون ليرة لبنانية على القيادي السابق في حركة التوحيد الشيخ هاشم منقارة.

المخابرات السورية.. دوماً
مرجع قانوني رفيع المستوى (يتحفظ عن ذكر اسمه)، وضليع في هذا الملف، يشير في حديثٍ لـ"المدن" أنّ الحكم الصادر استند إلى مجموعة من الأدلة والإفادات العلمية، لمساريّ الجريمتين الارهابتين في تفجير المسجدين، "الذي بدأ مع المحكوم حاليًا أحمد الغريب ومجموعته، ليتوقف عن تنفيذ هذا المشروع الجرمي رغمًا عن إرادته، عندما وجد الرأس المدبر في سوريا لهذه الجريمة أن هناك ثغرات قد تحصل في تنفيذه، فلجأ إلى مجموعة أخرى، وهذا ما أكده المجلس العدلي، استنادًا إلى كل المعطيات التي توصل لها في التحقيق".

أهمية هذا القرار أو حكم، وفق المرجع القانوني، جاء بعد مسار من المحاكمات، ليؤكد على الجهة الخارجية التي أعطت القرار في تنفيذ تلك الجريمة. فـ"بغض النظر عن العقوبات المخففة للبعض، لكن لا بدّ للنظر إلى المسألة، من ناحية التأكيد القضائي بأعلى مستوياته، بأن مشروع تنفيذ هذه الجريمة الإرهابية بدأ من الخارج ونُفذ في لبنان لغايات أثبتها الحكم الصادر".

عمليًا، يوسف دياب، وهو ابن منطقة جبل محسن، وهو الوحيد الذي جرى إلقاء القبض عليه من بين المجموعة التي نفذت الجريمة، بعد أن فرّ باقي أفرادها من وجه العدالة، وقد صدر الحكم بحقهم غيابيًا. وهناك تجريم واضح لهذا المشروع الجرمي المتكامل، المجموعة الأولى هي مجموعة أحمد الغريب، أمّا الثانية، فكانت برئاسة الشيخ حيان، المحكوم عليه غيابيًا، ودياب هو أحد عناصر مجموعته المنفذة للجريمة. ينقد المرجع جزءًا من الحكم بالقول: "هناك رحمة كبيرة ببعض المتهمين، الذين نالوا البراءة، بما أن المجلس العدلي لم يجد الأدلة الكافية لإدانتهم. لكن من أدين بفعل المحاولة، كان الحكم بحقّه مخففًا وغير عادل، كأن يكون الحبس لـ 10 سنوات فقط الشيخ للغريب"، علمًا أنّ محامي الدفاع عن الشيخ، انطوان نعمة، وصف العقوبة الصادرة بحقّه بـ"الظالمة"!

توقيت سياسي؟
فور إصدار الحكم النهائي في قضية جريمة المسجدين، بدأ السؤال يدور عن ارتباطه بتوقيت "سياسي" يتزامن مع فورة طرابلس في انتفاضتها الشعبية، التي جعلتها عروس الساحات الثائرة في لبنان، وسعي السلطة السياسية إلى كسب رضى طرابلس إخمادًا لغضبها. أمّا واقع الحال، فإنّ المحاكمات المتعلقة بالجريمة دامت سنوات طويلة أمام المجلس العدلي، وقد سلكت مسارها الزمني بعد أنّ جرى تحديد الجلسة الأخيرة بتاريخ 26 تشرين الأول، وأحيلت إلى الحكم بتاريخ 28 تشرين الأول الفائت.

لكن، وفي هذه المرحلة المجيدة في تاريخ طرابلس التي تنتفض على مظلوميتها وكلّ من ظلمها، وهي تصدح وتغنّي بصوتٍ عالٍ "كلن يعني كلن"، أنصفها القدر في توقيت إصدار المجلس العدلي لحكمه النهائي، ليكون صفعةً إضافيّةً على وجه كلّ من ظلم هذه المدينة واضطهدها وهدر دماء أهلها، بدءاً من النظام الأسدي وصولًا لأصغر أدواته وحلفائه "أجمعين". ومع ذلك، هناك من سعى إلى استغلال هذا الحكم، باللعب على وتر علاقة أهل المدينة مع جبل محسن، لا سيما أنّ الحكم الوجاهي بالإعدام صدر بحقّ أحد أبناء "الجبل" وهو يوسف دياب. لكن  أبناء الجبل، الذين لا ينفصلون عن أهل المدينة في ثورتهم، لم يتأثروا بكلّ هذه المحاولات الرخصية. وكانت "المدن" قد رصدت آراء بعض أهله في هذا الشأن، ولقيت أنّ ثمة إجماعًا واضحًا على التعاطي مع الحكم الصادر بحق دياب بوعيٍ كبير. تقول إحدى الشخصيات البارزة في الجبل لـ"المدن": "نحترم القرار الصادر من المجلس العدلي، ونحن كنّا ننتظر إحقاق العدالة، وعلى كلّ مجرم أن يتحمل مسؤوليته من أينما كان، ونحن اليوم مع كلّ أهالي طرابلس على قلب واحدٍ في هذه الثورة الشعبية".

اليوم، وبعد أن ترسخ "العداء" مع نظام الأسد في سوريا، الذي لم يفوّت فرصة لارتكاب مجازره في لبنان عمومًا، وطرابلس على وجه التحديد، يبقى السؤال: هل سيسمح أهالي المدينة بعودة "وزير العهد" إلى الحكومة، وهو يسابق الزمن للارتماء في حضن بشار الأسد وزيارته إلى سوريا لإعادة العلاقات مع نظامه المجرم كأنّ شيئًا لم يكن؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها